يطلق على دور إرادة الأطراف لتحديد المحكمة المختصة مصطلح (الخضوع الاختياري) ويقصد به، الاختصاص القائم على إرادة الأطراف في الخضوع لقضاء دولة معينة، وهو عبارة عن تصرف قانوني، بمقتضاه يمنح الأطراف الاختصاص القضائي، لمحكمة غير مختصة بنظر النزاع، مستبعدين المحكمة المختصة أصلاً في النزاع (1) .
يتجسد دور الإرادة في تحديد المحكمة المختصة بشكل عام، في شكلين رئيسين، هما:
1) الشكل الأول : اتفاق الأطراف صراحة على إدراج شرط بالعقد يعرف باسم الشرط المانح للاختصاص، يمنح من خلاله الأطراف الاختصاص لمحكمة معينة، غالباً ما يتم هذا الاتفاق بشكل كتابي. (2)
2) الشكل الثاني: اتفاق أطراف العقد ضمناً على تحديد المحكمة المختصة، ويمكن التوصل إلى معرفة هذا الاتفاق من خلال ممارسات الأطراف، على سبيل المثال، عندما يترافع الخصم في دعوى ضده من دون الدفع بعدم اختصاص المحكمة. (3)
أما في سياق العقود الذكية، فيؤكد الفقيه Fernandez Rosas أن إدراج شرط الخضوع الاختياري في العقد، سواء أكان في العقد التقليدي الملحق بالعقد الذكي أم في العقد الذكي فقط، يهدف هذا إلى تحقيق اليقين والأمان القانوني وضمان وحدة القضاء ، وتكتسب مزايا تحديد الجهة القضائية المختصة في العقود الذكية أهمية كبيرة، لأنه يسهم في الحد من المخاطر القانونية الناشئة عن هذه العقود وما يحيط بها من غموض قانوني (4) .
لذلك فإنّ الطبيعة اللامركزية لهذه العقود، فضلاً عن التوزيع الجغرافي للمشاركين، وقدرتهم على إبرام تلك العقود من مختلف دول العالم، يقتضي على الأطراف ضرورة تحديد المحكمة المختصة في النظر بالنزاع المحتمل بين الأطراف. (5)
يسعى أطراف العقد الذكي، إلى تبني أفضل طريقة للحوكمة المؤسسية لحل النزاعات المتعلقة بالعقود الذكية، ولاسيما فيما يتعلق بالوقت والجهد، فقد يكون اختيار الأطراف لمحكمة ما هو أفضل وسيلة لتحقيق هذه الغاية. (6)
فإذا كان الأطراف قادرين على التوصل لاتفاق اختيار المحكمة في حال نشوء نزاع على البلوك تشين، يُعد هذا الاتفاق هو الحل الأمثل، ويمكن توضيح اتفاق اختيار المحكمة في العقود الذكية، على النحو الآتي:
1) ان يتفق الأطراف على اختيار المحكمة المختصة، ويدرج شرط الاختيار في ضمن بنود العقد التقليدي، الذي يستند إليه العقد الذكي.
2) يمكن للأطراف الاتفاق على تحديد المحكمة المختصة، في العقد الذكي مباشرة، وذلك من خلال كود يتم تضمينه في العقد الذكي.
3) قد تحدد المحكمة في القواعد التي يجب على المشاركين قبولها من أجل الوصول لسلسلة الكتل الخاصة أو شبه الخاصة، على سبيل المثال، يمكن ذكر بند اختيار المحكمة في الشروط والاحكام العامة لسلسلة الكتل . (7)
في بعض الأحيان، قد يشكل القانون الواجب التطبيق على العقد الذكي، أ أساساً لتحديد المحكمة المختصة، إلا أنه لا يمكن للأطراف اختيار بروتوكول المنصة بوصفه قانوناً حاكماً، لأنه ليس قانوناً لدولة معينة. (8)
إن تحديد الاختصاص القضائي مسبقاً، على منصة البلوك تشين أو أي منصة رقمية، يُعدّ من أفضل الحلول لمعالجة إشكالية تحديد الاختصاص القضائي، إذ يسهم هذا الحل في توفير قدر كبير من الاستقرار في المعاملات الرقمية، كما يُعد حافزاً للدول، لتطوير نظم قانونية خاصة لحل النزاعات، تتلاءم مع تكنولوجيا البلوك تشين والمنصات الرقمية. (9) يثار بهذا الصدد سؤال حول مدى اشتراط الكتابة لصحة اتفاق أطراف العقد الذكي على المحكمة المختصة، أو بعبارة أخرى، هل يعتد باتفاق الأطراف على اختيار المحكمة المختصة، مالم يوثق هذا الاختيار كتابياً؟ ، للإجابة عن هذا السؤال، يمكن القول إنّ الكتابة الالكترونية تُعدّ شرطاً اساسياً لصحة اتفاق أطراف العقد الذكي على اختيار المحكمة المختصة، وإن لم يرد نص خاص يتعلق بالعقود الذكية تحديداً، وذلك استناداً إلى موقف بعض التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية (10).
في سويسرا نظم القانون الدولي الفيدرالي الخضوع الاختياري من خلال المادة (5/1) إذ نصت على أنه (في المسائل المتعلقة بمصلحة اقتصادية، يجوز للأطراف الاتفاق على المحكمة المختصة بالفصل في أي نزاع قائم أو مستقبلي ينشأ عن علاقة قانونية محددة، ويجوز إبرام هذا الاتفاق كتابة، أو بأي وسيلة أخرى تسمح بإثباته كتابيًا، ما لم يُتفق على خلاف ذلك، يكون اختيار المحكمة المختصة حصرياً). (11)
نجد أن المشرع السويسري، اعترف بالخضوع الاختياري، من خلال الاعتراف للإرادة بحرية الاتفاق على تحديد محكمة معينة، لفض المنازعات ذات الطابع الدولي، إلا أنه اشترط أن يكون هذا الاتفاق كتابة أو بأي وسيلة مماثلة تجعل إثبات هذا الاتفاق ممكناً. (12)
على صعيد العقود الذكية، على الرغم من انتفاء نص خاص بالعقود الذكية، فإنّ غياب هكذا نص لا يعني عدم خضوع المعاملات التي تتم على البلوك تشين لقواعد القانون الدولي السويسري، لذلك فإنّ اشتراط الكتابة لاختيار المحكمة يُعدّ من الأمور المسلم الأخذ بها في العقود الذكية، حتى وإن أدرج هذا الاتفاق على البلوك تشين نفسها، بوصفها المنصة التي يتم من خلالها أتمتة هذه العقود وتنفيذها. (13)
وتؤيد ذلك الإرشادات القانونية التي أصدرتها الرابطة الدولية للمقايضات والمشتقات ISDA بشأن عقود المشتقات الذكية التي تستخدم تقنية البلوك تشين، إذ أنّ بعض شروط العقود تنفذ تلقائياً عبر سلسلة كتل Corda في مثل هذه الحالات يبرم أطراف العقد الذكي اتفاقية ISDA إلى جانب اتفاقية مع مزود المنصة، لذلك فإنّ بند الاختصاص القضائي الموجود في مثل هذه الاتفاقيات، سيحترم في حال نشوء نزاع بين أطراف العقد، أما إذا لم يتضمن العقد الذكي بند الاختصاص القضائي، ولكن تم تضمينه في العقد الأساسي الذي يستخدم العقد الذكي بوصفه أداة تنفيذية، فسيعمل بمضمون هذا البند، على افتراض أن بند الاختصاص القضائي المنصوص عليه في العقد الأساسي سيمتد ليشمل النزاعات المتعلقة بالعقد الذكي الذي يستند إليه.(14)
أما فيما يتعلق بكل من إنكلترا وويلز، فإنّ المحاكم الإنجليزية تتبنى مبدأ استقلالية الأطراف، بوصفه أحد المبادئ لتحديد الاختصاص القضائي في المنازعات العقدية، بما فيها المنازعات الناشئة عن العقود الذكية، فإذا اتفق أطراف العقد صراحةً على اختصاص المحاكم الإنجليزية للنظر في النزاع، فإنّ المحاكم ستحترم هذا الاتفاق وتنفذه أما إذا تضمن العقد شرط اختصاص محكمة أجنبية فإن المحاكم الانجيلزية ستوقف الإجراءات المقامة ،أمامها إلا إذا أثبت المدعي أن هنالك مبررات قوية تقتضي النظر في الدعوى أمام المحاكم الإنجليزية (15) . في عام 2021 ، نشرت لجنة القانون الإنجليزي توصية للحكومة بشأن العقود الذكية، عبرت فيه عن نيتها حول إطلاق مشروع لمراجعة قواعد تنازع القوانين المتصلة بالتكنولوجيا الناشئة (16)، إن الفصل السابع من هذه التوصية يتناول المسائل المتعلقة بتحديد الاختصاص القضائي في العقود الذكية، وهذا يعكس مدى إدراك المشرع الإنكليزي لأهمية التكييف مع البيئة الرقمية. (17)
علماً أن موقف كل من إنكلترا وويلز، بشأن اتفاقية اختيار المحكمة، جاء متسقاً مع اتفاقية لاهاي لعام 2005 ، إذ نصت المادة (3 / ب ، ج ) على اتفاقيات اختيار المحكمة على أنه: (ب- يُعد اتفاق اختيار المحكمة الذي يعين محاكم دولة متعاقدة واحدة أو محكمة أو أكثر محددة بدولة متعاقدة واحدة حصرياً ما لم ينص الطرفان صراحة على خلاف ذلك؛ ج- يجب أن يبرم الاتفاق الحصري لاختيار المحكمة أو يوثق بطريقة : أ - كتابة ؛ أو بأي وسيلة اتصال أخرى تجعل المعلومات متاحة بحيث يمكن الرجوع إليها لاحقاً) (18) ، إذ تمنح هذه الاتفاقية القوة الإلزامية لكل اتفاق صريح يحدد محكمة دولة متعاقدة على أنها صاحبة الاختصاص الحصري للنظر في النزاع (19). كما يتيح لأطراف العقد الذكي، الاعتماد على قواعد القانون الدولي الخاص، لتحديد اختصاص محكمة دولة ما، على سبيل المثال، إن الدول المتعاقدة في اتفاقية لوغانو واستناداً إلى نص المادة (24/1) من اتفاقية لوغانو للاختصاص القضائي وإنفاذ الأحكام في المسائل المدنية والتجارية لسنة 2007 (20)، ستعترف باختصاصها القضائي في النزاعات الناشئة عن الالتزامات العقدية، إذا كان الطرفان قد حددا في العقد المبرم بينهما المكان الذي سيتم فيه أداء الالتزام في تلك الدولة، بالتالي ممكن أن يكون لهذا الاتفاق تأثير على تحديد الولاية القضائية، في السياق نفسه، في مجال العقود الذكية يمكن لأطراف العقد الذكي تحديد نقطة اتصال مع ولاية قضائية، الأمر الذي يمنح للعقود الذكية نطاقاً قانونياً، بالتالي يوفر لأطراف العقد الذكي يقينا قانونيا عند نشوء نزاع بين أطرافه. (21) إن اتفاقية لوغانو تمنح الحجية لأي اتفاق تم التوصل إليه بشأن اختيار المحكمة بالوسائل الالكترونية، متى ما وفر وسيلة لحفظ سجل دائم للاتفاق، بحيث يكون معادلاً للوثيقة المكتوبة استناداً لذلك فإنّ أي اتفاق على الاختصاص القضائي ورد في الشروط أو الأحكام العامة للعقد الإلكتروني، وقبلة المستخدم بنقرة زر للموافقة، يُعدّ مستوفياً لشرط الكتابة الوارد في هذا الاتفاقية. (22) أما بالنسبة إلى موقف لائحة بروكسل الأولى (المعدلة) رقم 1215/2012، فقد تناولت في المادة (25) مبدأ استقلال الأطراف في تحديد الجهة القضائية المختصة، إلا أنها اشترطت بعض الشروط لكي يكون اتفاق الأطراف على تحديد المحكمة المختصة صحيحاً ونافذاً، فقد نصت المادة (1/25) على ما يأتي: إذا اتفق الأطراف، أياً كانت محل إقامتهم على أن تكون محاكم دولة عضو أو محكمة أو محاكم دولة عضو معينة مختصة بالفصل في أي نزاع نشأ أو قد ينشأ بينهم فيما يتعلق بعلاقة قانونية معينة، فإنّ تلك المحكمة أو المحاكم تكون مختصة، ما لم يكن الاتفاق باطلاً من حيث الجوهر بموجب قانون تلك الدولة العضو، تكون هذه الولاية القضائية حصرية ما لم يتفق الأطراف على خلاف ذلك. ويجب أن يُبرم هذا الاتفاق:
(أ) كتابيًا أو مثبتا كتابيًا، أو
(ب) في شكل يتوافق مع الممارسات التي نشأت بين الطرفين، أو
(ج) في شكل يتوافق مع العادات التي يعرفها أو ينبغي أن يعرفها الأطراف في التجارة الدولية أو في نوع التجارة المعنية، والتي يعرفها أو ينبغي أن يعرفها الأطراف). (23)
اما في العراق نجد ان قانون التوقيع الالكتروني والمعاملات الالكترونية رقم 78 لسنة 2012 نص في المادة (13/1) على ما يلي :(أولا : تكون للمستندات الالكترونية والكتابة الالكترونية والعقود الالكترونية ذوات الحجية القانونية لمثيلتها الورقية اذا توافرت فيها الشروط الاتية :
أ. ان تكون المعلومات الواردة فيها قابلة للحفظ والتخزين بحيث يمكن استرجاعها في اي وقت.
ب . امكانية الاحتفاظ بها بالشكل الذي تم انشاؤها او ارسالها او تسلمها به او باي شكل يسهل به اثبات دقة المعلومات التي وردت فيها عند انشائها او ارسالها او تسلمها بما لا يقبل التعديل بالإضافة او الحذف .
ج . ان تكون المعلومات الواردة فيها دالة على من ينشؤها أو يتسلمها وتاريخ و وقت ارسالها وتسلمها ) .
نرى ان هذه المادة أضفت حجية الاثبات المقررة قانوناً الى المستندات الالكترونية والكتابة الالكترونية، متى ما توفرت الشروط والضوابط القانونية التي تضمن سلامة وإمكانية الاطلاع عليه حفظه واسترجاعه عند الحاجة.
في نطاق العقود الذكية، على سبيل المثال عقود B2B (24)، فإن اتفاقية اختيار المحكمة التي أدرجت في العقد الأساسي الذي يستخدم عقداً ذكياً من أجل تنفيذه، لا تخضع تلك الاتفاقية لنظام قضائي دولي موحد، في تحديد الجهة القضائية المختصة في النظر بالنزاع الناشئ عن العقود الذكية، لذلك يُعد مبدأ استقلال إرادة الأطراف في تحديد الجهة القضائية المختصة أداة فعالة، ويمكن الاعتماد على الفقرة السابقة من لائحة بروكسل بشأن تحديد الاختصاص القضائي، إن هذه اللائحة تؤكد على شرط الكتابة بشأن اختيار الجهة القضائية المختصة، إذ إنّ الفقرة الثانية من المادة (25) (25)، أكدت أن اتفاقية اختيار المحكمة المبرمة بالوسائل الالكترونية يمكن أن تستوفي شرط الكتابة، متى ما كان بالإمكان الاحتفاظ بسجل دائم للاتفاق يتيح التحقق من محتواه كما إن آلية القبول بنقرة عبر الإنترنت، يمكن عدها مستوفية لشروط المادة (25)، إذا تمكن الأطراف من الاحتفاظ بنسخة من اتفاقية اختيار المحكمة، في العقود الذكية يمكن عد شرط الكتابة في تحديد الجهة القضائية المختصة، متى ما كان اتفاق اختيار المحكمة مدمجاً في العقد الأساسي، وإن الطرف الآخر اطلع عليه أو أبلغ به فعلياً، وأن يعبر عن قبوله الصريح حتى وإن كان ذلك بشكل الكتروني، ومن ثم إذا نشأ نزاع في العقد الذكي فإن اتفاق اختيار المحكمة المنصوص عليه في العقد الأساسي سيمتد إلى العقد الذكي طالما استوفى الشروط الموضوعية والشكلية المطلوبة (26) .
أما إذا كان أحد أطراف العقد الذكي مستهلكاً، فإنّ اتفاق الأطراف بشكل صريح على المحكمة المختصة، لا يكون بنفس ما هو عليه من الحرية عندما لم يكن أحد الطرفين مستهلكاً في العلاقات التعاقدية الدولية، وذلك لغياب المعرفة القانونية والفنية اللازمة للتفاوض على شروط العقد، ومعرفة التبعات القانونية، فمن اجل ذلك وضعت التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية بعض الأليات الخاصة لحماية المستهلكين، وبهذا الصدد يتم تطبيق المواد من (17) إلى (19) من لائحة بروكسل الأولى (المعدلة) المتعلقة بالاختصاص القضائي والتي تهدف إلى حماية المستهلك من الشروط المجحفة التي يتم فرضها عليه في العقود الدولية، فالمادة (17) هي التي تحدد متى يُعد العقد عقداً استهلاكياً" (27) ، أما المادة (18) فهي التي تمنح للمستهلك الحق في دعوى أمام محكمة موطنه أو أمام محكمة موطن التاجر ، إلا أنها تمنع التاجر من مقاضاة المستهلك إلّا أمام محكمة محل إقامة المستهلك (28)، أما المادة (19) فهي التي تحدد الشروط التي تكون بها اتفاقية اختيار الأطراف في عقود المستهلكين صحيحة، فإنّ هذا الاتفاق لا يكون صحيحاً إلا في ثلاث حالات استثناء، وهي :
1) إذا أبرم الاتفاق بعد نشوء النزاع.
2) او إذا مكن المستهلك من رفع الدعوى أمام محاكم إضافة لصالحه.
3) أو إذا كان المستهلك مقيماً في دولة عضو وقت إبرام العقد والاتفاق يمنحه اختصاص محاكم تلك الدولة أيضاً. (29)
وبناءً على ذلك تقر اللائحة الأوروبية بمبدأ حماية الطرف الضعيف (المستهلك) وتحد من حرية اختيار المحكمة المختصة في هذه العقود. (30) .
لذلك لا يعتد باتفاق الأطراف على تحديد المحكمة المختصة في عقود B2C (31) ، إنّ هذه العقود تخضع لنظام الحماية المنصوص عليه في المواد أعلاه من لائحة بروكسل، لذلك فإن اتفاقيات اختيار المحكمة المنصوص عليها في العقود الالكترونية لا يعتد بها، إلا إذا توفرت الشروط المنصوص عليها في المادة (19) (32).
مما تقدم، يتبين أن مبدأ استقلال الإرادة ودوره في تحديد المحكمة المختصة، يشكل الأساس في تحديد الجهة القضائية المختصة للنظر في منازعات العقود الذكية، فمتى ما اتفق أطراف العقد الذكي على الجهة القضائية المختصة وجب احترام هذا الاتفاق حتى وإن اختلفت الوسائل التقنية التي يتم من خلالها التعبير عن الإرادة، وسواء أكان هذا التعبير صريحاً أم ضمنياً وجب احترامه أما في حال غياب الاتفاق على تحديد المحكمة المختصة، أو يصعب إثبات وجوده بسبب التعقيدات التي ترافق هذه التقنية، فمن خلال المطلب القادم سنبين المحكمة المختصة حال غياب اتفاق الأطراف على تحديد المحكمة المختصة إضافة إلى الوسائل البديلة لحل المنازعات عبر الإنترنت.
______________
1- رافع أحمد بالعبيدي والصادق عبد القادر، فاعلية ضابط الخضوع الاختياري كآلية لتحديد الاختصاص القضائي الدولي في منازعات عقود التجارة الإلكترونية، المجلة الدولية للبحوث القانونية والاقتصادية، المجلد 5، العدد 3، 2021، ص 295
2- عبد النور أحمد، الاختصاص القضائي الدولي القائم على فكرة الخضوع الاختياري، دراسة مقارنة، أطروحة دكتوراه جامعة أبي بكر بلقايد تلمسان كلية الحقوق، 2016، ص ص 13-14.
3- محمد قط، الخضوع الاختياري كضابط اختصاص قضائي دولي للمحاكم الوطنية رسالة ماجستير، جامعة قاصدي مرياح ورقلة - كلية الحقوق والعلوم السياسية، 2015، ص14.
4- RAÚL RUIZ RODRÍGUEZ, Op. Cit., p.13.
5- Elçin Aktan, "Blokzinciri Uyuşmazlık Çözüm Yöntemlerinin Uygulanacak Hukuk Kurallarına Etkisi ve Lex Cryptographia İlişkisi [The Effect of Blockchain Dispute Resolution Methods on Applicable Law Rules and the Relationship with Lex Cryptographia]," TBB Dergisi 2025, no. 176, p.5.
6- Bedrettin Gürcan, "Jurisdiction on the Blockchain," in Proceedings of the International Conference on Business, Economics, Management and Marketing (ICBEMM-ICISSS 2020, March, Oxford) (Oxford: FLE Learning, 2020), p.16.
7- Florence Guillaume, Op. Cit., p.76.
8-Poomintr Sooksripaisarnkit, 'Establishing Jurisdiction in the Context of Smart Legal Contracts - the English Law Commission's Advice to Government (2) Journal of Business Law 135, 2022, n.p.
9- CMS Law. Disputes and Smart Contracts: Traditional Solutions to Modern Problems? CMS Law-Now, 2023. https://cms.law/en/int/publication/disputes-and-smart-contracts- traditional-solutions-to-modern-problems. Visited on: 2/11/2025.
10- د. هايدي عيسى حسن علي، إشكاليات العقود الذكية في القانون الدولي الخاص "دراسة مقارنة"، مجلة البحوث القانونية والاقتصادية ، بدون مجلد العدد ،82، 2022 ، ص 776.
11- Swiss Federal Act on Private International Law (PILA) of 18 December 1987 (Status as of 1 January 2025), Art. 5 - Choice of Forum.
(1)- In matters involving an economic interest, the parties may agree on the court that is to decide any existing or future dispute arising from a specific legal relationship. The agreement must be made in writing or by any other means of communication that permits it to be evidenced by text, unless otherwise provided by this Act. Available at: https://www.fedlex.admin.ch/eli/cc/1988/1776 1776 1776/en
12- علياء أحمد مبارك دور الإرادة في تحديد الاختصاص القضائي الدولي وأثارها دراسة مقارنة، رسالة ماجستير، كلية القانون_جامعة الموصل، 2006، ص 58.
13- هايدي عيسى حسن علي، إشكاليات العقود الذكية في القانون الدولي الخاص "دراسة مقارنة"، مجلة البحوث القانونية والاقتصادية ، بدون مجلد العدد ،82، 2022 ص ص 778-779.
14- وقد تتضمن بعض الأكواد في شبكة البلوك تشين بنوداً تتعلق بحل المنازعات، إلا أن فعاليتها تكون محدودة، وذلك بسبب تعذر المستخدمين العاديين فهم مضمون تلك البنود، لذلك يفضل أن لا يتم عد المشاركة في شبكة البلوك تشين موافقة ضمنية على شرط الاختصاص القضائي أو القانوني واجب التطبيق.
-Tetsuo Morishita, Blockchain and Japanese Private International Law, in Blockchain, Smart Contracts, and the Law, ed. Daniel Kraus, Thierry Obrist, and Olivier Hari (Cheltenham: Edward Elgar, 2023), p.p.768-770.
15-ISDA, Private International Law Aspects of Smart Derivatives Contracts Utilizing Distributed Ledger Technology, p.14.
16- يمكن القول إن هذا المشروع قد تم بالفعل، وأعلنت اللجنة عن بدء مشروع مخصص لتطبيق قواعد القانون الدولي الخاص على التكنولوجيا الحديثة، بما في ذلك العقود الذكية، والأصول الرقمية، وذلك بهدف معالجة الإشكالات المتعلقة بتحديد القانون واجب التطبيق والاختصاص القضائي في هذه الحالات.
-For more information, see: :Law Commission of England and Wales / Lewis Silkin, "Law Commission reviews how private international law applies to digital assets," 19 October 2022 https://www.lewissilkin.com/insights/2022/10/19/law-commission-reviews-how-private-international-law-applies-to-digital-assets-102hziu.com , Visited on: 3/11/2025.
17- Sooksripaisarnkit, Establishing Jurisdiction in the Context of Smart Legal Contracts, November 25, 2021.
18- International Law. Convention of 30 June 2005 on Choice of Court Agreements. Adopted 30 June 2005, entered into force 1 October 2015, Relevant provisions (Article 3, paragraphs b-c):
b) A choice of court agreement which designates the courts of one Contracting State or one or more specific courts of one Contracting State is exclusive unless the parties have expressly agreed otherwise.
c) An exclusive choice of court agreement shall be made in writing or in any form of communication which renders information accessible so as to be usable for subsequent reference.
Available at: https://assets.hcch.net/docs/89be0bce-36c7-4701-af9a-1f27be046125.pdf
19- ISDA, Private International Law Aspects of Smart Derivatives Contracts Utilizing Distributed Ledger Technology, p.p.14-16.
20- Convention on Jurisdiction and the Recognition and Enforcement of Judgments in Civil and Commercial Matters (Lugano Convention), 2007, Art. 23(1), “If the parties, one or more of whom is domiciled in a Contracting State, agree that a court or the courts of a Contracting State shall have jurisdiction to settle any dispute which has arisen or which may arise in connection with a particular legal relationship, that court or those courts shall have jurisdiction.", Available at: https://eur-lex.europa.eu/legal -content/EN/TXT/?uri=CELEX%3A62007A0727 (01).
21- أستاذنا .د جليل حسن الساعدي ود. لبنى عبد الحسين السعيدي، أزمة القانون الدولي الخاص في منازعات الذكاء الاصطناعي، الطبعة الأولى لبنان: المؤسسة الحديثة للكتاب، 2023، ص 114-115.
22- Florence Guillaume, Op. Cit., p.78.
23- European Union, Regulation (EU) No 1215/2012 of the European Parliament and of the Council of 12 December 2012 on jurisdiction and the recognition and enforcement of judgments in civil and commercial matters (Brussels I Recast), Official Journal of the European Union L 351/20 December 2012, 1-32, Article 25:
1-If the parties, regardless of their domicile, have agreed that a court or the courts of a Member State are to have jurisdiction to settle any disputes which have arisen or which may arise in connection with a particular legal relationship, that court or those courts shall have jurisdiction, unless the agreement is null and void as to its substantive validity under the law of that Member State. Such jurisdiction shall be exclusive unless the parties have agreed otherwise. The agreement conferring jurisdiction shall be either: (a) in writing or evidenced in writing;
(b) in a form which accords with practices which the parties have established between themselves; or
(c) in international trade or commerce, in a form which accords with a usage of which the parties are or ought to have been aware and which, in such trade or commerce, is widely known to, and regularly observed by, parties to contracts of the type involved in the particular trade or commerce concerned, Available at: https://eur-lex.europa.eu/legal - content/EN/TXT/?uri=CELEX%3A32012R1215.
24- عقد B2B هو اتفاقية ملزمة قانونيا بين طرفين أو أكثر، تبرم عادة بين المقاولين أو التجار أو الشركات التجارية تحدد هذه العقود توقعات واضحة بشأن الخدمات أو المنتجات أو السلع المقدمة، وتحدد جداول الدفع والمواعيد النهائية وغيرها من الشروط.
For more information see: https://www-upcounsel-com.translate.goog/business-to- business-contracts? x_tr_sl=en& x tr_tl=ar&_x_tr_hl=ar& x tr_pto-tc, Visited on: 4/11/2025.
25- European Union, Regulation (EU) No 1215/2012 of the European Parliament and of the Council of 12 December 2012 on jurisdiction and the recognition and enforcement of judgments in civil and commercial matters (Brussels I Recast), Official Journal of the European Union L 351/20 December 2012, 1-32, article 25,
2) Any communication by electronic means which provides a durable record of the agreement shall be equivalent to 'writing'.
26-Pedro de Miguel Asensio, Blockchain and Smart Contracts Relating to Copyright: Jurisdiction and Applicable Law, in Contracts for the Supply of Digital Content: Regulatory Challenges and Gaps, edited by R. Schulze, D. Staudenmayer, and S. Lohsse (Hart Publishing, 2020), p.p.44-45.
27- Regulation (EU) No 1215/2012, supra note X, art. 17 :
1.In matters relating to a contract concluded by a person, the consumer, for a purpose which can be regarded as being outside his trade or profession, jurisdiction shall be determined by this Section, without prejudice to Articles 6 and 7(5), if:
(a) it is a contract for the sale of goods on instalment credit terms; or
(b) it is a contract for a loan repayable by instalments, or for any other form of credit, made to finance the sale of goods; or
(c) in all other cases, the contract has been concluded with a person who pursues commercial or professional activities in the Member State of the consumer's domicile or, by any means, directs such activities to that Member State or to several States including that Member State, and the contract falls within the scope of such activities.
2.Where a consumer enters into a contract with a party who is not domiciled in a Member State but has a branch, agency or other establishment in one of the Member States, that party shall, in disputes arising out of the operations of the branch, agency or establishment, be deemed to be domiciled in that Member State.
3.This Section shall not apply to a contract of transport other than a contract which, for an inclusive price, provides for a combination of travel and accommodation.
28- art.18: Proceedings may be brought by a consumer against the other party to a contract either in the courts of the Member State in which that party is domiciled or, regardless of the domicile of the other party, in the courts for the place where the consumer is domiciled.
1.Proceedings may be brought against a consumer by the other party to the contract only in the courts of the Member State in which the consumer is domiciled.
2.This Article shall not affect the right to bring a counter-claim in the court in which, in accordance with this Section, the original claim is pending.
29- art. 19: The provisions of this Section may be departed from only by an agreement:
(1) which is entered into after the dispute has arisen; or
(2) which allows the consumer to bring proceedings in courts other than those indicated in this Section; or
(3) which is entered into by the consumer and the other party to the contract, both of whom are at the time of conclusion of the contract domiciled or habitually resident in the same Member State, and which confers jurisdiction on the courts of that Member State, provided that such an agreement is not contrary to the law of that Member State.
30- Rail Ruiz Rodriguez, op.cit., p.17.
31- عقد B2C: هي اختصار العبارة من شركة إلى مستهلك"، هي معاملات تجارية تبيع فيها شركة منتجاتها أو خدماتها مباشرة للمستهلكين.
-For more information see: https://www-businessnewsdaily-com.translate.goog/5085- what-is-b2c.html?_x_tr_hist=true., Visited on: 6/11/2025
32- Pedro De Miguel Asensio, Op.Cit., p.44.