تفيد الآية التي هي مورد البحث وجوب صبر النساء بعد وفاة الأزواج لمدة أربعة أشهر وعشرة أيام، إلّا أنّ آية المتاع (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ۚ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [البقرة: 240] تفيـد وجـوب صبر الزوجة التي فقدت زوجها لمدة سنة واحدة، ولا يحق لأي أحد أن يخرجهـا مـن بـيـت زوجها، وبعد انقضاء هذه السنة يمكنها أن تنفذ ما تراه من قرارات تراها مناسبة لها دون أن يكون لأحد حق التدخل في عملها.
وعلى هذا الأساس، فظاهر الآية التي هي مورد البحث لا يتوافق مع ظاهر آية المتاع، لذا اعتبر البعض أن هذه الآية ناسخة لآية المتاع، وقالوا بتأخر نزولها عنها رغم ورود آية المتاع بعد الآية التي هي مورد البحث في ترتيب الكتابة والتلاوة[1]؛ لأنّ الترتيب الحالي للقرآن الكريم لا يطابق ترتيب نزول الآيات، ومن المقطوع به أن تغيير مكان الآيات في بعض الموارد قد تم بأمر من الله تعالى.
والتحقيق في هذا هو أن موضوع صبر النساء لمدة أربعة أشهر وعشرة أيام الوارد في الآية التي هي مورد البحث هو ذو حكم إلزامي مولوي؛ أما مضمون آية المتاع فهو إثبات حق السكن للمرأة المتوفى عنها زوجها طبقاً لوصية الزوج لا بحكم الله؛ لأن وصيّة الزوج لصالح المرأة. والقاضية بعدم السماح للورثة بإخراجها من الدار طوال سنة بعد وفاة الزوج. مقرونة بتأييد الوصية المذكورة من قبل الشارع، تؤمن للمرأة حق السكني. وهكذا فالمرأة التي لا ترغب في البقاء بدار الزوج المتوفى يمكنها الخروج من تلك الدار دون أن تكون قد ارتكبت فعلاً محرماً. (فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ) [البقرة: 240] إن الحرام هو إخراجها من قبل الورثة، والمحرم هو خروج المرأة المطلقة الرجعية في فترة عدة الطلاق خلافاً لحكم الله: (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ) [الطلاق: 1].
وبهذا اتضح عدم وجود التعارض بين الآية التي هي مورد البحث وبين آية المتاع، بل مضمون إحداهما حكم الله وتكليفه، ومضمون الأخـرى هـو حق السكن.
نعم، لو كان المقصود من (فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) [البقرة: 240] فِي آية المتاع هـو الخروج بعد انقضاء مدة السنة الواحدة، لترتب عليها حكم إلزامي. إلا أنّ الظاهر هو جواز خروج المرأة قبل انتهاء السنة الواحدة.
وحتى لو قبلنا بوجود حكم إلزامي في آية المتاع، فمع ذلك يصعب إثبات نسخ آية المتاع بالآية التي هي مورد البحث؛ لأنّ العنصر المحوري لكـل مـن الحكمين المذكورين مستقل عن الآخر، وبتعدد المواضيع وتنوع الوقائع ينتفي مجال الحديث عن موضوع النسخ، رغم أن بعض المفسرين صرح بالنسخ[2].
ويبقى مجال وحيد للحديث عن النسخ، وهو أن يكون محور آية المتاع هو أنه كان يتحتم على المرأة. طبقاً للتقاليد العربية القديمة. أن تراعي العدة لمدة سنة واحدة، وأن مضمون هذه الآية هو وجوب وصيّة الأزواج قبل موتهم بالمتاع اللازم لإبقاء المرأة سنة واحدة في الدار، وبهذه الصورة يكون أصل العدة لمدة سنة محفوظاً، مع إضافة التوصية بالوصية عليه، حيث يمكن للآيـة التـي هـي مورد البحث أن تكون ناسخة لتلك التقاليد العربية القديمة التي بقيت مغفولة في فجر الإسلام. وهكذا يمكن توجيه ما ورد في تفسير التبيان[3] للشيخ الطوسي رحمه الله والكثير غيره من التفاسير من أنّ الآية التي هي مورد البحث ناسخة لآية المتاع.
[1] مجمع البيان، ج 1-2، ص 591.
[2] التبيان، ج 2، ص 262؛ مجمع البیان، ج 1-2، ص 591.