دور القضاء في حماية الاستثمار:
يساهم القضاء من خلال حماية الاستثمار في التوفيق بين المصالح المشروعة للمستثمرين وحاجة المستثمر الأجنبي للضمان ومصالح الدول المستقطبة للاستثمار وحاجتها إلى رأس المال الأجنبي.
ويتبين دوره إلى جانب تعهده مباشرة في النزاعات قصد تسويتها ورقابة أحكام المحكمين في تسليط جزاء مدني على من يخرق الاتفاقات (الفقرة الأولى) ويتجاوزه أحياناً لتسليط عقوبات جزائية (الفقرة الثانية).
تفعيل الدور الجنائي على الصعيد المدني
يبرز دور القاضي في المسائل ذات الصبغة المدنية والتجارية المتعقلة بالاستثمار - عند نظره في النزاعات القائمة بين المستثمر الأجنبي والدولة التونسية، وعند نظره في النزاعات القائمة بين المستثمرين عامة سواء كانوا أجانب أو تونسيين.
1- البت في النزاعات القائمة بين المستثمر الأجنبي والدولة التونسية
نص المشرع على هذا الدور الفصل 67 من مجلة التشجيع على الاستثمارات قولاً " تختص المحاكم التونسية بالنظر في كل خلاف يطرأ بين المستثمر الأجنبي والدولة التونسية إلا في حالة اتفاق ينص عليه شرط التحكيم أو يخول لأحد الطرفين اللجوء إلى التحكيم عن طريق إجراءات تحكيم خاصة أو تطبيقاً للإجراءات الصالحية أو التحكيمية المنصوص عليها بإحدى الاتفاقيات التالية ...".
أخذ المشرع التونسي في هذا النص بمبدأ اختصاص المحاكم التونسية للنظر في النزاعات التي تنشأ بين الدولة التونسية والمستثمر الأجنبي نظراً للثقة التي يوليها لقضائه الوطني، غير أنه اقر له عدة استثناءات أفرغته من محتواه خاصة عند اشتراط المستثمر اللجوء إلى التحكيم كآلية لفض النزاعات التي تنشأ بينه وبين الدولة المستقبلة سواء كان تحكيماً مؤسساتياً أو تحكيماً حراً لما يتسم به التحكيم من سرعة في فصل النزاعات.
لكن يبقى دور القاضي هاماً في مراقبة القرارات التحكيمية الداخلية أو الدولية والإشراف على سير إجراءات التحكيم والنظر في تنفيذ تلك القرارات.
فالقاضي وفقاً لما سبق بيانه له سلطة إبطال القرارات التحكيمية في صورة وجود عقد تحكيمي غير صحيح، أو مخالفة تشكيل المحكمة التحكيمية، أو عدم التقيد بالمهمة الموكولة للمحكمين، أو عدم احترام قاعدة المواجهة أمام المحكمة وحق الدفاع، أو كان الحكم التحكيمي مخالفاً للنظام العام في مفهومه الدولي وهو ما كرسه الفصل 78 من مجلة التحكيم.
2- فض النزاعات القائمة بين المستثمرين عامة
عهد المشرع التونسي للقاضي سلطة فض النزاعات التي تنشئ بين المستثمرين والمستقبلين، فقد عهد للقضاء مهمة مراقبة إجراءات تكوين الشركات التجارية وتسييرها (سواء كانت شركات استثمار أو غيرها) نظراً لما تحتله الشركات التجارية من أهمية داخل في النسيج الاقتصادي باعتبارها أهم وسيلة للاستثمار. ولذلك خصه بمهمة تصحيح تكوين الشركة وإصلاح الوضعية الباطلة La régularisation de la nullite » وفقاً لمقتضيات الفصل 17 من مجلة الشركات التجارية حتى تتمتع هذه الذات بوجود شرعي داخل الدورة الاقتصادية، فللقاضي سلطة تقويم العقود والاتفاقات وإخراجها من العدم إلى الوجود بتسوية بعض الوضعيات المنصوص عليها بأحكام المجلة. كما أنه في صورة الإخلال بالقواعد المنظمة للشركات ذات المسؤولية المحدودة فإنه يمكن للقاضي المختص أن يمنح أجلاً إضافياً لتمكين الشركاء من تلافي الخلل. ويعد الفصل 107 من مجلة الشركات التجارية القاعدة العامة لتصحيح قيام الشركة ذات المسؤولية المحدودة، فيزول كل بطلان بزوال سببه وتنقرض دعوى البطلان بانتفاء سببه، إلا إذا كان البطلان مؤسساً على عدم مشروعية موضوع الشركة.
ونظراً لتطور مفهوم الشركة فإن المشرع مكن القاضي من مراقبة إجراءات تسيير الشركات التجارية وعياً منه بان القاضي في كثير من الأحيان مطالب بإعطاء رأي اقتصادي بحت حول إمكانية إنقاذ الشركة والحكم باستمرارها أو بتفليسها.
يبرز هنا الدور الفعال للقاضي في إخراج مؤسسات الاستثمار من وضعية التعثر إلى وضعية الاستقرار "وهي العلاقة الجدلية بين القاضي والحدث الاقتصادي" التي دفعت الأستاذ ميشال كبرياك إلى القول بتطور العلاقات بين القاضي التجاري والحدث الاقتصادي.
وهكذا يتضح أن دور القاضي في إنفاذ الاتفاقيات الدولية ينبني على نخاعة الحلول التي يتخذها لحل المشاكل والنزاعات التي تعوق السير العادي والطبيعي للنشاط الاستثماري ومدى قابليتها للتجسيم وقد ذهب بعض الشرح (1) إلى اعتبار رجل القضاء مراقباً تفرضه صفته كممثل للدولة أو مبعوث لها أمام ما تكتسبه الشركة من قيمة اقتصادية.
كما لم يكتف المشرع بتعهد القاضي بمهمة مراقبة تكوين وسير الشركات التجارية بل منحه دوراً عاجلاً متمثلاً في اتخاذ التدابير اللازمة في صورة مرور المؤسسة بصعوبات اقتصادية وذلك من خلال إعداد برنامج إنقاذها طبقا لقانون 17 ابريل 1995 (2) حول إنقاذ المؤسسات التي تمر بصعوبات اقتصادية سواء بالمصادقة على مواصلة المؤسسة لنشاطها بنفسها، أو كرائها، أو إحالتها للغير في إطار وكالة حرة أو إحالتها للغير قصد محاولة إنقاذ وإعادة إدماجها في الدورة الاقتصادية خدمة وتشجيعا للاستثمار. وإلى جانب الدور العلاجي للقضاء في حماية الاستثمار من خلال تدخله على الصعيد المدني، فقد مكنه المشرّع من عديد الصلاحيات عند نظره في المسائل ذات الصبغة الجزائية والمتعقلة بالاستثمار.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ عبد الله الهلالي، دور القاضي في الشركات التجارية، مداخلة ألقيت بمناسبة الملتقى الدولي الذي نظم حول مجلة الشركات التجارية يومي 5 و6 أبريل 2000، مركز الدراسات القانونية والقضائية.
2ـ هو القانون عدد 35 لسنة 1995 المؤرخ في 17 ابريل 1995 المنقح بالقانون عدد 63 لسنة 1999 مؤرخ في 15 جويلية 1999 ثم بالقانون عدد 79 لسنة 2003 مؤرخ في 29 ديسمبر 2003 يتعلق بإنقاذ المؤسسات التي تمر بصعوبات اقتصادية.