بالإسناد يرفعه
إلى عمار بن ياسر وزيد بن أرقم قالا : كنا بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام
وكان يوم الاثنين لسبع عشر خلت من صفر ، وإذا بزعقة عظيمة ملأت المسامع ، وكان على
دكة القضاء ، فقال : يا عمار ائتني بذي الفقار ، وكان وزنه سبعة أمنان وثلثي من
مكي ، فجئت به ، فانتضاه من غمده فتركه على
فخذه ، وقال : يا عمار هذا يوم أكشف لأهل الكوفة الغمة ليزداد المؤمن وفاقا
والمخالف نفاقا ، يا عمار ائت بمن على الباب ، قال عمار : فخرجت وإذا على الباب
امرأة في قبة على جمل ، وهي تشتكي وتصيح : يا غياث المستغيثين ، ويا بغية الطالبين
، ويا كنز الراغبين ، ويا ذا القوة المتين ، ويا مطعم اليتيم ، ويا رازق العديم ،
ويا محيي كل عظم رميم ، ويا قديم سبق قدمه كل قديم ، ويا عون من ليس له عون ولا
معين ، يا طود من لا طود له ، يا كنز من لا كنز له ، إليك توجهت وبوليك توسلت
وخليفة رسولك قصدت ، فبيض وجهي وفرج عني كربتي.
قال عمار :
وحولها ألف فارس بسيوف مسلولة ، قوم لها وقوم عليها ، فقلت : أجيبوا أمير المؤمنين
أجيبوا عيبة علم النبوة ، قال : فنزلت المرأة من القبة ونزل القوم معها ودخلوا
المسجد ، فوقفت المرأة بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام وقالت : يا مولاي يا
إمام المتقين إليك أتيت وإياك قصدت ، فاكشف كربتي وما بي من غمة فإنك قادر على ذلك
وعالم بما كان وما يكون إلى يوم القيامة ، فعند ذلك قال : يا عمار ناد في الكوفة :
من أراد أن ينظر إلى ما أعطاه الله أخا رسول الله فليأت المسجد قال : فاجتمع الناس
حتى امتلا المسجد ، فقام أمير المؤمنين عليه السلام وقال : سلوني ما بدا لكم يا
أهل الشام ، فنهض من بينهم شيخ قد شاب ، عليه بردة يمانية ، فقال : السلام عليك يا
أمير المؤمنين ويا كنز الطالبين ، يا مولاي هذه الجارية ابنتي قد خطبها ملوك العرب
، وقد نكست رأسي بين عشيرتي ، وأنا موصوف بين العرب ، وقد فضحتني في أهلي ورجالي ،
لأنها عاتق حامل ، وأنا فليس بن عفريس ، لا تخمد لي نار ولا يضام لي جار ، وقد
بقيت حائرا في أمري ، فاكشف لي هذه الغمة فإن الامام خبير بالأمر ، فهذه غمة عظيمة
لم أر مثلها ولا أعظم منها.
فقال أمير
المؤمنين عليه السلام : ما تقولين يا جارية فيما قال أبوك؟ قالت : يا مولاي أما
قوله : إني عاتق ، صدق ، وأما قوله : إني حامل ، فوحقك يا مولاي ما علمت من نفسي خيانة قط ، وإني أعلم أنك أعلم بي مني ،
وإني ما كذبت فيما قلت ففرج عني يا مولاي ، قال عمار : فعند ذلك أخذ الامام ذا
الفقار وصعد المنبر فقال : الله أكبر الله أكبر « جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل
كان زهوقا » ثم قال عليه السلام علي بداية الكوفة ، فجاءت امرأة تسمى لبناء وهي
قابلة نساء أهل الكوفة ، فقال لها : اضربي بينك وبين الناس حجابا وانظري هذه
الجارية عاتق حامل أم لا ، ففعلت ما أمر به ثم خرجت وقالت : نعم يا مولاي هي عاتق
حامل ، فعند ذلك التفت الامام إلى أبي الجارية وقال : يا أبا الغضب ألست من قرية
كذا وكذا من أعمال دمشق؟ قال : وما هذه القرية؟ قال : هي قرية تسمى أسعار ، قال :
بلى يا مولاي قال : ومن منكم يقدر على قطعة ثلج في هذه الساعة؟ قال : يا مولاي
الثلج في بلادنا كثير ولكن ما نقدر عليه ههنا ، فقال عليه السلام : بيننا وبينكم
مائتان وخمسون فرسخا؟ قال : نعم يا مولاي ، ثم قال : يا أيها الناس انظروا إلى ما
أعطاه الله عليا من العلم النبوي والذي أودعه الله ورسوله من العلم الرباني ، قال
عمار بن ياسر : فمد يده عليه السلام من أعلى منبر الكوفة وردها وإذا فيها قطعة من
الثلج يقطر الماء منها فعند ذلك ضج الناس وماج الجامع بأهله ، فقال عليه السلام :
اسكتوا فلو شئت أتيت بجبالها ، ثم قال : يا داية خذي هذه القطعة من الثلج واخرجي
بالجارية من المسجد واتركي تحتها طشتا ، وضعي هذه القطعة مما يلي الفرج ، فسترى
علقة وزنها سبع مائة وخمسون درهما ودانقان ، فقالت : سمعا وطاعة لله ولك يا مولاي
، ثم أخذتها وخرجت بها من الجامع فجاءت بطست فوضعت الثلج على الموضع كما أمرها
عليه السلام فرمت علقة وزنتها الداية فوجدتها كما قال عليه السلام ، فأقبلت
الداية والجارية فوضعت العلقة بين يديه ، ثم قال : يا أبا الغضب خذ ابنتك فوالله
ما زنت وإنما دخلت الموضع الذي فيه الماء فدخلت هذه العلقة في جوفها وهي بنت عشر
سنين ، وكبرت إلى الآن في بطنها ، فنهض أبوها وهو يقول : أشهد أنك تعلم ما في
الارحام وما في الضمائر وأنت باب الدين وعموده.
قال : فضج الناس
عند ذلك وقال : يا أمير المؤمنين : لنا اليوم خمس سنين لم تمطر السماء علينا ، وقد
أمسك عن الكوفة هذه المدة ، وقد مسنا وأهلنا الضر فاستسق لنا يا وارث محمد ، فعند
ذلك قام في الحال وأشار بيده قبل السماء فسال الغيث حتى بقيت الكوفة غدرانا ،
فقالوا : يا أمير المؤمنين كفينا وروينا ، فتكلم بكلام فمضى الغيث وانقطع المطر
وطلعت الشمس ، فلعن الله الشاك في فضل علي ابن أبي طالب عليه السلام.
المصدر : بحار الأنوار
المؤلف : العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
الجزء والصفحة : جزء 40 / صفحة [ 281 ]
تاريخ النشر : 2026-05-13