يتوجب على النساء اللواتي يتوفَّى أزواجهنّ أن يصبرن أربعة أشهر وعشرة أيام يمتنعن فيها عن الزواج من جديد: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) [البقرة: 234].
وكلمة (أَزوَجا) تطلق على النساء غير المطلقات، كما تطلق على النساء المطلقات بالطلاق الرجعي واللاتي لم تنقض عدّة طلاقهن بعد، فالجميع يجب عليهن عدة الوفاة؛ لأنّ الروايات الدالة على ثبوت أحكام الزوجة على المطلقة الرجعية في أيام العدّة حاكمة على الآية التي هي مورد البحث من باب التوسعة في الموضوع.
أما زوجة الرجل الغائب التي طلقها ولي الرجل أو الحاكم الإسلامي طلاقاً رجعيّاً، فيجب عليها وفقاً للروايات أن تعتدّ بعد الطلاق لمدة أربعة أشهر وعشرة أيام[1]، وبعد إتمام العدّة تخرج عن زوجيّة الرجل الغائب تعبداً، ولا يصدق عليها عنوان (الزوجة). وعلى هذا ففي حالة العثور عليه ووفاته بعد انقضاء العدّة لا عدّة وفاة على زوجته؛ لأنّ الروايات المذكورة حاكمة على الآية التي هي مورد البحث على نحو التضييق في الموضوع.
وإطلاق كلمة (أَزوَجا) يشمل جميع النساء غير المطلقة، من بالغة وغير بالغة، ومدخول بها وغير مدخول بها، والتي في سن العادة وليست فيها، واليائسة وغير اليائسة، والمطلقة الرجعية؛ فجميع هذه النساء مشمولات بعدة الوفاة. نعم، إنّ الروايات تفيد أنّ المرأة المطلقة الحامل التي توفّي زوجها السابق زمان عدة الحمل يجب عليها مراعاة أطول مدتي الزمان الباقي حتى الولادة وأربعة أشهر وعشرة أيام[2].
كما أن إطلاق الآية التي هي مورد البحث يشمل الأمة والحرة بلا تمييز، فعدة وفاة كل منهما هي أربعة أشهر وعشرة أيام. وقال البعض بأن عدة الأمة هي نصف عدة الحرّة في المورد الذي يكون التنصيف فيه ممكناً، وسنده في ذلك هو قياس حكم العدة على حكم الحد؛ حيث جعلت آية (فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) [النساء: 25] حد الأمة نصف حد الحرة. أمـا عدة الحامل التي تمتد حتى الولادة، فلا فرق فيها بين الأمة والحرة لعدم إمكانية التنصيف[3].
والجدير بالالتفات هنا هو أنه عندما يكون المبنى باطلاً، فالفتوى المستندة إلى ذلك المبنى تكون فاسدة. بمعنى أنه لما كان مبنى الاستدلال المذكور ـ الذي هو مبدأ القياس. باطلاً، فالحكم بتنصيف عدة الوفاة في الأمة سوف لا يكون صحيحاً.
تنبيه: إن (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) تعني في نظر العُرف أربعة أشهر وعشرة أيام، لا أربعة أشهر وعشر ليال. وعلى هذا يكون اليوم (العاشر) أيضاً داخلاً في عدة الوفاة.
ويمكن أن يقال إن تمييز الأعداد من (ثلاثة) إلى (عشرة) يكون مؤنثاً للمذكر، ومذكراً للمؤنث؛ وعليه فلو كان المراد هو عشرة أيام لقيل (أربعة أشهر وعشرة أيام)، في حين أن المستعمل في الآية هو لفظ المذكر (عَشرا) الذي يناسب لفظ (الليالي)؛ لأنّ (الليل) مؤنّث مجازي. إذن فاستناداً إلى هذه القاعدة الأدبية يكون المراد من (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) هو (أربعة أشهر وعشر ليال) وتكون النتيجة أنّ المرأة تستطيع اختيار زوجها الجديد في اليوم (العاشر).
وهذه الملاحظة ملاحظة جيّدة من الناحية الأدبية، إلا أنها ليست تما يتفق عليه جميع الأدباء، وحتى لو افترضنا اتفاقهم عليها، فمع ذلك هـي ليست مقبولة؛ لأنّ في مثل هذا النوع من الموارد يكون الحاكم هو فهـم العـرف لا ذوق الأدباء، والعرف يفهم من (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) أربعة أشهر وعشرة أيام لا أربعة أشهر وعشر ليال.
والستر في كون العدد (عشراً) مذكراً مع وجود تأثير اليوم، يكمن في أنّ الليل قد تم ترجيحه على اليوم؛ لأن بداية الشهر القمري التي تتحدّد بظهور الهلال تكون في الليل، وما يأتي أولاً يكون هو محور الغلبة[4].
[1] الكافي، ج 6، ص 147-148؛ وسائل الشيعة، ج 22، ص 157.
[2] الكافي، ج 6، ص 113-114؛ وسائل الشيعة، ج 22، ص 240.
[3] التفسير الكبير، مج 3، ج 6، ص 126-127.