وتخشَّنت الصدور، ودمنت القلوب، وقربت نهاية المدة الثانية لحكم الثلاثة، فتخشى الناس انتهاء السنة 33، وهالهم صباح الحادي والثلاثين من كانون الأول، لا يدرون ما يهجم عليهم منه. وفي خريف السنة 33 لجأ الطرفان إلى الدعاية، وسخَّرا لها الألسنة والأقلام. فنظم «كاسيوس البرمي Cassius Parmenensis» قصيدة قدح فيها بأصل أوكتافيانوس، فقال: إن والده عجنه من طحين أريكي، مشيرًا بذلك إلى أن أمه جاءت من «أريكة Aricia» من سلالة طحان وضيع. وكتب أنطونيوس نفسه إلى أوكتافيانوس يقول: «وما الذي يبعدك عني؟! هل هو نومي مع الملكة؟! وأي جديد ترى في هذا، وقد بدأته منذ تسع سنوات؟ وماذا نقول عنك؛ هل تنام مع «دروسلة Drusilla» فقط؟ إني أتمنى لك الخير كل الخير إذا كنت — لدى اطلاعك على هذه الرسالة — بعيدًا عن «ترتولة Tertulla» و«ترنتلة Tarentilla» و«روفيلة Rufilla» و«سلوية Salvia». وأقبح ما جاء في تهجم أنطونيوس إشارته إلى علاقة أوكتافيانوس غير المشروعة مع خاله الأكبر يوليوس، وإلى أن هذه العلاقة الجنسية كانت سبب عطف يوليوس عليه واتخاذه ابنًا له (1)، ومما جاء في هذه المهاترات التي سبقت حلول العاصفة، أن مناشير الدعاية والرسائل المغفلة لم تخلُ من الإشارة إلى جبن أوكتافيانوس وخرَعه في الحروب، وأن ليس وراءه إلا الفشل والخَوَر، ومما ذُكر من هذا القبيل، أنه كان لا يزال مستغرقًا في النوم حين بدأ الهجوم في فيليبي، وأنه حُمل حملًا إلى ميدان القتال، فكانت عيناه شاخصتين إلى السماء لا تجرؤان على النظر إلى الأعداء (2).
ولم يحجب أوكتافيانوس فضله عن أنطونيوس، فإنه ردَّ الكيل كيلين، وجعل العيب عيبين، وكتب له مباشرة بذلك، وأوعز إلى رجاله بالتقريع، فأوجعوا أنطونيوس لومًا، وأعد «غايوس أوبيوس Oppius» رسالة خصوصية في علاقة قيصريون بقصير، وكتب «مركوس فلاريوس ميسَّالا Messala» كتابًا في نفائس الفن والمخطوطات، التي جمعها أنطونيوس من بلدان الشرق ليهبها إلى خليلته المصرية de Antoni Statuis. ومما جاء في هذا الكتاب، أن أنطونيوس أرسل من برغامة إلى الإسكندرية أكثر من مائتي ألف درج من المخطوطات، واشتد اللوم والتقريع والتوبيخ، فاضطر أنطونيوس نفسه أن يعد رسالة يبحث فيها إدمانه على المسكر؛ ليرد على اللائمين (3).
ولم يكتفِ أوكتافيانوس بما تقدم، بل إنه رفع النزاع بينه وبين أنطونيوس إلى مستوى سياسي عالٍ، فأشار إلى زواج مناظره من ملكة هلينية شرقية، وإلى صيرورته ديونيسوسًا جديدًا، واتهمه بالطمع في ملك إلهي هليني، وأيد هذا الاتهام بذكر ما أضافه أنطونيوس إلى أملاك كليوبترة وأولادها على حساب رومة، ورماه بالخيانة، فقال: إن أنطونيوس لم يعد رومانيًّا، بل أمسى بخضوعه إلى كليوبترة عدوًّا مميتًا يهدد كيان رومة. وكان الشعب الروماني قد عرف كليوبترة في أثناء إقامتها في رومة في عهد قيصر، ولم يرضَ عن سلوكها. فلما هجر أنطونيوس أوكتافية النبيلة المحترمة ليلتصق بكليوبترة، بدأ الشعب يقارن بين الاثنتين، ويحتقر هذه ويعظم تلك، فرأى أوكتافيانوس أن يستغل هذا الشعور، وأن يجعل نزاعه حربًا دفاعية في سبيل المحافظة على الكيان الروماني ضد مطامع كليوبترة وخليلها أنطونيوس (4).
......................................................
(1) SUETONIUS, Aug., 28; DIO CASS., 50:1; PLUTARCH, Ant.
(2) TRAN, W.W. and CHARLESWORTH, M.P., War of East against West, Cam. Anc. Hist., X, 90–98; VOLKMANN, H., op. cit., 155-156; CHARLESWORTH, M.P., Propaganda of Mark Antony, Class. Quart., 1933, 172–177.
(3) SCOTT, K., Octavian’s Propaganda and Antony’s “de sua ebrietate”, Class. Phil., 1929, 133; TRAN and CHARLESWORTH, op. cit., 92.
(4) VOLKMANN, H., op. cit., 157-158.