أحاديث وروايات المعصومين الاربعة عشر/سيرة وتاريخ/الإمام الصادق (عليه السلام)
أحمد بن محمد بن الصلت، عن ابن عقدة، عن أحمد بن
القاسم الاكفاني عن عباد بن يعقوب، عن أبي معاذ زياد بن رستم بياع الادم، عن عبد
الصمد، عن جعفر ابن محمد
عليهما السلام قال : قلت : يا أبا عبد الله حدثنا حديث عقيل، قال : نعم، جاء عقيل
إليكم بالكوفة وكان علي عليه السلام جالسا في صحن المسجد وعليه قميص سنبلاني قال
: فسأله، قال : أكتب لك إلى ينبع، قال : ليس غير هذا؟ قال : لا، فبينما هو كذلك إذ
أقبل الحسين عليه السلام فقال : اشتر لعمك ثوبين، فاشترى له، قال : يا ابن أخي ما
هذا؟ قال : هذه كسوة أمير المؤمنين عليه السلام، ثم أقبل حتى انتهى إلى علي عليه السلام
فجلس فجعل يضرب يده على الثوبين وجعل يقول : ما ألين هذا الثوب يا أبا يزيد! قال :
يا حسن أخد عمك قال : قال : ما أملك صفراء ولا بيضاء، قال : فمر له ببعض ثيابك،
قال : فكساه بعض ثيابه، قال : ثم قال : يا محمد أخد عمك، قال : والله ما أملك درهما
ولا دينارا، قال : اكسه بعض ثيابك.قال عقيل : يا
أمير المؤمنين ائذن لي إلى معاوية؟ قال : في حل محلل، فانطلق نحوه، وبلغ ذلك
معاوية، فقال : اركبوا أفره دوابكم والبسوا من أحسن ثيابكم فإن عقيلا قد أقبل
نحوكم، وأبرز معاوية سريره، فلما انتهى إليه عقيل قال : معاوية مرحبا بك يا أبا
يزيد ما نزع بك؟ قال : طلب الدنيا من مظانها، قال : وقفت وأصبت قد أمرنا لك بمائة
ألف، فأعطاه المائة الالف : ثم قال : أخبرني عن العسكرين اللذين مررت بهما عسكري
وعسكر علي، قال : في الجماعة اخبرك أو في الوحدة قال : لا بل في الجماعة، قال :
مررت على عسكر علي عليه السلام فإذا ليل كليل النبي صلى الله عليه وآله ونهار
كنهار النبي (ص) إلا أن رسول الله (ص) ليس فيهم، ومررت على عسكرك فإذا أول من
استقبلني أبو الاعور وطائفة من المنافقين والمنفرين برسول الله صلى الله عليه
وآله إلا أن أبا سفيان ليس فيهم! فكف عنه حتى إذا ذهب الناس قال له : يا أبا يزيد أيش
صنعت بي؟ قال : ألم أقل لك : في الجماعة أو في الوحدة فأبيت علي؟ قال : أما الآن
فاشفني من عدوي، قال : ذلك عند الرحيل، فلما كان من الغد شد غرائره ورواحله وأقبل
نحو معاوية وقد جمع معاوية حوله، فلما انتهى إليه قال : يا معاوية من ذا عن يمينك؟
قال : عمرو بن العاص، فتضاحك، ثم قال : لقد علمت قريش أنه لم يكن أحصى لتيوسها من
أبيه، ثم قال : من هذا؟ قال : هذا أبو موسى، فتضاحك، ثم قال : لقد علمت قريش
بالمدينة أنه لم يكن بها امرأة أطيب ريحا من قب امه! قال : أخبرني عن نفسي يا أبا
يزيد قال تعرف حمامة؟ ثم سار فألقى في خلد معاوية، قال : ام من امهاتي لست أعرفها،
فدعا بنسابين من أهل الشام فقال : أخبراني أو لأضربن أعناقكما، لكما الامان، قالا
: فإن حمامة جدة أبي ـ سفيان السابعة وكانت بغيا، وكان لها بيت توفي فيه، قال جعفر
بن محمد عليهما السلام : وكان عقيل من أنسب الناس.
أقول : قال عبد
الحميد بن أبي الحديد : رووا أن عقيلا رحمه الله قدم على أمير المؤمنين عليه السلام
فوجده جالسا في صحن المسجد بالكوفة فقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين، قال :
وعليك السلام يا أبا يزيد، ثم التفت إلى الحسن ابنه عليهما السلام فقال : قم
فأنزل عمك، فقام فأنزله، ثم عاد إليه فقال : اذهب فاشتر لعمك قميصا جديدا ورداء
جديدا وإزارا جديدا ونعلا جديدا، فذهب فاشترى له، فغدا عقيل على أمير المؤمنين
عليه السلام في الثياب، فقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال : وعليك
السلام يا أبا يزيد يخرج عطائي فأدفعه إليك، فلما ارتحل عن أمير المؤمنين عليه السلام
إلى معاوية فنصب له كراسيه وأجلس جلساءه حوله، فلما ورد عليه أمر له بمائة ألف
فقبضها، ثم غدا عليه يوما بعد ذلك وجلساء معاوية حوله، فقال : يا أبا يزيد أخبرني
عن عسكري وعسكر أخيك فقد وردت عليهما، قال : اخبرك، مررت والله بعسكر أخي فإذا ليل
كليل رسول الله (ص) ونهار كنهار رسول الله صلى الله عليه وآله إلا أن رسول الله
ليس في القوم، ما رأيت إلا مصليا ولا سمعت إلا قارئا، ومررت بعسكرك فاستقبلني قوم
من المنافقين ممن نفر ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله ليلة العقبة ثم قال :
من هذا عن يمينك يا معاوية؟ قال : هذا عمرو بن العاص، قال : هذا الذي اختصم فيه
ستة نفر فغلب عليه جزار قريش، فمن الآخر؟ قال : الضحاك بن قيس الفهري، قال : أما
والله لقد كان أبوه جيد الاخذ لعسب التيوس، فمن هذا الآخر؟ قال : أبو موسى
الاشعري، قال : هذا ابن السراقة! فلما رأى معاوية أنه قد أغضب جلساءه علم أنه إن
استخبره عن نفسه قال فيه سوءا، فأحب أن يسأله ليقول فيه ما يعلمه من السوء فيذهب
بذلك غضب جلسائه، قال : يا أبا يزيد فما تقول في؟ قال : دعني من هذا، قال :
لتقولن، قال : أتعرف حمامة؟ قال : ومن حمامة يا أبا يزيد؟ قال : قد أخبرتك، ثم قال
فمضى، فأرسل معاوية إلى النسابة فدعاه، قال : من حمامة؟ قال : ولي الامان؟ قال :
نعم، قال : حمامة جدتك ام أبي سفيان، كانت بغيا في الجاهلية صاحبة راية، قال
معاوية لجلسائه : قد ساويتكم وزدت عليكم فلا تغضبوا!
وقال في موضع
آخر : من المفارقين لعلي عليه السلام أخوه عقيل بن أبي طالب قدم على أمير
المؤمنين عليه السلام الكوفة يسترفده، فعرض عليه عطاءه فقال : إنما اريد من بيت
المال، فقال : تقيم لي يوم الجمعة، فلما صلى علي الجمعة قال له : ما تقول فيمن خان
هؤلاء أجمعين؟ قال : بئس الرجل، قال : فإنك أمرتني أن أخونهم واعطيك، فلما خرج من
عنده شخص إلى معاوية، فأمر له يوم قدومه بمائة ألف درهم، وقال له : يا أبايزيد أنا
خير لك أم علي؟ قال : وجدت عليا أنظر لنفسه منك ووجدتك أنظر لي منك لنفسك! وقال
معاوية لعقيل : إن فيكم يا بني هاشم لينا، قال : أجل إن فينا للينا من غير ضعف
وعزا من غير عنف، وإن لينكم يا معاوية غدر وسلمكم كفر! وقال معاوية : ولا كل هذا
يا أبا يزيد، وقال الوليد ابن عقبة لعقيل في مجلس معاوية : غلبك أخوك يا با يزيد
على الثروة، قال : نعم وسبقني وإياك إلى الجنة، قال : أما والله لو أن أهل الارض
اشتركوا في قتله لأرهقوا صعودا، وإن أخاك لأشد هذه الامة عذابا، فقال : صه! والله
إنا لنرغب بعبد من عبيده عن صحبة أبيك عقبة بن أبي معيط!
وقال معاوية
يوما وعنده عمرو بن العاص وقد أقبل عقيل : لأضحكنك من عقيل، فلما سلم قال معاوية :
مرحبا برجل عمه أبو لهب، فقال عقيل : وأهلا بمن عمته حمالة الحطب في جيدها حبل من
مسد، لان امرأة أبي لهب ام جميل بنت حرب ابن امية، قال معاوية يا أبا يزيد : ما
ظنك بعمك أبي لهب؟ قال : إذا دخلت النار فخذ على يسارك تجده مفترشا عمتك حمالة
الحطب، أفناكح في النار خير أم منكوح؟! قال : كلاهما شر والله.
وقال في موضع
آخر : عقيل بن أبي طالب هو أخو أمير المؤمنين عليه السلام لأبيه وامه، وكانوا بنو
أبي طالب أربعة : طالب وهو أسن من عقيل بعشر سنين، وعقيل وهو أسن من جعفر بعشر
سنين، وجعفر وهو أسن من علي بعشر سنين، وعلي عليه السلام وهو أصغر هم سنا وأعظمهم
قدرا بل وأعظم الناس بعد ابن عمه قدرا، وكان أبو طالب يحب عقيلا أكثر من حبه سائر
بنيه، فلذلك قال للنبي صلى الله عليه وآله وللعباس حين أتياه ليقسما بنيه عام
المحل فيخففا عنه ثقلهم : دعوا لي عقيلا وخذوا من شئتم، فأخذ العباس جعفرا وأخذ
محمد عليا، وكان عقيل يكنى أبا يزيد، قال له رسول الله صلى الله عليه وآله : يا
أبا يزيد إني احبك حبين : حبا لقرابتك مني وحبا لما كنت أعلم من حب عمي إياك. اخرج
عقيل إلى بدر مكرها كما اخرج العباس فاسر وفدي وعاد إلى مكة، ثم أقبل مسلما مهاجرا
قبل الحديبية، وشهد غزاة مؤتة مع أخيه جعفر، وتوفي في خلافة معاوية في سنة خمسين،
وكان عمره ست وتسعون سنة، وله دار بالمدينة معروفة، وخرج إلى مكة ثم إلى الشام ثم
عاد إلى المدينة، ولم يشهد مع أخيه أمير المؤمنين عليه السلام شيئا من حروبه أيام
خلافته وعرض نفسه وولده عليه فأعفاه ولم يكلفه حضور الحرب، وكان أنسب قريش وأعلمهم
بأيامها، وكان مبغضا إليهم، لأنه كان يعد مساويهم، وكانت له طنفسة تطرح في مسجد
رسول الله فيصلي عليها، ويجتمع إليه الناس في علم النسب وأيام العرب، وكان حينئذ
قد ذهب بصره، وكان أسرع الناس جوابا وأشد هم عارضة وكان يقال : إن في قريش أربعة يتحاكم
إليهم في علم النسب وأيام قريش ويرجع إلى قولهم : عقيل بن أبي طالب، ومخرمة بن
نوفل الزهري، وأبو الجهم بن حذيفة العدوي، وحو يطب بن عبد العزى العامري، واختلف
الناس فيه هل التحق بمعاوية وأمير المؤمنين عليه السلام حي؟ فقال قوم ورووا أن
معاوية قال يوما وعقيل عنده : هذا أبو يزيد لو لا علمه أني خير له من أخيه لما
أقام عندنا وتركه، فقال عقيل : أخي خير لي في ديني وأنت خير لي في دنياي، وقد آثرت
دنيا، وأسأل الله خاتمه خير.
وقال قوم : إنه
لم يفد إلى معاوية إلا بعد وفاة أمير المؤمنين عليه السلام واستدلوا على ذلك
بالكتاب الذي كتبه إليه في آخر خلافته والجواب الذي أجابه عليه السلام به وقد
ذكرناه فيما تقدم، وسيأتي ذكره أيضا في باب كتبه عليه السلام، وهذا القول هو
الاظهر عندي.
وروى المدائني
قال : قال معاوية يوما لعقيل بن أبي طالب : هل من حاجة فأقضيها لك؟ قال : نعم،
جارية عرضت علي وأبى أصحابها أن يبيعوها إلا بأربعين ألفا، فأحب معاوية أن يمازحه،
قال : وما تصنع بجارية قيمتها أربعون ألفا وأنت أعمى؟ تجتزئ بجارية قيمتها خمسون
درهما : قال : أرجو أن أطأها فتلد لي غلاما إذا أغضبته يضرب عنقك! فضحك معاوية
وقال : ما زحناك يا بايزيد، وأمر فابتيعت له الجارية التي أولد منها مسلما رحمه الله،
فلما أتت على مسلم ثماني عشرة سنة وقد مات عقيل أبوه قال لمعاوية : يا أمير
المؤمنين إن لي أرضا بمكان كذا من المدينة، و إني أعطيت بها مائة ألف، وقد أحببت
أن أبيعك إياها، فادفع إلي ثمنها، فأمر معاوية بقبض الارض ودفع الثمن إليه، فبلغ
ذلك الحسين عليه السلام فكتب إلى معاوية : أما بعد فإنك اغتررت غلاما من بني هاشم
فابتعت منه أرضا لا يملكها، فاقبض من الغلام ما دفعته إليه واردد علينا أرضنا،
فبعث معاوية إلى مسلم فأخبره ذلك وأقرأه كتاب الحسين عليه السلام وقال : اردد
علينا مالنا وخذ أرضك فإنك بعت ما لا تملك، فقال مسلم : أما دون أن أضرب رأسك
بالسيف فلا، فاستلقى معاوية ضاحكا يضرب برجليه وقال : يا بني هذا والله كلام قاله
لي أبوك حين ابتعت له امك، ثم كتب إلى الحسين عليه السلام : إني قد رددت عليكم
الارض وسوغت مسلما ما أخذه، فقال الحسين عليه السلام : أبيتم يا آل أبي سفيان إلا
كرما.
وفقال معاوية
لعقيل : يا أبا يزيد أين يكون عمك أبو لهب اليوم؟ قال : إذا دخلت جهنم فاطلبه تجده
مضاجعا عمتك ام جميل بنت حرب بن امية. وقالت له زوجته ابنة عتبة بن ربيعة : يا بني
هاشم لا يحبكم قلبي أبدا، أين أبي؟ أين عمي؟ أين أخي؟ كأن أعناقهم أباريق الفضة
ترد أنفهم الماء قبل شفاهم، قال : إذا دخلت جهنم فخذي على شمالك تجدينهم.
سأل معاوية
عقيلا رحمه الله عن قصة الحديدة المحماة المذكورة، فبكى وقال : أنا احدثك يا
معاوية عنه ثم احدثك عما سألت، نزل بالحسين ابنه ضيف، فاستسلف درهما اشترى به
خبزا، واحتاج إلى الادام، فطلب من قنبر خادمهم أن يفتح له زقا من زقاق عسل جاءتهم
من اليمن، فأخذ منه رطلا، فلما طلبها ليقسمها قال : يا قنبر أظن أنه حدث في هذا
الزق حدث، قال : نعم يا أمير المؤمنين، و أخبره، فغضب وقال : علي بحسين، ورفع
الدرة فقال : بحق عمي جعفر ـ وكان إذا سئل بحق جعفر سكن ـ فقال له : ما حملك إذ
أخذت منه قبل القسمة؟
قال : إن لنا
فيه حقا، فإذا أعطيناه رددناه، قال : فداك أبوك وإن كان لك فيه حق فليس لك أن
تنتفع بحقك قبل أن ينتفع المسلمون بحقوقهم، أما لولا أني رأيت رسول الله صلى الله
عليه وآله يقبل ثنيتيك لأوجعتك ضربا، ثم دفع إلى قنبر درهما كان مصرورا في ردائه
وقال : اشتر به خير عسل تقدر عليه، قال عقيل : والله لكأني أنظر إلى يدي علي وهي
على فم الزق وقنبر يقلب العسل فيه ثم شده وجعل يبكي ويقول : اللهم اغفر للحسين
فإنه لم يعلم.
فقال معاوية :
ذكرت من لا ينكر فضله، رحم الله أبا حسن فلقد سبق من كان قبله وأعجز من يأتي بعده،
هلم حديث الحديدة، قال : نعم، أقويت وأصابتني مخمصة شديدة، فسألته فلم تند صفاته
فجمعت صبياني وجئته بهم والبؤس والضر ظاهران عليهم، فقال : ائتني عشية لأدفع إليك
شيئا، فجئته يقودني أحد ولدي فأمره بالتنحي ثم قال : ألا فدونك، فأهويت حريصا قد
غلبني الجشع أظنها صرة، فوضعت يدي على حديد تلتهب نارا، فلما قبضتها نبذتها وخرت
كما يخور الثور تحت جازره، فقال لي : ثكلتك امك هذا من حديدة أوقدت لها نار الدنيا
فكيف بك وبي غدا أن سلكنا في سلاسل جهنم؟ ثم قرأ « إذ الاغلال في أعناقهم والسلاسل
يسحبون » ثم قال : ليس لك عندي فوق حقك الذي فرضه الله لك إلا ما ترى، فانصرف إلى
أهلك، فجعل معاوية يتعجب ويقول : هيهات عقمت النساء أن تلد بمثله.
أقول : روي في
بعض مؤلفات أصحابنا عن قتادة أن أروى بنت الحارث بن عبد المطلب دخلت على معاوية بن
أبي سفيان وقد قدم المدينة وهي عجوز كبيرة فلما رآها معاوية قال : مرحبا بك يا
خالة كيف كنت بعدي؟ قالت : كيف أنت يا ابن اختي؟ لقد كفرت النعمة وأسأت لابن عمك
الصحبة، وتسميت بغير اسمك وأخذت غير حقك بلا بلاء كان منك ولا من آبائك في ديننا
ولا سابقة كانت لكم، بل كفرتم بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله، فأتعس الله
منكم الجدود، وأصعر منكم الخدود، و رد الحق إلى أهله، فكانت كلمتنا هي العليا
ونبينا هو المنصور على من ناواه، فوثبت قريش علينا من بعده حسدا لنا وبغيا، فكنا
بحمدالله ونعمته أهل بيت فيكم بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون، وكان سيدنا فيكم
بعد نبينا بمنزلة هارون من موسى، وغايتنا الجنة وغايتكم النار، فقال لها عمرو بن
العاص : كفي أيتها العجوز الضالة، واقصري من قولك مع ذهاب عقلك، إذ لا تجوز شهادتك
وحدك! فقالت : وأنت يا ابن الباغية تتكلم وأمك أشهر بغي بمكة، وأقلهم اجرة! وادعاك
خمسة من قريش، فسئلت امك عن ذلك فقالت : كل أتاها فانظروا أشبههم به فألحقوه به!
فغلب شبه العاص بن وائل جزار قريش ألامهم مكرا وأمهنهم خيرا فما ألومك ببغضنا، قال
مروان بن الحكم : كفي أيتها العجوز واقصدي لما جئت له، فقالت : وأنت يا ابن
الزرقاء تتكلم والله وأنت ببشير مولى ابن كلدة أشبه منك بالحكم بن العاص! وقد رأيت
الحكم سبط الشعر مديد القامة، وما بينكما قرابة إلا كقرابة الفرس الضامر من الاتان
المقرف! فاسأل عما أخبرتك به أمك فإنها ستخبرك بذلك، ثم التفتت إلى معاوية فقالت :
والله ما جرأ هؤلاء غيرك، وإن أمك القائلة في قتل حمزة :
نحن جزيناكم
بيوم بدر
والحرب
بعد الحرب ذات السعر
إلى آخر
الابيات، فأجابتها ابنة عمي :
خزيت في بدر
وغير بدر
يا
بنت وقاع عظيم الكفر
إلى آخر
الابيات، فالتفت معاوية إلى مروان وعمرو وقال : والله ما جرأها علي غيركما، ولا
أسمعني هذا الكلام سواكما، ثم قال : يا خالة اقصدي لحاجتك ودعي أساطير النساء عنك،
قالت : تعطيني ألفي دينار وألفي دينار، قال : ما تصنعين بألفي دينار؟ قالت : أزوج
بها فقراء بني الحارث بن عبد المطلب، قال : هي كذلك، فما تصنعين بألفي دينار؟ قالت
: أستعين بها على شدة الزمان وزيارة بيت الله الحرام، قال : قد أمرت بها لك، فما
تصنعين بألفي دينار؟ قالت : أشتري بها عينا خرارة في أرض حوارة تكون لفقراء بني
الحارث بن عبد المطلب، قال : هي لك يا خالة، أما والله لو كان ابن عمك علي ما أمر
بها لك، قالت : تذكر عليا فض الله فاك وأجهد بلاك، ثم علا نحيبها وبكاؤها وجعلت
تقول :
ألا يا عين ويحك
فاسعدينا
ألا
فابكي أمير المؤمنينا
رزئنا خير من
ركب المطايا
وجال
بها ومن ركب السفينا
ومن لبس النعال
ومن حذاها
ومن
قرأ المثاني والمئينا
إذا استقبلت وجه
أبي حسين
رأيت
البدر راق الناظرينا
ألا فابلغ
معاوية فجعتمونا
بخير
الخلق طرا أجمعينا
مضى بعد النبي
فدته نفسي
أبو حسن
وخير الصالحينا
كأن الناس إذ
فقدوا عليا
نعام
جال في بلد سنينا
فلا والله لا
أنسى عليا
وحسن
صلاته في الراكعينا
لقد علمت قريش
حيث كانت
بأنك
خيرها حسبا ودينا
فلا يفرح معاوية
بن حرب
فإن
بقية الخلفاء فينا
قال : فبكى
معاوية ثم قال : يا خالة لقد كان كما قلت وأفضل.
المصدر : بحار الأنوار
المؤلف : العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
الجزء والصفحة : جزء 42 / صفحة [ 118 ]
تاريخ النشر : 2026-06-21