أحاديث وروايات المعصومين الاربعة عشر/التوحيد/الكلام في التوحيد/الإمام علي عليه السلام
روي عن ابن عباس
أنه حضر مجلس عمر بن الخطاب يوما ـ وعنده كعب الأحبار ـ إذ قال عمر : يا كعب!
أحافظ أنت للتوراة؟. قال كعب : إني لأحفظ منها كثيرا. فقال رجل من جنبه : يا أمير
المؤمنين! سله أين كان الله جل جلاله قبل أن يخلق عرشه؟ ومم خلق الماء الذي جعل
عليه عرشه ؟ فقال عمر : يا كعب! هل عندك من هذا علم؟. فقال كعب : نعم يا أمير
المؤمنين! نجد في الأصل الحكيم أن الله تبارك وتعالى كان قديما قبل خلق العرش ،
وكان على صخرة بيت المقدس في الهواء ، فلما أراد أن يخلق عرشه تفل تفلة كانت منها
البحار الغامرة واللجج الدائرة ، فهناك خلق عرشه من بعض الصخرة التي كانت تحته ،
وآخر ما بقي منها لمسجد قدسه.
قال ابن عباس :
وكان علي بن أبي طالب عليه السلام حاضرا .. فعظم ربه وقام على قدميه ، ونفض ثيابه
، فأقسم عليه عمر لما عاد إلى مجلسه ، ففعل ، قال عمر : غص عليها يا غواص ، ما
يقول أبو حسن فما علمتك إلا مفرجا للغم؟. فالتفت علي عليه السلام إلى كعب فقال :
غلط أصحابك وحرفوا كتب الله ، وقبحوا الفرية عليه ، يا كعب! ويحك! إن الصخرة التي
زعمت لا تحوي جلاله ، ولا تسع عظمته ، والهواء الذي ذكرت لا يجوز أقطاره ، ولو
كانت الصخرة والهواء قديمين معه لكانت لهما قدمته ، وعز الله وجل أن يقال له مكان
يومى إليه ، والله ليس كما يقول الملحدون ، ولا كما يظن الجاهلون ، ولكن كان ولا
مكان بحيث لا تبلغه الأذهان ، وقولي : ( كان ) لتعريف كونه ، وهو مما علم من
البيان ، يقول الله عز وجل : ( خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ ) ، فقولي
له كان مما علمني البيان لأنطق بحجة عظمة المنان ، ولم يزل ربنا مقتدرا على ما
يشاء ، محيطا بكل الأشياء ، ثم كون ما أراد بلا فكرة حادثة له أصاب ، ولا بشبهة
دخلت عليه فيما أراد ، وإنه عزوجل خلق نورا ابتدعه من غير شيء ، ثم خلق منه ظلمة
وكان قديرا أن يخلق الظلمة لا من شيء ، كما خلق النور من غير شيء ، ثم خلق من
الظلمة نورا وخلق من النور ياقوتة غلظها كغلظ سبع سماوات وسبع أرضين ، ثم زجر
الياقوتة فماعت لهيبته فصارت ماء مرتعدا ، ولا يزال مرتعدا إلى يوم القيامة ، ثم
خلق عرشه من نوره ، وجعله على الماء ، وللعرش عشرة آلاف لسان يسبح الله كل لسان
منها بعشرة آلاف ، ليس فيها لغة تشبه الأخرى ، وكان العرش على الماء من دونه حجب
الضباب ، وذلك قوله : ( وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ .. ) ، يا
كعب! ويحك! إن من كانت البحار تفلته على قولك ـ كان أعظم من أن تحويه صخرة بيت
المقدس ، أو يحويه الهواء الذي أشرت إليه أنه حل فيه .. فضحك عمر بن الخطاب ، وقال
: هذا هو الأمر ، وهكذا يكون العلم لا كعلمك يا كعب ، لا عشت إلى زمان لا أرى فيه
أبا حسن.
المصدر : بحار الأنوار
المؤلف : العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
الجزء والصفحة : جزء 30 / صفحة [ 101 ]
تاريخ النشر : 2025-08-10