
سلالم الحصار البحري.
وكانت قوات أنطونيوس قد قامت إلى الشاطئ الأيوني عند مدخل الأدرياتيك في أيلول السنة 32، فرابط ستون أو سبعون ألفًا من المشاة والفرسان في ساحل أبيروس والمورة، وكان معظمهم من الرومانيين أو الإيطاليين، وتجول في مياه البحر الأيوني من جزيرة كفلونية حتى جزيرة كورفو حوالي خمسمائة سفينة حربية. وكان أنطونيوس قد اتخذ من مدينة بتراس عند مدخل خليج كورنثوس مقرًّا له، وجعل خليج «أمبراكية Ambracia» قاعدة للأسطول، وكانت مدينة «أكتيوم Actium» تحرس مدخل هذا الخليج من الجنوب، ولكن أسبارطة كانت قد أيدت أوكتافيانوس، ردًّا على قساوة أنطونيوس في معاملة ملكها السابق، وكذلك لبَّة وكيدونية في جزيرة كريت(1)، وكانت بيروت أيضًا قد ثارت على كليوبترة في شتاء السنة 32-31، وعادت إلى سك العملة المدينية البيروتية (2)، وكان ما كان من أمر وجود كليوبترة في المعسكر كما سبق وأشرنا، ومن تشعب الآراء واضطراب الحبل، فتثاقل أنطونيوس واحتار في أمره، فلم يبدأ بالهجوم، بل بقي منتظرًا قدوم خصمه، ولعله كان واثقًا من مقدرته في المناورة والقتال، وتفوقه في ذلك على أوكتافيانوس، فبات ينتظر وصول خصمه، معللًا نفسه أنه سينتصر في أية معركة برية مهما تنوعت ظروفها.
وحشد أوكتافيانوس ثمانين ألفًا من المشاة، واثني عشر ألفًا من الخيالة، وأربعمائة سفينة حربية، بينها البوارج الثقيلة التي خاضت معارك صقلية، والسفن الصغيرة الخفيفة السريعة المناورة والمناوشة، وتولى أغريبة قيادة الأسطول، فاتجه جنوبًا، وفاجأ بوغود الأفريقي في مرفأ «ميثوني Methone» في أقصى المورة، فقتله واستولى على المرفأ، فهدد تموين أنطونيوس بقطع مواصلاته مع مصر، وأوهمه أن الهجوم المنتظر سيهدف إلى اكتساح الميسرة واحتلال المورة. وفي خلال ذلك، انقض أوكتافيانوس على الميمنة ونزل في أبيروس، وأسرع منها جنوبًا إلى خليج أمبراكية قاعدة الأسطول المصري الأنطوني، واحتل شاطئه الشمالي وحصَّن مراكزه فيه. ثم قضى أغريبة على وحدات بحرية مصرية أخرى، وجاء يحصر أسطول الخصم في قاعدته في خليج أمبراكية نفسه.

أوكتافيانوس (متحف مونيخ).

أغريبة يمين أوكتافيانوس ودماغه المفكر.
وهبَّ أنطونيوس يمنع هذا الحصار البري البحري، فأنفذ قوة من الخيالة إلى معسكر أوكتافيانوس؛ لتقطع عنه مياه الشرب، فاندحرت وانحاز بعضها إلى أوكتافيانوس، وكان بين الذين انحازوا أميران من أمراء تراقية وبفلغونية. فقال أوكتافيانوس قوله المأثور: «إني أحب الخيانة، ولكني لا أحب الخائنين.» وأعاد أنطونيوس الكرة فرُدَّ على أعقابه، وانحاز أمينتاس بخيالته الغلط الألفين إلى معسكر أوكتافيانوس (3)، وأيقن أنطونيوس أن لا فائدة تُرتجى من هجوم ثالث، فأمسى هو وجيشه في حالة حصار؛ لأن أغريبة كان قد نجح في قطع المدد البحري الآتي من مصر أو المورة، واضطر أنطونيوس أن يستقدم الطعام على ظهور الرجال. وكان جد بلوتارخوس المؤرخ الشهير أحد هؤلاء الذين أُكرهوا على حمل الطعام على ظهورهم عبر التلال من الشرق إلى معسكر أنطونيوس. فوهنت عزائم الرجال، وثقلت همتهم، وشرع الضباط والأمراء ينسحبون الواحد تلو الآخر؛ ليلتحقوا بمعسكر أوكتافيانوس. وحاول أنطونيوس أن يحول دون ذلك بالقساوة، فأمر بيملبيلخوس أمير حمص العربي، وبأحد أعضاء السناتوس فأُعدما، فأدت هذه القساوة إلى تعدد حوادث الفرار لا إلى إيقافها. وفرَّ في هذه الآونة دوميتيوس — على الرغم من مرضه — ولجأ إلى أوكتافيانوس، وتبعه «دليوس Dellius».
فدعا أنطونيوس إلى مجلس حربي، فرأى كنيديوس أن يُستَغنى عن الأسطول، وأن ينسحب الجيش بكامله إلى مكدونية ويقاوم فيها. أما كليوبترة، فإنها استمسكت بالأسطول، ووافقها أنطونيوس على ذلك، فعبأ أسطوله بنصف قوته البرية، أي بحوالي خمسة وثلاثين ألفًا، واستعد لكسر الحصار البحري بالقوة والإفلات من خليج أمبراكية والذهاب إلى مصر. وفي الثاني من أيلول، خرج إلى البحر الأيوني ينفذ خطته، فنجا ببعض سفنه ورجاله وخسر الباقي، ففاز أوكتافيانوس بثلاثمائة بارجة، فأحرق معظمها وزين بمقدماتها البرونزية الأثر التذكاري الذي أقامه في معسكره عند مدخل الخليج، وجانبًا من الهيكل الذي شيد ليوليوس في رومة. وحاول كنيديوس أن ينهض بمن بقي من الجنود إلى مقدونية فلم يفلح ففرَّ إلى مصر، واستسلم الجنود بعد مفاوضة دامت سبعة أيام، فحيَّا الجنود جميعهم أوكتافيانوس إمبراطورًا للمرة السادسة (4).
....................................................
(1) DIO CASS., 51:5, 6.
(2) KAHRSTEDT, U., Klio, 1910, 277.
(3) HORACE, Epode, IX, 17-18; SERVIUS, Aen, VI, 612.
(4) DIO CASS., 51:1–9; SUETENIUS, Aug., 17; PLUTARCH, Ant., 68–72; TARN and CHARLESWORTH, op. cit., X, 100–106; VOLKMANN, H., op. cit., 176–188; KROMAYER, J., Aktium, cin Epilog, Hermes, 1933, 361–383; RICE HOLMES, T., Architect of Rom. Emp., I, 253–260; TARN, W.W., Battle of Actium, Journ. Rom. Stud., 1931, 173–199; RICHARDSON, G.W., ibid., 1937, 153–164.