

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين


اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة


العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات


الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور


العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون


احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام


مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة


التاريخ الاسلامي


السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام


الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان


علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)


الدولة الاموية

الدولة الاموية *


الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد


الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية


الدولة العباسية

الدولة العباسية *


خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل


خلفاء بني العباس المرحلة الثانية


عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله


عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله


عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية


التاريخ الحديث والمعاصر


التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا


تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر
سياسة فرسينيه مرة أخرى
المؤلف:
محمد فؤاد شكري
المصدر:
مصر والسودان تاريخ وحدة وادي النيل السياسية في القرن التاسع عشر (1820 ــ 1899)
الجزء والصفحة:
ص 191 ــ 200
2026-04-05
45
المظاهرة البحرية «تعليمات فرسينيه في 12 مايو 1882م»
نشأ عن الحوادث التي ذكرناها «الحالة الفعلية الموجبة للتدخل» التي لم تكن قائمة وقت إرسال فرنسا وإنجلترا لذلك المنشور الدوري بتاريخ 12 فبراير 1882م إلى الحكومات الأوروبية، ومن هذا الحين بدأ «التدخل» في مرحلته «الفعلية»، والذي جرى بصورة أفضت إلى انفراد إنجلترا باحتلال مصر.
فقد كان من رأي فرسينيه أثناء أزمة المؤامرة الشركسية أن الخديوي توفيق هو المسئول الأول؛ بسبب «ضعفه وتردده» عن كل الاضطرابات التي حدثت في مصر، وصار يخشى أن يصل الحال إلى انتشار الفوضى بها إذا بقي الخديوي توفيق في الحكم، فكتب جرانفيل في 21 أبريل 1882م إلى مالت: أن الفرنسيين يضغطون أو يلحون إلحاحًا شديدًا على حكومته أن توافق على تغيير الخديوي، واستبدال حليم باشا به، وقال جرانفيل إن حكومته عارضت في ذلك معارضة قوية. واعتقد جرانفيل أن الفرنسيين نتيجة لذلك سوف يقلعون عن هذه الفكرة. ثم استمر يقول: ومع ذلك فإن الفرنسيين يقولون إنهم مستعدون للعمل بأي اقتراح نتقدم به. وفي الوقت نفسه قد بعثوا برسالة خاصة ليقولوا إنهم لا يعارضون في قيام مظاهرة بحرية ومجيء قوة من الجنود الإنجليز من الهند إلى مصر.
وتفسر رسالة جرانفيل هذه السبب الذي دعاه للإبراق إلى لورد ليونس في باريس في 11 مايو: أن يبلغ الحكومة الفرنسية رغبة حكومة لندن في إرسال سفينتين حربيتين إلى الإسكندرية لحماية الأوروبيين، وهي البرقية التي سبقت الإشارة إليها، وذكرنا أنها كانت نتيجة لتأزم الموقف في مصر عندما أبرق مالت إلى جرانفيل من القاهرة في 10 مايو يبلغه قطع العلاقات بين الخديوي ووزرائه، ويقول إنه لا يمكن الاعتماد على الضمان الذي أعطاه الوزراء المصريون «العرابيون» لتأمين سلامة الخديوي والأجانب.
وفي 10، 11 مايو وبعد أن أقلع عن فكرة تنحية الخديوي توفيق، وصار مستعدًّا بدلًا من ذلك لاتخاذ أي إجراء لتأييد سلطة هذا الخديوي، ولضمان مصالح الأوروبيين، كان قد قرَّ رأي فرسينيه على أن مسلك الوزارة المصرية (وزارة محمود سامي البارودي) قد صار يهدد بالخطر سلطة الخديوي بدرجة تدعو إلى القيام بإجراء مفاجئ وسريع يقضي على الحركة الثورية في مصر، ويقول فرسينيه في كتاب «المسألة المصرية» إنه قد فاتح في هذه المسألة لورد ليونس الذي فكر كما فكر هو أن مظاهرة بحرية هي الإجراء الملائم جدًّا في الظروف القائمة؛ لأن هذه سوف يترتب عليها تقوية الخديوي من غير حاجة إلى إثارة أحاسيس الدول العظمى، ألمانيا وغيرها، بعد أن كسبت الدولتان (إنجلترا وفرنسا) ثقة هذه الدول نتيجة للمنشور الدوري (12 فبراير 1882م) الذي أُرسل للدول.
وبناءً على ذلك فقد عقدت الوزارة الفرنسية اجتماعًا في قصر الإليزيه (l’Elysée) في 12 مايو حصل فيه الاتفاق على نص التعليمات التي يجب إرسالها — كما قال فرسينيه — إلى السفير الفرنسي الجديد في لندن المسيو تيسو (Tissot) لمفاتحة الحكومة الإنجليزية في أمر هذه المظاهرة البحرية.
أما هذه التعليمات فقد جاء بها ما يأتي:
قرَّر مجلس الوزراء «الفرنسي» في هذا الصباح (12 مايو 1882م) بالإجماع وفوضني في إبلاغكم الإجراءات أو الترتيبات (Combinaisons) التالية التي تحدثت بصددها مع اللورد ليونس، والتي أرجوكم أن تقترحوها فورًا على اللورد جرانفيل:
(1) تبعث كل من فرنسا وإنجلترا بست سفن حربية خفيفة بالدرجة التي تمكنها من دخول ميناء الإسكندرية … وفي وسع ثلاث من سفننا (أي الفرنسية) … أن تكون بالإسكندرية يوم الاثنين (يوم 15 مايو) والثلاث الباقيات يوم الأربعاء (17 مايو) أو الخميس (18 مايو) … وعلاوة على ذلك سوف نبعث (أي فرنسا) بمركب خفيف إلى السويس على المنوال الذي يقترحه اللورد جرانفيل …
(2) تبرق حكومتا باريس ولندن إلى سفيريهما في القسطنطينية لدعوة الباب العالي أن يمتنع في الوقت الحاضر عن كل تدخل (Intervention) أو تعرض (Ingérance) في شئون مصر.
(3) تبرق حكومتا باريس ولندن كذلك إلى سفرائهما لدى الدول الأربع العظمى لإبلاغها بإرسال السفن ولرجائها أن تبعث إلى سفرائها بالقسطنطينية بتعليمات مشابهة لتلك المُرسلة إلى السفيرين الفرنسي والإنجليزي. «راجع بند 2».
(4) تعتقد (أو تسلِّم) الوزارة الفرنسية بأنه في الظروف الفعلية الراهنة، ولأخذها بعين الاعتبار لما فعله توفيق أخيرًا بناءً على نصح فرنسا وإنجلترا «من حيث تعديل الحكم» (والمقصود هنا تعديل حكم المجلس العسكري المعروف) تعتقد الوزارة الفرنسية أن الواجب بمعناه الدقيق يقتضي تأييد الخديوي بكل ما تتحمله أو تستدعيه الظروف. وعلى ذلك فنحن سوف نتعاون بأمانة ودون بطانة (أي نوايا باطنية) مع اللورد جرانفيل في هذا المعنى.
ومما تجب ملاحظته أن «فرسينيه» نفسه قد ذكر تعليقًا على هذه الفقرة الأخيرة: «وعلى ذلك فنحن سوف نتعاون … إلخ» أن هذه العبارة إنما تشير إلى ما كان قد حدث من مفاتحة رسمية من جانبه للورد جرانفيل بشأن عزل توفيق بسبب ما ظهر من عجزه في إدارة شئون الحكم، وهو العجز الذي ذكرنا أن «فرسينيه» يعتبره المصدر الجوهري لكل هذه المتاعب المتجددة، ثم استمر يقول بأن كلًّا من المسيو «تيسو» (Tissot) في لندن، والمسيو «سنكويتش» في مصر قد أشارا بشدة بضرورة اتخاذ هذه الخطوة. ولكن الوزارة الفرنسية لم ترحب بذلك؛ ولهذا فقد وجب عند ساعة العمل أن يحاول «فرسينيه» كما قال إزالة أي شك قد يكون عالقًا في ذهن «جرانفيل» من ناحية نوايا فرنسا.
(5) «ونحن مستمرون على معارضة تدخل تركي، ولكنا لا نُسَمِّي تدخلًا تلك الحالة التي سوف ينشأ عنها وجود القوات التركية في مصر بناءً على دعوة منا لها بذلك، والتي سوف تعمل فيها القوات التركية تحت مراقبتنا لتحقيق غرض وتحت شروط نكون نحن أنفسنا قد حددناها.»
ذلك إذن، كان الحل الوسط الذي ارتآه «فرسينيه» للتوفيق بين رغبة الحكومة الإنجليزية من حيث إشراكه الأتراك في كل إجراء أو مباحثة بشأن التدخل في مصر على نحو ما جاء في الفقرة الأخيرة من منشور 12 فبراير 1882م الدوري، وبين رغبة «فرسينيه» نفسه الذي أراد أن يجمع كما هو ظاهر بين إجازة التدخل لتركيا مع المحافظة على قاعدة جعل هذا التدخل بطريق الإشراف عليه، وتحديد شروطه من حق إنجلترا وفرنسا بالاشتراك فيما بينهما.
وهذا الحل الوسط ينطوي — كما هو واضح — على تناقض مع ما جاء في المنشور (12 فبراير 1882م) الذي يدعو الدول لتبادل الرأي مع إنجلترا وفرنسا بشأن المسألة المصرية، عند «نشوء الحالة» التي تدعو إلى التدخل؛ ومعناه أن يكون للدول صوت في هذا التدخل عند وقوعه، في حين يريد «فرسينيه» الآن منع الدول من المشاركة في هذا التدخل وجعله مقصورًا على إنجلترا وفرنسا وحدهما. ولذلك فإن دَلَّ هذا الحل الوسط الذي ابتدعه «فرسينيه» على شيء فإنما يدل كبرهان آخر على تردد سياسة «فرسينيه» وضعفها، وينبئ بتوقع فشل هذه السياسة من الناحية العملية.
(6) «وعلى ذلك فإنه في حالة ما إذا وجدنا بعد وصول سفننا إلى الإسكندرية أن من المفيد إنزال جنود إلى البر، لا يكون اللجوء في ذلك لا إلى جنود بريطانيين ولا إلى جنود فرنسيين، ولكنا ندعو جنودًا عثمانيين وفق الشروط المُوَضَّحة أعلاه.»
وقد فسَّرَ «فرسينيه» موافقته على إنزال جنود عثمانيين بقوله: «إنه لما كنا غير مخولين بانتداب أوروبي (Mandat) «للعمل الفعلي» لم نشأ إنزال جنود بريطانيين أو فرنسيين حتى لا تتجدد المصاعب التي نشأت بسبب «المذكرة المشتركة في 6 / 7 يناير 1882م» والتي سعينا بكل جهد لإزالتها، وحيث إن الدول لا تعترض على استخدام الجنود العثمانيين. ففي وسعنا ودون محذور اللجوء لاستخدامهم في حالة الضرورة القصوى.»
(7) «تصدر تعليمات لقنصلينا العامين بألَّا يعترفا بغير سلطة توفيق سلطة شرعية؛ وبعدم الدخول في أية علاقات مع أية حكومة أخرى فعلية (Gouvernement de Fait de Facto govert.) إلا من أجل تأمين رعايانا على سلامتهم.»
أبلغ «ليونس» المسيو «فرسينيه» أن حكومته (الإنجليزية) قد وافقت على هذه الترتيبات (Combinaisons)، كما بعث المسيو «تيسو» إليه من لندن بذلك، وأجاب فرسينيه في رده على تيسو في 14 مايو 1882م: «أنه قد وصلته برقية «سفيره» التي تبلغه موافقة الحكومة الإنجليزية على «معروض» الحكومة الفرنسية، وأنه سعيد بهذه النتيجة التي تتوثق بفضلها أواصر الوفاق بين البلدين.»
وتعليمات 12 مايو التي تضمَّنت المقترحات أو الترتيبات (Combinaisons) التي اقترحها فرسينيه على لورد جرانفيل توضح أصول حادث المظاهرة البحرية في مياه الإسكندرية الذي انتهى في ظروف سيأتي ذكرها بانفراد الأسطول الإنجليزي بضرب الإسكندرية ونزول البريطانيين في البلاد واحتلالهم لها.
ولذلك فقد صار لزامًا علينا معرفة المسئول عن هذه المظاهرة البحرية على وجه التحديد؛ فهل كان الإنجليز هم المسئولين؟ أو الفرنسيون؟ حتى إذا أمكن الفصل في هذه المسألة تيسر الانتقال إلى غيرها من المسائل لمحاولة معرفة العوامل الحقيقية التي ساعدت على مجيء الاحتلال البريطاني إلى مصر.
فتعليمات 12 مايو هذه تُبيِّن في وضوح وجلاء أن حكومة المسيو فرسينيه هي صاحبة اقتراح وإجراءات المظاهرة البحرية، وهي التي عرضت كل ذلك على الحكومة الإنجليزية وهي المسئولة عنه. ولقد كان اقتراح المظاهرة البحرية، هو الاقتراح الذي تقدمت به الحكومة الفرنسية في رسالتها الخاصة إلى لندن عندما بدأت تشتد أزمة المؤامرة الشركسية، وذكره جرانفيل في كتابه إلى مالت في 21 أبريل؛ وهو الاقتراح كذلك الذي جعل جرانفيل عند تحرج الأمور في مصر يبرق إلى ليونس أن حكومته تريد إرسال مدرعتين إلى مياه الإسكندرية ولا ترى بأسًا في ذلك من أجل محاربة الأوروبيين، وأما الإجراءات أو الترتيبات التي اقترحتها الوزارة الفرنسية في تعليماتها هذه (في 12 مايو) فكانت متفقة في سياقها مع سياسة فرسينيه نفسه، وواضح إذن أنه ليس صحيحًا أن وزير خارجية إنجلترا لورد جرانفيل هو الذي أفضى بفكرة المظاهرة البحرية، وفي يوم 12 مايو بالذات — على نحو ما تَدَّعي هذه الرواية — قائلًا إن الحاجة صارت ماسَّة إلى القيام بمظاهرة بحرية في مياه الإسكندرية، فصادفت الفكرة قبولًا من الحكومة الفرنسية؛ فذلك ادعاء لا سند له في جملته وتفصيله.
ولم تكن فكرة المظاهرة البحرية في حد ذاتها فكرة أصيلة، فقد كانت هناك سابقة إرسال السفن الحربية الفرنسية والإنجليزية — كما عرفنا — إلى مياه الإسكندرية للقيام بمظاهرة بحرية في أكتوبر 1881م، عندما أرسل الباب العالي البعثة العثمانية (بعثة فؤاد باشا ونظامي باشا) للتحقيق في أسباب العصيان العسكري.
وعلاوة على هذا كله، فمن ناحية السياق التاريخي يتضح أيضًا أن الحكومة الإنجليزية لم تكن هي صاحبة اقتراح المظاهرة البحرية.
فقد وافقت — كما ذكرنا — حكومة غلادستون (ووزير خارجيتها اللورد جرانفيل) على إرسال المذكرة المشتركة (6، 7 يناير 1882م) مجاراة لوزارة «غمبتا» مجاراة «مؤقتة»، حيث توقعت أن تسقط وزارته قريبًا؛ ثم مع «تحفظ» هام هو عدم الارتباط بأسلوب معين في العمل إذا اتضح أن هذا العمل قد صار ضروريًّا مؤملة أن تستطيع بفضل هذا «التحفظ» دعوة تركيا إلى التدخل «عندما يصبح العمل ضروريًّا». ولقد جاء هذا «التحفظ» متفقًا وأغراض السياسة الإنجليزية وقتئذٍ، وقد شرح «جرانفيل» هذه السياسة في كتاب له إلى «مالت» بتاريخ 4 نوفمبر 1881م، وهو الكتاب الذي ذكرنا أنه نفى فيه أن لإنجلترا و«فرنسا» أية أطماع توسعية في مصر، وأعلن أن الوزارة الإنجليزية إنما تريد أن تحتفظ الحكومة المصرية باستقلالها الذي أقرَّته لها الفرمانات، وقال إن الظرف الوحيد الذي يرغم إنجلترا على التخلي عن خطتها هو أن تحدث أو تنشأ في مصر «حالة فوضى».
ولم يكن من رأي الحكومة الإنجليزية إذا نشأت «حالة الفوضى» هذه، أن السبيل لإعادة النظام في مصر يكون باحتلال إنجليزي-فرنسي على نحو ما أراد «غمبتا»، ولكن بتدخل من جانب السلطان العثماني. ولو أن التدخل العثماني كانت تعترضه صعوبات عديدة مبعثها معارضة وزارة «غمبتا» لأي تدخل عثماني معارضة شديدة، واستياء الرأي العام في إنجلترا ذاتها من تركيا خصوصًا من أيام الفظائع البلغارية المشهورة في عام 1876م، وعندما بعث غمبتا في 30 ديسمبر 1881م «بِمُسَوَّدة» المذكرة المشتركة إلى لندن، وافقت عليها الحكومة الإنجليزية للأسباب التي عرفناها و«بالتحفظ» السالف الذكر.
وقد ظهر في الفترة التالية مباشرة عمق الاختلاف بين وجهتَي النظر الإنجليزية والفرنسية؛ ففي 30 يناير 1882م أوضح «جرانفيل» مقصد الحكومة الإنجليزية من «التحفظ» الذي قبلت به المذكرة المشتركة، عندما أبلغ الحكومة الفرنسية — كما عرفنا — أن لندن لا توافق على احتلال إنجليزي، أو احتلال إنجليزي فرنسي لمصر، وأنها ترى كحل نهائي إذا لزم الأمر أن تقوم تركيا نفسها بهذا الاحتلال بوصفها صاحبة السيادة الشرعية على مصر، ثم تزايد الاختلاف بين وجهتَي النظر بصدد «المذكرة المشتركة» بين إنجلترا وفرنسا بمجرد أن ظهرت الآثار التي تركتها هذه المذكرة على الموقف الداخلي في مصر، وعقب إرسالها فورًا، وهي الآثار التي سبق أن ذكرناها، والتي أوجزها «جون مورلي» (John Morley) في كتابه عن «حياة غلادستون»؛ فقال:
لقد كان للمذكرة وقع القنبلة في القاهرة، فلم يكن هناك مَنْ توقع تصريحًا مثل هذا، ولم يكن هناك مَنْ علم بوجود أي سبب يشرح لماذا أُطلقت هذه القنبلة (أو أُرسلت المذكرة)، والشعور الذي تركته هو أن مثل هذه الخطوة الخطيرة في مثل هذا الموضوع الدقيق ما كان يمكن اتخاذها إلا بعد فحص وتقدير للنتائج، ولتحقيق غرض جدي محدد. ولذلك فقد اعتُبر المعنى المقصود من المذكرة أن يزداد دفع السلطان أكثر من ذي قبل إلى الخلف، وأن يغدو الخديوي بصورة أوضح من ذي قبل الألعوبة التي تحركها إنجلترا وفرنسا كيف تشاءان، وأن تجد مصر نفسها مجبرة عاجلًا أو آجلًا وفي صورة أو أخرى على مشاطرة المصير الذي انتهت إليه تونس. ولذلك فقد كانت آثار المذكرة شيطانية أو مؤذية إلى أقصى حد، حيث لقي الخديوي تشجيعًا على المضي في مقاومته لعواطف مجلس النواب، وأحس بالخطر وتنبه له الحزب العسكري والوطني أو الشعبي، وغضب السلطان، وصارت الدول الأوروبية الأخرى منزعجة، وأُثير كل عنصر من عناصر الاضطراب ليعمل بنشاط.
ولكن سقوط وزارة «غمبتا» في 30 يناير 1882م أنهى سياسة التدخل أو سياسة الاحتلال الفرنسي-الإنجليزي حسب ما أراد «غمبتا»، ووافق خلفه في الوزارة «فرسينيه» على نبذ وجهة نظر «غمبتا» القائلة بأن المذكرة المشتركة؛ إنما كانت تستهدف تحت ظروف معينة احتلالًا فرنسيًّا-إنجليزيًّا لمصر، وقبِل «فرسينيه» تفسير الحكومة الإنجليزية وهو أن المذكرة المشتركة لم تكن تستهدف تدخلًا ماديًّا إلا بأن يأتي هذا التدخل على الأقل بناءً على انتداب أو تكليف أوروبي، وعلى أن يكون لتركيا نصيب في هذا التدخل، بوصفها صاحبة السيادة الشرعية على مصر، وقد ضَمَّنت الحكومة الإنجليزية هذا التفسير في المذكرة (Note) التي بعث بها اللورد «جرانفيل» إلى الدول في 6 فبراير 1882م، وهي المذكرة التي عرفنا أن «جرانفيل» اقترح فيها على الدول تبادل الرأي بشأن الحالة في مصر، على أساس أن يستند كل «تدخل مادي» منتظر على عمل متحد أوروبي، وأن يشترك السلطان العثماني في هذا «العمل» بما يتناسب مع «وضعه»، وكان قبول «فرسينيه» لهذا «التفسير» والذي تضمنه كذلك «المنشور الدوري» المعروف بتاريخ 12 فبراير 1882م، كان معنى هذا القبول: الاستعاضة عن فكرة ومبدأ التدخل الإنجليزي الفرنسي بفكرة أو مبدأ الاتحاد الأوروبي في المسألة المصرية.
لقد قبِل «فرسينيه» إذن هذا «المبدأ». ولكن «فرسينيه» عندما قبِل ذلك لم تكن لديه فكرة واضحة عن مدى الشوط الذي عوَّل أن يسير فيه من حيث اتباعه لهذه السياسة العكسية أو المضادة لسياسة سلفه «غمبتا»، أو من حيث استعداده لقبول مبدأ تدخل تركيا في المسألة المصرية، سواء كان هذا التدخل العثماني «مدنيًّا» أو «عسكريًّا»، بوصف أن تركيا منتدبة لهذا التدخل بأحد نوعيه أو بكليهما من قِبَل الدول الأوروبية.
ولقد دلَّ «المنشور الدوري» في 12 فبراير 1882م على أن الدولتين إنجلترا وفرنسا، مع أنهما أشركتا الدول الأخرى في تبادل الرأي معهما، واتفقتا عند نشوء الحالة الموجبة للتدخل على إشراك تركيا في كل مباحثة أو إجراء يُتخذ بصددها (دلَّ هذا المنشور الدوري على أن السياسية الإنجليزية والسياسة الفرنسية قد تلاقتا في نقطة هامة هي: ضرورة استمرار التعاون بين الحكومتين من حيث جعل حق المبادأة في العمل في المسألة المصرية في أيديهما).
ولكن القاعدة التي قام عليها «المنشور الدوري» من حيث أن تصبح المسألة المصرية مسألة دولية، كان لها أثر ظاهر على موقف سائر الدول، خصوصًا ألمانيا.
فقد كان من سياسة بسمارك أن تستمر الصلات الودية (أو الوفاق) بين إنجلترا وفرنسا كجزء من الخطة العامة التي تهدف في رأيه إلى المحافظة على السلام في أوروبا، وإلى عزلة روسيا، ولكن كان من رأيه كذلك أن هذه الصلات الودية بين فرنسا وإنجلترا أثناء وزارة «غمبتا» قد اتخذت طابعًا خاصًّا، على الأقل في ذهن «غمبتا». ولذلك فقد صار «بسمارك» يرجو أن يكون «فرسينيه» «أوروبيًّا» في وجهة نظره أكثر من سلفه «غمبتا»، ورَحَّبَ بسمارك بفكرة الاتحاد الأوروبي في المسألة المصرية، وصار مستعدًّا لمؤازرة مساعي الدولتين إنجلترا وفرنسا في إيجاد حل لهذه المسألة. على أن تكون مؤازرته لهما مؤازرة «أدبية» فحسب؛ وعلى أن يجري حل المسألة المصرية بالطرق السلمية فقط، ورفض بسمارك أن تشترك ألمانيا في أي تدخل مسلح في مصر إذا نشأ «الظرف» الذي يوجب هذا التدخل المسلح.
واعتقد بسمارك أن لفرنسا أطماعًا في مصر، وحتى يتمكن من تعطيل هذه الأطماع عوَّل بسمارك على إسداء معونته (الأدبية) للباب العالي صاحب السيادة الشرعية على مصر في حالة إذا ما اقتضت الضرورة أن يحدث احتلال «خارجي» للبلاد، وأن يُؤَيِّد الباب العالي — إذا احتل العثمانيون مصر — ولكن تأييدًا أدبيًّا كذلك.
وكان من رأي بسمارك أن إنجلترا بتآزرها مع «غمبتا» على أمل أن تتوثق بفضل هذه المؤازرة صلاتها مع فرنسا، إلى جانب أنها مهتمة بتوثيق صلاتها مع روسيا؛ إنما كانت تسير في سياسة بعيدة عن الحكمة والصواب، أو سياسة «مضادة للعقل» (Absurd)؛ لأن مصالح الإنجليز في الليفانت تختلف اختلافًا جوهريًّا عن مصالح فرنسا وروسيا، ولا مفر من أن يقوم النزاع عاجلًا أو آجلًا بين فرنسا وإنجلترا في المسألة المصرية. ثم إن بسمارك فضلًا عن ذلك لم يكن يثق في نجاح «الاتحاد الأوروبي» في هذه المسألة كقوة أو أداة تنفيذية. بل كان يرى أن يعهد بالعمل والتنفيذ إلى دولة معينة. ومن الواضح أنه يؤثر أن تكون تركيا هي هذه الدولة التي يجب أن تعطي الفرصة الأولى للتدخل بحكم ما لها من علاقات مع مصر نظمتها المعاهدات الدولية والفرمانات. ومع أنه في وقت ما (في صيف 1878م) كان يفضل أن تكون إنجلترا هي المسيطرة على مصر في النهاية، فقد تطورت بين شهري فبراير ومايو 1882م في ذهن بسمارك الفكرة التي استند عليها الحل الذي ارتآه للمسألة المصرية؛ وذلك بأن يتدخل السلطان العثماني في مصر بوصفه «منتدبًا» من قبل الدول، وبأن تقوم إنجلترا في آخر الأمر بدور الذي «يحتفظ» بهذه البلاد للسلطان العثماني؛ أي أن تحتلها، وعلى غرار ما يفعله المرء إذا «استأجر» بيتًا من صاحبه.
هذه الآراء هي التي تُفَسِّر لنا السبب في موافقة بسمارك على «مذكرة» اللورد «جرانفيل» التي بعث بها إلى الدول بتاريخ 6 فبراير 1882م. ولكن الذي يعنينا مباشرة من هذه الآراء (أو السياسة) أن بسمارك كان يتوقع حدوث «فعل مادي» (Material action)، أو «احتلال» كضرورة سوف تصبح أمرًا محتمًا قبل مضيِّ زمن طويل، وذلك ما كان يتوقعه «جرانفيل» أيضًا؛ الذي أراد لهذا السبب نفسه أن يجيء التدخل عن طريق «اتحاد أوروبي» وأن يقع على يد تركيا، وهي منتدبة من قبل هذا الاتحاد الأوروبي؛ وعلى هذا الأساس صار إرسال «المنشور الدوري» بتاريخ 12 فبراير 1882م إلى الدول.
وأما الموقف وقت إرسال «المنشور الدوري» فيمكن تلخيصه في أن تدخلًا تركيًّا عسكريًّا صريحًا ما كان يمكن أن يقبله «فرسينيه» بحالٍ من الأحوال، وأن تدخلًا فرنسيًّا إنجليزيًّا مشتركًا كان يلقى معارضة من بسمارك، ويرفضه «جرانفيل»؛ وأن تدخلًا بريطانيًّا منفردًا كان لا يقبله «غلادستون» وفريق من وزرائه، ومن بينهم «جرانفيل»؛ وأن الحكومة الفرنسية علاوة على هذا كله لم يكن قد استقر رأيها على خطة معينة اللهم إذا استثنينا «السلبية» العامة، ثم انتهى الأمر بأن قبِل «فرسينيه» مبدأ احتلال عثماني تحت ضمانات وتحت مراقبة أوروبية. ولقد دارت مفاوضات طويلة حول هذه «الضمانات»، وظل «فرسينيه» مترددًا: لا يجرؤ على قبول اشتراك فرنسا في «عمل مادي»، ولا يجرؤ كذلك على قبول تدخل تركيا مدنيًّا أو عسكريًّا في مصر.
وكان مبعث هذا التردد خوف «فرسينيه» من أن ينتهز «بسمارك» — إذا حدثت الأزمة ونشأ الظرف الموجب للتدخل — فرصة انشغال إنجلترا وفرنسا بتسوية هذه الأزمة فيطلب من تركيا أن تبادر هي باحتلال مصر، وأن يعدها بمؤازرة ألمانيا لها والنمسا وروسيا وربما إيطاليا، المؤازرة «الأدبية» التي كان مستعدًّا لإسدائها في المسألة المصرية، ولا جدال أن «فرسينيه» كان مخطئًا عندما وهم ذلك؛ لأن الهدف الذي اجتهد بسمارك لتحقيقه (وقتئذٍ) كان إيجاد الموقف الذي يجعل بريطانيا تتدخل في النهاية منفردة لاحتلال مصر بوصفها «المحتفظ» بهذه البلاد للباب العالي أو «المستأجر» لها؛ وذلك لموازنة الاحتلال الفرنسي في تونس، باحتلال بريطاني في مصر، وحتى يتسنَّى انصراف إنجلترا وفرنسا بسبب مشاغلهما الاستعمارية في أفريقيا عن الميدان الأوروبي فتتمكن ألمانيا لذلك من إحراز التفوق السياسي في أوروبا.
ولكن بمجرد أن أكد السفير الفرنسي في برلين المسيو دي كورسيل (Courcel) لحكومته أن السياسة الألمانية هي تأييد أي عمل تتفق عليه إنجلترا وفرنسا، اطمأن «فرسينيه» من جانب ألمانيا، وبادرت وزارته بالموافقة على «الترتيبات» التي تضمَّنتها تعليماته إلى سفيره بلندن المسيو «تيسو» في 12 مايو 1882م، بشأن «المظاهرة البحرية». وفي هذه التعليمات — وكجزء من الترتيبات — أبدى «فرسينيه» استعداده لدعوة السلطان إلى إرسال جنود عثمانيين لاحتلال مصر، بوصفه «منتدبًا» من قِبَل «اتحاد أوروبي» بهذا العمل؛ ولو أن «فرسينيه» أراد أن يكون لفرنسا وإنجلترا الإشراف على هذا التدخل العثماني.
ذلك إذن هو السياق التاريخي، لسياسة وزارة «فرسينيه»، والتي أفضت إلى وضع «الترتيبات» التي تضمَّنتها تعليمات هذه الحكومة الفرنسية إلى سفيرها «تيسو» في لندن في 12 مايو 1882م بصدد المظاهرة البحرية.
الاكثر قراءة في الاحتلال العثماني للوطن العربي
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)