الحالات العكسية للمادة عند ابن سينا
المؤلف:
سائر بصمه جي
المصدر:
التبريد في التراث العلمي العربي
الجزء والصفحة:
ص 30
2026-07-23
8
من شأن التغيرات الفيزيائية السير باتجاهَين، فيمكننا تحويل الماء إلى بخار بتسخينه، ويمكن تحويل البخار إلى الماء من خلال تكثيفه على سطح بارد، ولا يمكن أن نفسِّر ظاهرة التكاثف على أنها ارتشاح للماء من داخل الوعاء إلى خارجه. وقد أدرك ابن سينا طبيعة هذا التغير عندما كان يتحدث عن الطبيعة المادية المشتركة بين الهواء (بخار الماء) والماء نفسه، فقال: «قد يبرد الإناء بالجمد، فيركبه ندًى من الهواء، كلما التقطته مُد إلى أي حد شئت، ولا يكون ليس إلا في موضع الرشح. ولا يكون عن الماء الحار، وهو ألطف وأقبل للرشح، فهو إذَن هواء استحال ماءً.»
هنا علَّق الطوسي تعليقًا مطولًا على هذه الإشارة بأن ابن سينا يشير فيها ضمنًا إلى وجود طبيعة مادية مشتركة بين بخار الماء والماء، ومثال التكاثف معروف للناس؛ لذلك أورده ابن سينا ليسهل فهمه. وفي شرح الطوسي لفتةٌ مهمة، وهي أن تشكُّل طبقة بخار الماء على السطح البارد يوقف عملية التكاثف حتى يتم إزالتها؛ ومن ثَم تعود وتتشكل طبقة جديدة من الهواء المحيط. وفي حال كان الوعاء حارًّا فإن عملية التكاثف تتوقف.
لكن الطوسي أخطأ عندما رفض احتواء الهواء في الصيف على بخار الماء، فنحن نعلم حاليًّا أن محتوى بخار الماء في الهواء عندما تكون نسبة الرطوبة 100٪ تتفاوت من 190 جزءًا من المليون في درجة الحرارة (−40° مئوية) إلى 42000 جزء في المليون في درجة الحرارة (30° مئوية). وهذا يعني عكس ما قال؛ أي إن هواء الصيف يحوي على بخار ماء أكثر من هواء بقية الفصول.
قال الطوسي: «يريد إثبات الكون والفساد في العناصر، والاستدلال به على اشتراكها في الهيولى، فنقول: تغيرات الأجسام بصورها لا تقع في زمان؛ لأن الصور لا تشتد ولا تضعف، بل تقع في آن، وتُسمى فسادًا أو كونًا، كما مر … والشيخ بدأ بالازدواج الذي بين الهواء والماء؛ لأن الكون والفساد بينهما أظهر من الباقية. وهو يشتمل على نوعين؛ أحدهما تكوُّن الهواء من الماء، والثاني عكسه. وكان الأول مشهورًا لكثرة المشاهدة؛ فإن انفصال الأبخرة عن الأجسام الرطبة — عند تأثير الحرارة فيها، وانتقاصها بسبب ذلك — ظاهر. فإن قيل: البخار يشتمل على أجزاء مائية، قلنا: نعم، وعلى أجزاء هوائية أيضًا لم تكن فيه؛ لأن الهواء لا يستقر في الماء، بل حدث وانفصل بالغليان وغيره. فلشهرة هذا النوع لم يذكره الشيخ.
وأيضًا ثبوت نوع واحد من النوعين المتعاكسين يكفي في إثبات كون الهيولى مشتركًا، وهو يدل على جواز وجود النوع الآخر؛ فلذلك اقتصر الشيخ من هذا الازدواج على نوع واحد، وهو بيان تكون الهواء ماءً، فاستشهد عليه بشيئين:
• أحدهما: الندى الحادث على ظاهر الإناء إذا برد بالجمد، وأشار إليه بقوله: «قد يبرد الإناء بالجمد فيركبه ندًى من الهواء.» وذلك لأن الندى الذي يوجد هناك إما أن يتكون من الهواء، وهو المطلوب، وإما ألا يتكون منه، بل إما أن يجتمع من الهواء الطائف به على ما ذهب إليه منكرو الكون والفساد بين الهواء والماء، كالشيخ أبي البركات وغيره، أو يترشح مما في داخله. والأول باطل؛ لأن الهواء الطائف بالإناء لا يمكن أن يشتمل على أجزاء كثيرة من الماء خصوصًا في الصيف؛ فإن الأجزاء المائية — إن كانت باقية — فقدتنا جدًّا، لفرط حرارة هوائية، ولا تبقى مجاورة للإناء. وعلى تقدير بقائها هناك، يلزم أحد ثلاثة أشياء:
o إما نفاد تلك الأجزاء إذا تواتر حدوث الندى بعد تنحيته من الإناء مرة بعد أخرى، فيقع حصوله على الإناء مع كون الإناء بحاله الأولى.
o وإما تناقصها، فيكون حصوله في كل مرة أنقصَ مما كان قبلها.
o وإما تراخي أزمنة حصولها، فيكون بين كل حصولَين زمان أطول مما بين حصولين قبلهما. وذلك على تقدير أن تجتمع الأجزاء التي تكون في هواء أبعد من الإناء إليه، مع أن ذلك بعيد جدًّا؛ لأن تلك الأجزاء الصغيرة — مع جذب حرارة الهواء إياها — لا تتمكن من خرق حجم كبير من الهواء.
ولكن الوجود يخالف جميع ذلك؛ لأنا نرى حدوث الندى مرةً بعد أخرى على وتيرة واحدة، بشرط أن يُنحى من الإناء ما حدث عليه، ويكون الإناء على حاله من التبرد. وأشار الشيخ إلى ذلك بقوله «كلما لقطته، مُد إلى أي حد شئت».
وقيل على ذلك: إن كانت برودة الإناء مقتضيةً لفساد الهواء المحيط بالإناء، فوجب أن يصير كل ذلك الهواء ماءً، ولا محالة يسيل الماء حينئذٍ، ويتصل به هواء آخر، ويصير أيضًا ماءً، إلى أن يجري الماء جريانًا صالحًا. وإذ ليس كذلك، فعلم أنه حدث من أجزاء مائية قليلة المدد.
وأجيبَ عنه بأن جرم الإناء، لصلابته، لا يتكيَّف بالكيفيات الغريبة سريعًا، وعند التكيف تحفظ الكيفية بطيئًا؛ فإذا ألحَّت عليه القوة المكيفة اشتد تكيُّفه بها فوق ما يشتد تكيُّف غيره.
ولذلك ربما توجد الأواني الرصاصية المشتملة على المائعات الحارَّة أسخن من تلك المائعات؛ فالإناء المذكور لشدة تبرُّده يفسد الهواء الطائف به، والماء، لسرعة تكيُّفه بالكيفيات الغريبة يحيله الهواء الطائف به ظاهره عن برودته الشديدة سريعًا، فلا يفسد الهواء ما دام على سطح الإناء ماء، أما إذا تنحى عنه، واتصل الهواء بالسطح، عاد إلى فساده.
• والثاني: ويقال: الندى يترشح مما في داخل الإناء، وهو أيضًا باطل لوجوه:
o أحدها: أن الندى قد يوجد من غير أن يكون فيه ماء، بل بسبب وجود الجمد الذي لم يتحلل بعد.
o والثاني: أن ذلك يقتضي ألا يوجد الندى إلا في موضع الرشح، لكن ليس الحكم ألا يوجد إلا في موضع الرشح مطابقًا للوجود؛ فإنه يوجد فوق ذلك الموضع. وأشار الشيخ إلى هذا الوجه بقوله «ولا يكون ليس إلا في موضع الرشح»، فدلَّ على قوله؛ على أنه لم يمنع وجود الندى عن الرشح، بل منع اختصاصه بكونه من الرشح فإن هذه الصيغة تفيد هذه الفائدة.
o والثالث: أن الماء إذا كان حارًّا، وجب أن يوجد الرشح أيضًا، بل ينبغي أن يكون الرشح أكثر؛ لأن الحار ألطف وأقبل للرشح لرقة قوامه، وليس كذلك. وأشار إلى ذلك أيضًا بقوله «ولا يكون ذلك من الماء الحار، وهو ألطف وأقبل للرشح». ولما بطل الوجهان، صرَّح بالنتيجة وقال: «فهو إذَن هواء استحال ماءً».»
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في تاريخ الفيزياء
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة