وبلغ أوكتافيانوس ما في نفسه في آب السنة 30ق.م.، فأمر بدفن كليوبترة إلى جانب أنطونيوس في الإسكندرية، وأقام لجاريتيها تمثالين أمام ضريح سيدتهما، اعترافًا بشجاعتهما وأمانتهما، وقبلت أوكتافية أبناء كليوبترة الثلاثة وربتهم في بيتها، ثم انقطع خبر الصبيين واندثر أثرهما، وما القول بأن زينب الزباء تحدرت من أحدهما إلا حديث خرافة، أما أختهما، فإنها تزوجت من «يوبة Juba» الثاني ملك موريتانية في أفريقية، وأنشأت إسكندرية جديدة على شاطئ مراكش، ولكن غايوس قتل ابنها بطليموس، فانقطعت بموته سلالة البطالسة، وشُطب اسم أنطونيوس من تقويم الأيام الرومانية Fasti، وقُلبت تماثيله، ونُقضت القرارات التي اتخذت في المدن لتكريمه، وحرَّم السناتوس الجمع بين الاسمين: مركوس وأنطونيوس. وأشهر أحفاده الذين تحدروا منه بزواجه من أوكتافية شقيقة أوكتافيانوس الإمبراطوران غايوس ونيرون.
وعزا أوكتافيانوس انتصاره في أكتيوم إلى الإله أبولون، فوسَّع هيكله فيها، وجعل الاحتفال بعيده فيها خماسيًّا مساويًا في الأهمية للاحتفال بأعياد زفس في أوليمبوس، وكرَّس أوكتافيانوس لأبولون في أكتيوم مقدمات عشر من السفن التي أسَرَ وأحْرَقَ في الموقعة ضد أنطونيوس وكليوبترة، وبينها مقدم سفينة أنطونيوس نفسه. وأنشأ على شاطئ خليج أمبراكية الشمالي وبالقرب من المكان الذي أقام فيه معسكره في موقعة أكتيوم مدينة جديدة، أسماها «مدينة النصر Nicopolis»، وجعلها عاصمة معظم مدن أكرنانية وأبيروس. وظهر في مسكوكاته صنوًا للأنتيغونيين الذين قهروا البطالسة، فحمل بعضها رسم نبتون يطأ الكرة بإحدى قدميه، وزين تمثال النصر الواقف على مقدمة مركب أنتيغونوس غوناتاس بعض هذه المسكوكات، والإشارة هنا إلى انتصار أنتيغونوس غوناتاس على بطليموس الثاني في السنة 258 في موقعة سموثراقية البحرية (1).
وجعل أوكتافيانوس مصر ولاية رومانية وربطها بشخصه، ونظم أمورها تنظيمًا خصوصيًّا، كما ...، وكان قد ثبت هيرودوس في الحكم على فلسطين ما عدا عسقلان، فأعاد لمدن الساحل الفينيقي سابق حرياتها، وخصَّ بيروت بعطفه لقيامها في وجه كليوبترة، فوسع سلطتها، وضرب عُنق ألكسندروس أمير حمص؛ لأنه كان قد دسَّ على أخيه يمبليخوس لدى أنطونيوس فسبب قتله، وحرر خلقيس البقاع (مجدل عنجر)، وكافأ ليسنياس أميرها بعد وفاته بأن جعل ابنه «زينودوروس Zenodorus» حاكمًا على «أبيلة Abila» (وادي بردي). ولم يتدخل أوكتافيانوس في شئون البلدان وراء الفرات، ولم يثأر للرومانيين الذين ذُبحوا في أرمينية، ولكنه أبقى أخوة «أرتاكسس Artaxes» ملك أرمينية رهائن لديه. ومع أنه قبل تيريداتس لاجئًا في سورية في السنة 30، فإنه لم يقدم له ما طلب من معونة، واستقبل رسل «فراتس Phrates» استقبالًا ودِّيًّا (2).
وبذل معظم أمراء آسية الصغرى الطاعة لأوكتافيانوس قبيل انتصاره، ونزلوا على حكمه، فثبتهم فيما كانوا عليه، وكان قد أصرَّ «تركونديموتوس Tarcondimotus» أمير الأمانوس على الإباء، وقُتل محاربًا في سبيل أنطونيوس، فخلع أوكتافيانوس ابنه «فيلوباتور Philopator» وضم الأمانوس إلى قيليقية. وعطف أوكتافيانوس عطفًا خصوصيًّا على «أمينتاس Amyntas» ملك غلاطية، الذي انحاز إلى جانبه قبيل موقعة أكتيوم، وقدم خدمات كثيرة، فكأفأه أوكتافيانوس بإلحاق أسورية وقيليقية «تراخية Tracheia» وزربة ولارندة إلى حكمه، وظل عاطفًا عليه حتى وفاته في السنة 25، أما أرخيلاووس ملك قبذوقية، فإنه ظل على ما كان عليه، ولا نعلم كيف تمكن «بوليمو Polemo» ملك البونط من استمالة أوكتافيانوس (3).
ونالت كل من «لبَّة Lappa» و«كيدونية Cydonia» حريتهما في جزيرة كريت، وكانتا قد أيدتاه قبل أكتيوم. أما أسبارتة حليفة أوكتافيانوس الوحيدة في بلاد اليونان، فإنها توسعت توسعًا ملموسًا، وسيطرت على الألعاب الأكتية، وأمسى سيدها «إفريكلس Eurycles» الذي حارب إلى جانب أوكتافيانوس نافذ الكلمة، مستبدًّا في المورة وفي خارجها أيضًا.
............................................
(1) STUDNICZKA, F., Jahrbuch des Deutsch. Arch. Instituts, 1923, 125; TARN, W.W., Journ. Rom. Stud., 1931, 179 ff.
(2) ABEL, F.M., Hist. de la Palestine, (1952) , I, 347–357; TARN and CHARLESWORTH, op. cit., X, 114-115.
(3) ABEL, F.M., Hist. de la Palestine, (1952) , I, 347–357; TARN and CHARLESWORTH, op. cit., X, 114-115.