0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين

اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة

العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات

الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور

العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون

احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام

مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة

التاريخ الاسلامي

السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام

الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان

علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)

الدولة الاموية

الدولة الاموية *

الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد

الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية

الدولة العباسية

الدولة العباسية *

خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل

خلفاء بني العباس المرحلة الثانية

عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله

عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله

عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية

التاريخ الحديث والمعاصر

التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا

تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر

تاريخ حضارات شرق اسيا

تاريخ الحضارة الصينية

تاريخ الحضارة اليابانية

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

النشاط الدبلوماسي لمصطفى رشيد بك (في باريس ولندن في الفترة من عام 1834 م وحتى عام 1837م)

المؤلف:  أﻧﻴﻨﻞ أﻟﻜﺴﻨﺪرو ﻓﻨﺎدوﻟﻴﻨﺎ

المصدر:  الإمبراطورية العثمانية وعلاقاتها الدولية: في ثلاثينيات وأربعينيات القرن التاسع عشر

الجزء والصفحة:  ص 76-89

2026-10-03

44

+

-

20

يذكر صلاح الدين بك، أول من وضع سيرةً لحياة مصطفى رشيد بك سفير تركيا في باريس عام 1834م، أن السفير التركي كانت أمامه مهمتان رئيسيتان: الأولى «تغيير الصورة الخاطئة التي تكوَّنت عن تركيا» لدى رجال السياسة في أوروبا، والثانية محاولة التوصل لحل للمشكلة المصرية يتناسب وحقوق الدولة ومصالحها (51، ص15-16/ 48، ص63). وفي الوقت نفسه كان مصطفى رشيد مكلفًا بمهمةٍ ثالثة غير رسمية، وهي القيام بمباحثات سرية مع الحكومة الفرنسية بهدف استعادة الجزائر (215، ص35).

في تلك الفترة، كان رجال السياسة والرأي العام في الدول الأوروبية يبالغون في الإنجازات الاقتصادية والثقافية التي حققتها مصر تحت سلطة محمد علي، ولكنهم في الوقت نفسه، كانوا لا يعرفون سوى القليل عن الأوضاع في الإمبراطورية العثمانية، بما في ذلك الإصلاحات التي قام بها محمود الثاني، ولهذا فإن مهمته (تغيير الصورة الخاطئة التي تكوَّنت عن تركيا)، والتي كلف الباب العالي سفيره بالقيام بها، كانت مهمةً حيوية للغاية، وكانت علاقة الرأي العام، بل وجميع مجالس الوزراء في الدول الأوروبية بكل الأطراف المتنازعة (الحكومة السلطانية ومحمد علي) متوقفةً على نجاح مصطفى رشيد في إنجاز هذه المهمة.

تناولنا قبل ذلك كيف أن محمد علي قام في عام 1834م بمحاولة الحصول على الاستقلال بالطرق الدبلوماسية، وهي المحاولة التي قوبلت بالرفض من جانب الدول الكبرى. وكان رأي مصطفى رشيد أن محمد علي لو حاول تحقيق هذا الهدف بالطرق العسكرية لجعل من قضية الباب العالي استعادة الجزائر، أمرًا ثانويًّا للغاية أمام السفير التركي مقارنة بالتكليف الذي تلقاه من الحكومة بشأن التوصل لأفضل حل للمشكلة المصرية. وقد كتب مصطفى رشيد في أحد تقاريره المؤرخ 1834م من باريس يقول: «إن الوقت والوضع الحالي يجعلان من المشكلة المصرية أمرًا عويصًا للغاية، بحيث تُصبح المشكلة الجزائرية تافهة بالمقارنة بها» (48، ص65). وقد وضع مصطفى رشيد هذا الظرف نصب عينيه إبان قيامه بواجباته الدبلوماسية في باريس. ومن الملاحظ أن الإمبراطورية العثمانية كانت تولي اهتمامًا كبيرًا الاحتفاظ بمصر يفوق كثيرًا اهتمامها بالجزائر، فالأخيرة كانت تدخل في نطاق الإمبراطورية العثمانية اسميًّا فقط؛ كانت مصر تدفع جزيةً كبيرة، وكانت مُلزمةً أن تضع تحت تصرف الباب العالي قواتها العسكرية، وقد كانت قوات لا يُستهان بها، بمقياس ذلك الزمن.

وقد بلغت قيمة الجزية التي كان على مصر أن تدفعها في عام 1834م «32 ألف كيس»، أي ما يُعادل 6 ملايين فرنك (112، ص60/ 198، ص140). وقد دفعت ممالك الدانوب للباب العالي في نفس العام (نورد ذلك للمقارنة) 3 ملايين قرش، وهو ما يُعادل 680 ألف فرنك تقريبًا (124، ج1، ص228).

وقد كلف الباب العالي أيضًا مصطفى رشيد أن يستوضح موقف فرنسا إذا ما اشتعلت الحرب، التي كان الباب العالي يستعد لدخولها ضد محمد علي إبان الانتفاضة السورية واللبنانية عام 1834م.

وقد علمنا مما سبق أن مصطفى رشيد توقف في فيينا وهو في طريقه إلى باريس في سبتمبر عام 1834م للتباحث مع مترنيخ، وقد أكد له الأخير أن الدول الكبرى لا ترغب في تصعيد الصراع التركي المصري، وأنها لن تسمح به. وأعرب السفير التركي عن أمله ألا تُبدي روسيا وحدها مشاعرها الطيبة نحو السلطان، بمناسبة انتفاضة السكان في سوريا، بل وأن تحذو الدول الكبرى أيضًا حذوها (45، العدد 1، ص31-32). ويدل هذا التصريح على الأمل الذي راود الحكومة السلطانية في تلقي الدعم من الدول الأوروبية لقمع تمرد محمد علي.

وفي باريس أجرى مصطفى رشيد مباحثات مع جاك ديزاج رئيس إدارة البروتوكول بوزارة الخارجية الفرنسية، متمنيًا أن يتوصل من خلالها إلى التعرف على موقف فرنسا من الوضع المتأزم. وقد حذره ديزاج من أنه في حالة قيام أي دولة أوروبية بالمبادرة بالحرب (أي لو ساندت أيًّا من الطرفين المتنازعين سواء السلطان أو محمد علي) فإن الدول الأخرى لن تسمح بذلك «دفاعًا عن مبادئ الحضارة»، وأشار ديزاج «ولهذا فإن نية السلطان التصالح مع محمد علي أمر يتفق والسياسة الراهنة» (45، العدد 6، ص431).

عندئذ بدأت المباحثات بين ممثلي كل من السلطان ومحمد علي، بعدما اقتنع الجانبان باستحالة تحقيق مخططاتهما بسبب تضارب مصالح الدول الأوروبية، كان السلطان يُطالب محمد علي بإعادة آلاي الرقة الذي استولى عليه وأن يدفع الجزية (45، العدد 6، ص430)، والتي كان والي مصر قد امتنع عن دفعها، متعللًا بأعذار كثيرة، قاطعًا بذلك التزامه بتنفيذ شروط معاهدة كوتاهية. وقد انتهت المباحثات بتقديم تنازلات من الجانبين (124، ج1، ص250).

وقد أفرد مصطفى رشيد مساحةً كبيرة من تقاريره الدبلوماسية التي أرسلها من باريس خلال العامين 1834م و1835م للمعلومات التي نشرتها الصحافة الفرنسية عن تركيا. كان مصطفى رشيد يسعى دائمًا لاستمالة العاملين في الصحافة المحلية وكذلك الرأي العام الفرنسي نحو تركيا السلطانية.

وقد أبلغ السفير التركي الباب العالي أن فرنسا تُعد نصيرًا لمصر، وأن صحافتها تأتي على ذكر محمد علي بلهجة استحسان، وأشار إلى أن الشائعات التي روَّجها محمد علي عن نفسه قد تلقَّاها الناس هنا باعتبارها طموحًا منه إلى «الحضارة» (45، العدد 6، ص433). وأكد أيضًا على أن عددًا من التجار المعروفين ينشرون في الصحف الفرنسية، مع ما يتكبدونه من نفقات، معلومات تعود بالفائدة على محمد علي، وأنهم يسعون لاستمالة عقول الفرنسيين نحوه (45، العدد 1، ص39). على أن الناس في فرنسا، وبفضل مساعي مصطفى رشيد، أصبحوا يتحدثون عن المعاملة الفظة واضطهاد محمد علي للأهالي، كما راحوا يتحدثون أيضًا عن الإصلاحات التي تجري في الإمبراطورية العثمانية. وعلى الرغم من أن النتائج التي حققها مصطفى رشيد لم تكن شديدة الأثر، إلا أنه عبَّر عن آماله في سرعة سقوط «الهيبة الزائفة» التي اكتسبها والي مصر (45، العدد 6، ص433، 48، ص66). كانت علاقات العمل مع العاملين في الصحف الفرنسية تتطلب نفقاتٍ مالية. وكان على مصطفى رشيد أن يدفع شهريًّا، على سبيل المثال، 150 فرنكًا لأحد محرري صحيفة Message، التي أخذت لهجتها، كما أشار مصطفى رشيد، تتغير تدريجيًّا لصالح تركيا (45، العدد 4، ص294/ 48، ص66).

وقد أوصى الجنرال جيليمينو، السفير السابق لدى إسطنبول، مصطفى رشيد بالتعامل مع موظفٍ تربطه علاقات عمل بعدد من الصحف، وتنحصر مهمته في تقديم موجز للمقالات الصحفية قبل صدورها بأربع وعشرين ساعة، وإرسالها إلى الوزراء المحليين. وكان هذا الموظف يُرسل هذا الموجز إلى عدد من السفراء الذين استطاعوا عقد علاقات طيبة معه، فإذا ما اعتبر بعضهم أن شيئًا ما في هذه المواد يتناقض وتوجهات السياسة الخاصة ببلادهم، فإنهم يقومون بتنبيه الموظف إلى ذلك، فيقوم هذا بسحب هذه المقالات تمامًا أو بتخفيف لهجتها. كما كان هذا الموظف يقوم أيضًا بنشر المواد التي يتلقاها من السفراء في الصحف التي له معها علاقات، وكانت خدماته بالطبع تتطلب تمويلًا. وقد وعد هذا الرجل بنشر معلومات في صحيفتَي Deba وMoniteur عن إنشاء دور للبريد وعن التعليم في الأسطول العثماني وعن إعفاء السلطان لمحمد علي من الضرائب المستحقة عليه، انتظارًا لأن تترك هذه المعلومات انطباعًا حسنًا (45، العدد 6، ص432). كان مصطفى رشيد يُبلِّغ الباب العالي أولًا بأول أنه قد أحاط القراء الفرنسيين علمًا بإنشاء طريقٍ بري يربط بين أوسكودار وإيزميت (45، العدد 6، ص432)، وأنه قد تقرر إقامة حجرٍ صحي للإمبراطورية العثمانية، وإن كانت المشاغل المتعلقة بمصر قد حالت دون إتمامه (45، العدد 3، ص291).

وبعد وصوله إلى باريس، أشاد السفير التركي بأهمية الدور الذي تؤديه الصحف التي يصدرها السيد بلاك (1) باللغة الفرنسية في الإمبراطورية العثمانية، وقد كتب مصطفى رشيد قائلًا: إن وصول هذه الصحف إلى فرنسا قد ساعد على تغيير رأي الفرنسيين في الإمبراطورية العثمانية إلى الأفضل، حتى إن هناك مقالات تناولت محمد علي بنوع من السخرية. كما أشار السفير التركي إلى أن تحول الرأي العام الفرنسي قد ساعدت عليه أيضًا الإصلاحات التي أجراها محمود الثاني. وقد أخذت الصحف الفرنسية في استخدام «لهجة غير متحيزة» تجاه تركيا السلطانية (45، العدد 9، ص211).

وقد علم مصطفى رشيد أن محمد علي يدفع 600 فرنك لمحرر جريدة Courrier francais شهريًّا، على أن السفير التركي لم يكن يملك إمكانية دفع مثل هذا المبلغ، وأعرب في تقاريره عن أسفه لهذا (45، العدد 9، ص219).

يدل الاهتمام الذي أولاه السفير التركي للصحافة الفرنسية، على الأهمية التي كان يُعلِّقها على الرأي العام الفرنسي وعلى ما بذله من مساعٍ للتأثير فيه. كان مصطفى رشيد يعلم أن الرأي العام له أثرٌ معلوم في علاقة الدبلوماسية الفرنسية وحكومة فرنسا بالصراع التركي المصري.

وفي باريس ازداد اقتناع مصطفى رشيد بإمكانية حل الصراع التركي المصري بمساعدة إنجلترا، فأرسل في مارس عام 1836م يلفت انتباه الباب العالي إلى استخفاف القنصل الإنجليزي في أليبو بالإدارة المصرية، ووصل إلى استنتاجٍ مفاده أن سخط إنجلترا على محمد علي قد ازداد، وأشار على الباب العالي ألا يُضيع هذه الفرصة المواتية (45، العدد 12، ص461)، وبعد فترة، في الثالث من يوليو عام 1836م، عاود السفير التركي الكتابة من جديد إلى الباب العالي ليخبره أنه «بناءً على السياسة الراهنة مع إنجلترا، فإن من المفيد توطيد العلاقة معها؛ إذ إن تدهور هذه العلاقة يُمكن أن يؤدي إلى نتائج وخيمة» (45، العدد 13، ص52). كانت هذه المشورة تُمثل رد فعل مصطفى رشيد تجاه ما حدث في إسطنبول وأدى إلى تراجع في العلاقات الإنجليزية التركية (2).

في 13 سبتمبر عام 1836م تلقَّى مصطفى رشيد أمرًا من الباب العالي بأن يتبادل موقعه مع سفير تركيا في لندن نوري أفندي (207، ص70، انظر أيضًا 245، العدد 14، ص61). كان الباب العالي يعوِّل على مصطفى رشيد، الذي برهن على أنه أكثر الدبلوماسيين حنكة، في تحقيق أقصى ما يُمكن من نجاح في لندن، بما في ذلك الوصول إلى حل الصراع التركي المصري.

لم يكن هناك أي تحسن قد طرأ على العلاقات المتوترة بين تركيا ومصر. وفي 14 من أكتوبر عام 1836م، أي في الأسابيع الأولى لوجوده في لندن بصفته سفيرًا، أبلغ مصطفى رشيد إسطنبول أن الصحف الفرنسية عاودت مرةً أخرى الكتابة حول نية محمد علي إعلان منصب والي مصر منصبًا وراثيًّا، كما أفادت هذه الصحف، علاوةً على ذلك، أن محمد علي أعلن رسميًّا في حضور قناصل أوروبا في القاهرة ولدَه إبراهيم خليفة له على سوريا، وحفيده عباس باشا خليفة له على مصر (46، العدد 14، ص65–88).

كان لهذه الأنباء وقعٌ شديد على مصطفى رشيد، الذي سارع فور وصوله إلى لندن في أكتوبر 1836م بالتوجه لمقابلة بالمرستون، حتى يستوضح منه مدى صحة هذه الشائعات ويتعرف على الموقف الذي سوف تتخذه إنجلترا حياله. آنذاك كانت الحكومة الفرنسية قد استدعت سفيرها في إسطنبول، الأدميرال روسين، إلى باريس. وفسَّر مصطفى رشيد هذا الاستدعاء بأن له علاقة بما يجري من أحداث في مصر. هدَّأ بالمرستون من روع السفير التركي بخصوص عزم فرنسا، بعد أن أخبره أن المسألة الجزائرية تُعد استثناءً، وأن فرنسا فيما يتعلق بالقضايا الأخرى سوف تقف إلى جانب الإمبراطورية العثمانية. وفي الوقت نفسه حاول بالمرستون أن يستوضح موقف السفير التركي والحكومة السلطانية في سياسات كل من فرنسا وروسيا. اكتفى مصطفى رشيد بالتعبير عن موافقته على رأي بالمرستون بشأن علاقة فرنسا بالسلطان، وأضاف متوخيًا إلقاء الضوء على هدفه الرئيسي، وهو تلقِّي مساعدة إنجلترا، أن الهدف الرئيسي للإمبراطورية العثمانية هو صداقة إنجلترا. وأكد بالمرستون في رده أن إنجلترا على استعداد دائمًا لإظهار تعاطفها مع كل مشكلات الباب العالي. اعتبر مصطفى رشيد أن من الضروري جذب انتباه محدثه إلى أن رغبة السلطان تتلخص في إخراج المصريين من سوريا وفي الالتزام الكامل لمحمد علي بواجباته كتابع للسلطان، وأشار السفير التركي إلى أن محمد علي يتحدث منذ الآن عن خلفائه؛ ولهذا فإن مثل هذه الظروف سوف تدفع بالباب العالي لإعلان الحرب عليه بدلًا من الدخول في مفاوضات معه.

أجاب بالمرستون بلهجةٍ ودية، مؤكدًا أن إبعاد محمد علي عن سوريا لا يتم بإلقاء المواعظ، وفي الوقت نفسه فإن محمد علي يمتلك هناك قوات جديرة بالاعتبار، ولذلك فإنه يقترح عدم إثارة هذا الموضوع ما بقي محمد علي على قيد الحياة، فهو عجوز يشكو من المرض ولن يعيش طويلًا، فإذا وعد السلطان بذلك، أضاف بالمرستون، فإن إنجلترا من جانبها سوف تُخبر محمد علي أنه لا يملك الحق في استبقاء قواته في سوريا وإظهاره للعصيان، وسوف يسمح هذا للباب العالي بأن ينتبه لمشكلاته الداخلية ويعمل على رفع مستوى الحياة ورفاهية السكان. وأشار بالمرستون أن إنجلترا كانت تنظر دائمًا إلى محمد علي باعتباره مجرد والٍ لا أكثر وأنه واحد من رعايا السلطان، وهو ما نبهته إليه إنجلترا مرارًا، وأن ما يدعيه من انتقال السلطة إليه بالوراثة يبدو — في رأي بالمرستون — أمرًا غريبًا.

ومع هذا فلم يتجاهل وزير خارجية بريطانيا علاقة روسيا بتركيا السلطانية ووجه إليها انتقادًا حادًّا.

وقد رد السفير التركي على بالمرستون — متجاهلًا اقتراحه بشأن الحفاظ على السلام، وإبقاء الوضع بين السلطان ومحمد علي على ما هو عليه — معلنًا أن مشكلة سوريا تتطلب مباحثاتٍ دقيقة مستقبلًا. وقد أعرب وزير خارجية إنجلترا عن موافقته على هذا الرأي.

كتب مصطفى رشيد إلى الباب العالي يخبره أن مباحثاته استمرَّت طويلًا، وأنهى تقريره بالاستنتاجات الآتية:

(1) لا تُحبذ إنجلترا نية محمد علي في الحصول على سلطةٍ وراثية في مصر، وترى أن من الضروري القضاء على تمرده دون ضجيج (أي بطريقة دبلوماسية وليس باللجوء إلى الحرب)، وتعتزم حل الصراع لصالح السلطان.

(2) ينبغي تقوية الحدود مع روسيا مع عدم الاستناد إلى معاهدة أونكيار إيسكيليسي ودون إعطاء روسيا حجة للتدخل في الصراع التركي المصري.

(3) لن تسمح فرنسا — على الرغم من أنها تؤيد الوالي المصري — بتصاعد حدة الصراع؛ إذ إن إنجلترا تُظهر اهتمامًا بما يقوم به محمد علي من أعمال، وهو اهتمام يتناقض ومصالح فرنسا، كما أن الاهتمام الذي تُظهره فرنسا من حين إلى آخر تجاه روسيا لم يعد متينًا كما كان، فضلًا عن أنه لا يلقى تأييدًا من الفرنسيين.

غير أن التأييد الواضح من جانب روسيا لكارل العاشر المخلوع يبدو أنه قد ضعف الآن، ولعل روسيا الآن تميل أكثر لسياسة الملك لويس فيليب. وإن كان الأمر لم يصل إلى حد تبادل الثقة بين الدولتين، بحيث يعرض السفير الفرنسي آراءه على السفير الروسي، وبخاصة أن نيات فرنسا تجاه مصر تتعارض والمصالح الروسية (46، العدد 14، ص65–70).

على هذا النحو نجد أن مصطفى رشيد في أول تقرير له من لندن حول وضع الصراع التركي المصري وموقف الدول الأوروبية منه، يقترح عددًا من النقاط للقضاء على النزاع التركي المصري، وتتلخص في:

(1) التوجه إلى إنجلترا؛ إذ إنها تعتزم مساعدة السلطان في تحقيق أهدافه.

(2) عدم طلب أي مساعدة من روسيا بموجب معاهدة أونكيار إيسكيليسي.

(3) عدم التخوف من فرنسا؛ حيث إنها — كما يبدو — لا ترغب في تأييد محمد علي، وهي لن تفعل هذا تضامنًا مع إنجلترا، التي تتعارض مصالحها مع مصالح روسيا.

ويرى السفير التركي أن محاولات التقارب الروسي الفرنسي لا تقوم على أساسٍ متين.

تتيح لنا التقارير الدبلوماسية التي بعث بها مصطفى رشيد من لندن عامَي 1836م و1837م التعرف على نقطة البدء في التقارب الإنجليزي التركي. ونظرًا لأنه، حتى الآن، ما تزال المؤلفات تتناول قضية ما إذا كانت إنجلترا متورطةً في إشعال فتيل الصدام العسكري الثاني بين السلطان ومحمد علي (انظر 63، ص75)، فإن هذه التقارير تُمثل وثائق تركية ذات أهمية بالغة، وترجع هذه الأهمية لأنها تُلقي بالضوء على مراحل تكوِّن الموقف الدبلوماسي للباب العالي عامَي 1836م و1837م، أي في تلك الفترة التي حوَّلت فيها الدبلوماسية السلطانية توجهاتها الدولية بشكلٍ واضح، وراهنت خلالها على التحالف مع إنجلترا.

وفي أكتوبر عام 1836م، وبعد أن فشلت محاولة محمد علي فرض سلطاته بسبب رفض الدول الأوروبية، بدأت من جديد المفاوضات المباشرة بين ممثلي الدولتين المتنازعتين. واستمرت هذه المفاوضات بدءًا من الربع الأخير لعام 1836م وحتى النصف الأول من عام 1837م.

ويُمكن أن نستنتج من تقارير مصطفى رشيد أن فرنسا في مبادرتها (التي لم تلقَ قبولًا من إنجلترا) أخذت على عاتقها مسئولية الوساطة في المفاوضات. ففي يناير عام 1837م اقترح السفير الفرنسي في إسطنبول، الأدميرال روسين، على محمد علي أن يحصل من السلطان على اعتراف بأحقيته في حكم مصر بالوراثة وبحقه في حكم سوريا مدى حياته (46، العدد 15، ص137-138). وفي يونيو عام 1837م استجاب السلطان لهذا الطلب، على أنه وعد بإعطاء محمد علي السلطة في حكم جزء من سوريا حتى عكا مدى حياته، على أن تبقى صيدا تحت حكم السلطان (46، العدد 16، ص58-59)، وفي مصادر أخرى نعرف أن محمد علي رفض رفضًا قاطعًا التخلي عن فكرة وراثة أسرته للحكم في سوريا، وهكذا وصلت المفاوضات التي أدارها ساري أفندي نيابةً عن الباب العالي (46، العدد 15، ص130-131) إلى طريقٍ مسدود (27، ص152-153/ 48، المجلد 4، ص243/ 97، ص99/ 124، ج1، ص292–294، انظر أيضًا 46، العددين 17، 18، ص187).

في تلك الفترة، لفت بالمرستون، مرةً أخرى، انتباه مصطفى رشيد إلى أن محمد علي لن يترك سوريا بمحض إرادته، وأشار عليه بألا يُحاول أن يتخذ أي خطوة بالقوة لخطورة الأمر، على الرغم من أنه أكد أن إنجلترا ترغب في تحرير سوريا من نير محمد علي، على أن السفير التركي اعتبر أن الأمر لا يستدعي استخدام القوة، وأنه يكفي أن توجه كل من فرنسا وإنجلترا تهديدات حاسمة لمحمد علي. لكن بالمرستون لم يقتنع بجدوى استخدام مثل هذا الحل السهل. ومع ذلك فقد ألمح إلى أنه في حالة موافقة السلطان على حل هذه المشكلة بالشروط التي اقترحها السفير الفرنسي روسين، فسوف توافق إنجلترا عليها، ولو عُرضت عليها الوساطة فستقبلها.

 

بدا لمصطفى رشيد أن موافقة السلطان على ترك سوريا خاضعةً لمحمد علي أمر غير واقعي، ولهذا فقد اعتبر أنه قد أصبح من غير الممكن التدخل في المفاوضات الجارية وهو ما أعلنه للوزير الإنجليزي (46، العدد 15، 138).

وهكذا وفي يناير عام 1837م عاد بالمرستون إلى موقفه السابق، بل إنه أشار إلى خطورة وقوع الحرب بين السلطان ومحمد علي. وقد نبه مصطفى رشيد بالمرستون إلى أنه في حالة استمرار الباب العالي في محاولاته لعقد اتفاق مع محمد علي وعامله «معاملة حسنة»، فإن هذا الموقف يُمكن أن يطول؛ فالوصول إلى اتفاق ثابت في ظل بقاء سوريا تحت حكم محمد علي أمر مستحيل، كما أنه ليس من المعروف من سيستغل وقوع أي أحداث مفاجئة (46، العدد 15، ص137).

كان السفير التركي يقصد بهذا التصريح حفز الوزير الإنجليزي على اتخاذ موقفٍ أكثر حسمًا نحو تأييد السلطان، موقف من شأنه أن يُغيِّر من الوضع القائم. لقد ألمح مصطفى رشيد مباشرةً ودون مواربة إلى أن وقوع «أحداث مفاجئة» يعني تحديدًا نشوب الحرب بين محمد علي والسلطان، وهو ما يُمكن أن تستغله روسيا لصالحها. كما أبلغ مصطفى رشيد بالمرستون أيضًا أنه في حالة الوصول إلى تسوية الصراع التركي المصري، فإن الإمبراطورية العثمانية سوف تُنسق سياستها مع سياسة إنجلترا وفرنسا، حتى ولو جرى مد العمل بمعاهدة أونكيار إيسكيليسي. كان مصطفى رشيد يرى أن إمكانية مد المعاهدة يتوقف على السعي للحصول على تسويةٍ ملائمة للصراع التركي المصري، وبحيث لا تتعارض هذه التسوية مع مبادئ سياستَي كل من إنجلترا وفرنسا (46، العدد 15، ص137).

كان الوعد الذي بذله السفير التركي بشأن عزم الباب العالي التوجه مستقبلًا ناحية الدول الغربية، بغض النظر عن العلاقات الشكلية بروسيا، يستهدف أيضًا الحصول على تأييدٍ أكثر فعاليةً من جانب إنجلترا.

في يونيو عام 1837م تم تعيين مصطفى رشيد وزيرًا لخارجية الإمبراطورية. وقد جاء هذا التعيين تأكيدًا على التقارب الواضح بين إنجلترا وتركيا (124، ج1، ص293/ 132، ص414-415، انظر أيضًا 34، المجلد 12، ص73/ 115، ص80)، وقد تأجل موعد مغادرة الوزير التركي عائدًا إلى بلاده حتى شهر أغسطس. وفي مطلع شهر أغسطس عام 1837م استقبلت الملكة فيكتوريا (3)، ملكة إنجلترا، مصطفى رشيد، وذلك قبل شهور قليلة من اعتلائها عرش البلاد. وفي مساء ذلك اليوم أجرى مصطفى رشيد مباحثات سرية مع بالمرستون استمرت ساعتين، تناولا خلالها مشكلات السياسة الخارجية للإمبراطورية العثمانية، وصرَّح فيها وزير الخارجية الإنجليزي لنظيره التركي أنه طلب من قنصل إنجلترا الثاني في مصر (والذي كان موجودًا آنذاك في لندن) أن يبلغ محمد علي أن إنجلترا لا تعتبره سوى تابع وخادم للسلطان، وهذا يعني أن مصر، فضلًا عن سوريا، يخضعان للسلطان، وأن محمد علي نفسه ليس أكثر من والٍ لهاتين الولايتين، وعلى هذا فإن إنجلترا لا تؤيد ادعاءاته فيهما نهائيًّا. وأنه وعلى الرغم من أن سوريا في الوقت الحالي تخضع لسلطانه، فإن إنجلترا تأمل في أن تقوم الإمبراطورية العثمانية في أقرب وقت بإعادة الأمور إلى نصابها وتحرير سوريا، وعلى الرغم من إصرار محمد علي الذي ازداد حتى وصل إلى أنه يعتزم الاستيلاء على اليمن ليصل من خلالها إلى المحيط الهندي، فإن إنجلترا لا يُمكنها أن تسمح بذلك.

أعرب مصطفى رشيد عن امتنانه لبالمرستون، وأعلن أنه سيبلغ حكومته على الفور بمضمون هذه المباحثات، وعقَّب قائلًا: «لا شك أن جلالة السلطان سوف يُسر لهذه الأخبار» (46، العددان: 17، 18، ص180-181).

وهكذا، وبعد تسعة أشهر من وصول مصطفى رشيد إلى لندن تغيرت وبصورة جادة علاقة بالمرستون من قضية تحرير سوريا ومن حكم محمد علي. وإذا به يتحدث في أغسطس عام 1837م لا عن مخاطر نشوب الحرب بين السلطان ومحمد علي، كما حدث في أكتوبر 1836م، وإنما عن التحرير الوشيك لسوريا. كانت هذه الكلمات موجهة في حقيقة الأمر إلى الوالي المتمرد، ولكن بالمرستون رأى أن من الضروري أن يبلغ بها السفير التركي لعلمه بأن السلطان كان متعطشًا للحرب.

وخلال المباحثات التي تمت بعد ذلك ببضعة أيام، لفت بالمرستون انتباه وزير خارجية الإمبراطورية العثمانية إلى أن محمد علي يستخدم الفرنسيين بأعداد كبيرة في الجيش والأسطول. فعلى سبيل المثال، فإن قائد ترسانة طولون يقوم للسنة السادسة بمتابعة تطور شئون البحرية في مصر، وأن فرنسا لم تكتفِ بإعطائه راتبًا مساويًا لما كان يتقاضاه من قبل، وإنما أنعمت عليه بوسامٍ لقاء ما قدمه من خدمات للوالي المصري، كما أن الضباط الفرنسيين يعملون على متن سفن محمد علي وفي المدارس والمطابع التي افتُتحت في مصر وفي إدارات الجيش.

 

لقد بلغ تعاطف فرنسا مع محمد علي ورعايتها له إلى حد أن قنصلها في مصر لم يعرب من جانبه، بناءً على تعليمات من حكومته، عن أي اعتراضات على نظام الاحتكار الذي كان محمد علي يُطبقه، على الرغم من مخالفته للاتفاقات الدولية، حتى إن الرعايا والتجار الفرنسيين كانوا يضحون أحيانًا بمصالحهم إرضاءً لمحمد علي.

وقد ذكر بالمرستون فيما بعد أنه في الوقت الذي كان فيه محمد علي مجرد والٍ وخادم للسلطان، فقد كان يسعى لتقوية مصر بدعم من الفرنسيين، وكانت الإمبراطورية العثمانية، للأسف الشديد، تُمانع في دعم قواها الذاتية، قاصرةً اهتمامها على سماع وشايات بعض أعدائها. ولو أن السلطان قام بالارتفاع بمستوى الجيش والبحرية جنبًا إلى جنب مع الإصلاحات التي حقَّقت نجاحًا حتى الآن، واستنادًا إلى موقع الإمبراطورية العثمانية وكفاءات السكان فيها، لنجح في تنظيم شئونها المالية ولاستطاع بالمرستون أن يقسم أنه بالإمكان بعد فترة قصيرة القضاء على محمد علي، ولأصبح للإمبراطورية العثمانية، فضلًا عن ذلك، شأن عظيم يُضارع الدول الأخرى.

رفض مصطفى رشيد تأكيد بالمرستون على وجود تدخل أجنبي (يعني الدبلوماسية الروسية)، ولكنه أعرب عن رضائه عن الثقة التي يوليها له محدثه، وقال إن السلطان ينظر بعين الاهتمام دائمًا للإصلاحات التي من شأنها أن تعود على البلاد بالفائدة، وإن كان الأمر يتطلب إنجازها بالتدريج، وهو ما وافقه عليه بالمرستون (46، العددان: 17، 18، ص183–185).

إن هذا التقرير الأخير (المؤرخ 10 أغسطس 1837م)، والذي كتبه مصطفى رشيد عشية رحيله إلى الوطن قادمًا من لندن، يتضمن الحديث عن أوضاع كثيرة جديدة، كما يتعرض أيضًا لموقف إنجلترا من الصراع التركي المصري.

لقد تغير موقف إنجلترا من قضية إشعال الحرب بين السلطان ومحمد علي. لم يعد بالمرستون يُطالب الباب العالي بعدم الدخول في حرب ضد محمد علي، ولم يعد يُذكره بخطورتها على تركيا السلطانية، وإنما راح على العكس من موقفه السابق، يدعوه لرفع قوته العسكرية ودعم أوضاعه الداخلية، وأعرب له عن ثقته في إحراز النصر على الوالي المتمرد بعد أن يُعد لكل شيء عدته اللازمة. ومن الملاحظ أيضًا أن تقديرات بالمرستون لسياسة فرنسا في مصر قد تغيرت هي الأخرى. لقد أدان بالمرستون هذه السياسة صراحة، وأوضح لمصطفى رشيد أنه يعتبر ما تقوم به فرنسا من أعمال موجهة ضد مصالح السلطان. كما تحدث بالمرستون عن محمد علي حديثًا يُشبه التهديد، وذلك بعد أن شعر بالقلق من جراء مخططات محمد علي بغزو اليمن وخروجه إلى المحيط الهندي.

على أن المصادر التاريخية، للأسف، لا تُقدم لنا شروحًا لأسباب هذه التغيرات في هذه الفترة تحديدًا (4)، وإن كان مضمون المباحثات يدل على أن الأمل الذي كان يحدو مصطفى رشيد في الحصول على دعم عسكري من إنجلترا يؤازره في صراعه مع محمد علي كانت وراءه مبررات حقيقية.

واستنادًا إلى التقارير الدبلوماسية التي أرسلها مصطفى رشيد من لندن في الفترة من أكتوبر 1836 وحتى أغسطس 1837م (46، الأعداد: 14–18)، يُمكن أن نصل إلى استنتاجٍ مفاده أن الباب العالي كان يتبع سياسةً مزدوجة تجاه روسيا، فعلى الرغم من عدم ثقته الكاملة تجاهها، وهو ما انعكس بشكلٍ واضح في تقارير مصطفى رشيد، حاول الباب العالي ألا يتسبب أي شيء في إفساد علاقته الطيبة معها. ومن بين الأمثلة الدالة على ذلك أن الباب العالي فضَّل تبرم إنجلترا على فقدان رضا روسيا، فقد رفض الباب العالي، لهذا السبب، دعوة الخبراء العسكريين الإنجليز إلى الإمبراطورية العثمانية خشية اعتراض روسيا على هذه الخطوة (46، العدد 15، ص133–136، قارن ما جاء في المرجع 124، ج1، ص266، 270–273).

ويدلنا الحرص البالغ، وعدم التدخل التام من جانب الإمبراطورية العثمانية في الصراع الإنجليزي الروسي، والذي انفجر على إثر استيلاء الروس على السفينة الشراعية الإنجليزية «ويكسن» في نهاية عام 1836م، على أن الباب العالي نجح في الحفاظ على موقفٍ حيادي صارم، فضلًا عن نجاحه في إخفاء تعاطفه مع الإنجليز في هذه الحادثة عن الروس (انظر 46، العدد 16، ص49–53، العددين: 17، 18، ص176–178).

 

لقد أظهر الباب العالي هذا الحذر، عندما أعلن بالمرستون عن اهتمامه بتأييد الإمبراطورية العثمانية لبلجيكا المستقلة ولملكة إسبانيا، التي كانت قد دخلت في صراع ضد أنصار الملك كارل. فقد حاول مصطفى رشيد أن يجد حجةً يؤجل بمقتضاها اتخاذ الحلول الملائمة للباب العالي، وخاصةً وهو يعلم أن روسيا لا تقف في صف ملكة إسبانيا، كما أنها لا تؤيد العلاقات السياسية مع بلجيكا (46، العددان: 17، 18، ص181–183). على أي حال، فقد عقد مصطفى رشيد معاهدةً تجارية ودية مع بلجيكا بعد مرور عام، وفي الوقت نفسه اعترف الباب العالي بملكة إسبانيا، وهو أمر لم يجد ترحيبًا في بطرسبورج (انظر 124، ج1، ص306).

وعلى الرغم من أن الباب العالي كان يوافق في أحيان كثيرة على رغبات روسيا باعتبارها حليفةً له ويستمع إلى مشورتها، إذا لم تتعارض هذه المشورة مع مصالحه، فإن هذا لم يمنع الباب العالي من أن يتحرى تحقيق أهدافه السياسية في القضايا الأكثر أهميةً والتي تمس مصالح الدولة العليا، وقد تُوِّجت سياسة تركيا السلطانية بالنجاح؛ لقد استطاعت هذه السياسة، ودون أن تفسد العلاقات الودية مع روسيا مستغلةً إياها لصالحها، أن تحصل في الوقت نفسه على مساعدة إنجلترا في حل الصراع التركي المصري، وهو ما لم تكن تريده روسيا، التي لم تكن ترغب في أن يكون لإنجلترا دور رئيسي في التدخل في شئون الإمبراطورية العثمانية.

........................................

(1) وُلِد ألكسندر بلاك (Blacque) عام 1797م في باريس، وسافر إلى أزمير في فترة الدعوة لإعادة النظام البائد (1815–1820م). أصدر صحيفتَي Courrier de Smyrne وle Spectateus Oriental. وأصدر في إسطنبول صحيفة le Moniteur Ottoman بناءً على اقتراح من السلطان. توفي عام 1837م.

(2) لقد تصادف أن أصاب أحد المواطنين الإنجليز، ويُدعى تشرشل، أثناء قيامه بالصيد طفلًا تركيًّا، وعندها أصرَّ الأهالي على إلقاء القبض على تشرشل، الذي ظل مصيره مجهولًا لبضعة أيام. وقد اعتبر بونسونبي السفير الإنجليزي لدى إسطنبول أن السلطات التركية قد خرقت بهذا قانون حصانة المواطنين الإنجليز في الإمبراطورية العثمانية وأعرب عن استيائه. وقد ساءت العلاقات بين البلدين، إلى حد أن الباب العالي فوَّض مصطفى رشيد في إبلاغ الحكومة الإنجليزية بما حدث وطلب منه إدانة سلوك بونسونبي (لمزيد من التفاصيل انظر المرجع 124، ج1، ص266–269).

(3) اعتلت الملكة فيكتوريا العرش في السابع والعشرين من يونيو عام 1837م بعد وفاة عمها ويليام الرابع ملك إنجلترا.

(4) يُمكن أن نفترض أن دفع بالمرستون للسلطان تجاه الحرب في أغسطس 1837م، كان مرتبطًا بزيارة الأمير أ. ف. أرلوف إلى لندن في يوليو 1837م. وقد أسفرت زيارة أرلوف عن تسويةٍ نهائية لحادثة السفينة «ويكسن»، التي كادت أن تؤدي إلى وقوع صدام عسكري بين الدولتين. إن الثقة التي بثها أرلوف لدى الوزير الإنجليزي من ناحية أن روسيا راغبة عن الدخول في تعقيدات عسكرية، ربما تكون قد شجَّعت بالمرستون نحو مشروعات أكثر شجاعةً في الشرق الأوسط، موجهة سواء ضد مصالح روسيا أو ضد فرنسا. على أن هناك احتمالًا لتفسيرٍ آخر يستند إلى تقارير ومذكرات مصطفى رشيد، ومفاده أن بالمرستون كان يخشى إمكانية قيام تحالفٍ فرنسي روسي موجَّه سواء ضد الإمبراطورية العثمانية أو ضد إنجلترا.

 

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد