تفعيل مبدأ الطعن
يختلف تفعيل المبدأ بحسب طبيعة التحكيم إن كان داخليا أو دولياً (1)
أ- الطعن في القرارات الصادرة في التحكيم الداخلي:
يمكن التمييز في هذا الشأن بين عدة اتجاهات في التشريعات العربية المقارنة:
1- في تونس
أخذ المشرع بمبدأ عدم قابلية القرار التحكيمي للاستئناف ما لم تنص اتفاقية التحكيم على خلاف ذلك صراحة (الفقرة 2) من المادة 39 من مجلة التحكيم التونسية لعام (1993). واستبعد الطعن بالإبطال ضد قرارات التحكيم القابلة للاستئناف (المادة 40 من هذه المجلة. ولكنه أجاز الطعن في أحكام هيئة التحكيم بطريق اعتراض الغير وفق المادة 41 ويرمي بذلك إلى تحقيق العدل وتكريس حق الدفاع حتى لا يضار إنسان من حكم لم يبد فيه دفعوه.
كما أجاز للخصوم طلب إبطال حكم هيئة التحكيم الصادر نهائياً ولو اتفقوا على خلاف ذلك في الحالات المشار إليها في المادة 42 من الباب الثاني المتعلق بالتحكيم الداخلي وهي تتعلق بصدور القرار التحكيمي دون الاعتماد على اتفاقية تحكيم أو صدوره خارج نطاق اتفاقية التحكيم أو على اتفاقية باطلة أو خارج أجال التحكيم أو شاملاً لأمور لم تكن موضوع طلب أو كان خارقاً للنظام العام أو صدر من هيئة غير متركبة بصفة قانونية. وعليه لا يمكن قبول إبطال قرار تحكيمي إذا لم يكن مندرجاً ضمن الحالات المنصوص عليها حصراً بالفصل 42 المذكور كما لا يمكن الاتفاق مسبقاً على استبعاد الطعن بالإبطال وذلك خلافاً لما ورد في مجال التحكيم الدولي. إذ مكن الفصل 6/78 الاطراف الذين ليس لهم مقراً بتونس أو محل إقامة أصلي أو محل عمل الاتفاق على استبعاد الطعن بصفة كلية أو جزئية. (2).
وفي إطار تفعيل التضييق في الطعن فان الطعن بالأبطال لا يجيز للمحكمة مراجعة القرار التحكيمي لأن دور القضاء في هذه المرحلة يقتصر على مراقبة صحة القرار من الوجهة الشكلية فالقاضي المتعهد لا ينتصب كمحكمة استئناف تعيد النظر في وقائع النزاع ولا كمحكمة تعقيب تراقب مدى سلامة تأويل القانون وتطبيقه وإنما تسلط رقابة شكلية على الحكم الصادر عن هيئة التحكيم ووفق الحالات المنصوص عليها بالفصل 42 من القانون التي يتأكد من تأملها أنها تتعلق بمسائل شكلية كسلامة تركيبة الهيئة ومدى احترام الآجال وقواعد النظام العام (3).
وقد أبدت محكمة التعقيب التونسية رأيها قائلة بوجوب احترام القضاء الخاص والاعتراف باستقلاليته ورفضت توسيع دور القاضي ليتحول إلى مراجعة موضوعية وأصلية للحكم التحكيمي (4).
2- في لبنان:
يميز قانون الأصول المدنية المعدل سنة 1983 بين التحكيم الداخلي والتحكيم الدولي ويجيز الطعن في القرار التحكيمي بطريق اعتراض الغير أمام المحكمة المختصة أصلا بنظر النزاع المادة) (2 ـ 798) كما يجيز استئنافه أيضاً ما لم يكن الخصوم قد تخلوا عن ذلك في اتفاقية التحكيم (المادة 799). وإذا كان الخصوم قد عدلوا عن الاستئناف أو لم يحتفظوا صراحة بحق الاستئناف المقرر في (المادة 799) يبقى لهم الحق في الطعن في القرار الصادر عن المحكمين بطريق الإبطال على الرغم من أي اتفاق مخالف، وذلك في حالات محددة، وفضلاً عن الطرق السابقة أخذ المشرع اللبناني أيضا بطريق إعادة المحاكمة للأسباب والشروط المعينة للطعن في الأحكام القضائية المادة (808).
3- في الجزائر
نص المشرع الجزائري في المواد 1032 و1033 و1034 من قانون الطرق البديلة لحل المنازعات لعام 2008 على ما يأتي:
• عدم قابلية حكم التحكيم للاعتراض.
• قابلية الحكم المذكور للطعن فيه بطريق اعتراض الغير (المادة 1032) وبطريق الاستئناف إلا إذا اتفق الخصوم باتفاق التحكيم على التخلي عنه.
4 - في المغرب:
أقر المشرع المغربي في المادة 327/34 من قانون التحكيم والوساطة الاتفاقية لعام 2007 أن لا يقبل حكم التحكيم لأي طريق من طرق الطعن، على إن تراعى أحكام المادتين (35/327) التي تنص على إمكانية الطعن فيه عن طريق اعتراض الغير أمام المحكمة المختصة أصلاً بنظر النزاع والمادة 36/327 التي جعلت هذا الحكم قابلاً للطعن فيه بطريق الإلغاء على الرغم من كل اتفاق مخالف بين الخصوم.
وعلى الرغم من أن المشرع الفلسطيني قد ميّز بين التحكيم المحلي والتحكيم الدولي إلا أنه أجاز بشكل عام لكل طرف من أطراف التحكيم الطعن في قرار التحكيم لدى المحكمة المختصة بناء على أحد الأسباب المشار إليها في المادة 43 من قانون التحكيم الفلسطيني رقم 3 لسنة 2000.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ يراجع في هذا المعنى الأستاذ فؤاد ديب، تنفيذ أحكام التحكيم الدولي بين البطلان والكساء في الاتفاقيات الدولية والتشريعات العربية الحديثة، مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية المجلد 27 - العدد الثالث، 2011، ص 55 وما يليها.
2 ـ نور الدين قارة، قانون التحكيم مقدمة عامة - التحكيم الداخلي مركز النشر الجامعي تونس 2007، الصفحة 206.
3 ـ قرار عدد 25 في 10 فيفري 1998 مجلة القضاء والتشريع عدده ماي 1999 الصفحة 227 ومثله القرار عدد 39 في 15 جوان 1999 مجلة القضاء والتشريع ابريل 2001 الصفحة 129.
4 ـ قرار تعقيبي مدني عدد 7560 مؤرخ في 13 ابريل 2005 (غير منشور)، أورده الأستاذ نور الدين قارة مرجع سابق. قرار تعقيبي مدني عدد 7560 مؤرخ في 13 ابريل 2005 (غير منشور)، أورده الأستاذ نور الدين قارة، مرجع سابق، الصفحة 203.