0
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

تأملات قرآنية

مصطلحات قرآنية

هل تعلم

علوم القرآن

أسباب النزول

التفسير والمفسرون

التفسير

مفهوم التفسير

التفسير الموضوعي

التأويل

مناهج التفسير

منهج تفسير القرآن بالقرآن

منهج التفسير الفقهي

منهج التفسير الأثري أو الروائي

منهج التفسير الإجتهادي

منهج التفسير الأدبي

منهج التفسير اللغوي

منهج التفسير العرفاني

منهج التفسير بالرأي

منهج التفسير العلمي

مواضيع عامة في المناهج

التفاسير وتراجم مفسريها

التفاسير

تراجم المفسرين

القراء والقراءات

القرّاء

رأي المفسرين في القراءات

تحليل النص القرآني

أحكام التلاوة

تاريخ القرآن

جمع وتدوين القرآن

التحريف ونفيه عن القرآن

نزول القرآن

الناسخ والمنسوخ

المحكم والمتشابه

المكي والمدني

الأمثال في القرآن

فضائل السور

مواضيع عامة في علوم القرآن

فضائل اهل البيت القرآنية

الشفاء في القرآن

رسم وحركات القرآن

القسم في القرآن

اشباه ونظائر

آداب قراءة القرآن

الإعجاز القرآني

الوحي القرآني

الصرفة وموضوعاتها

الإعجاز الغيبي

الإعجاز العلمي والطبيعي

الإعجاز البلاغي والبياني

الإعجاز العددي

مواضيع إعجازية عامة

قصص قرآنية

قصص الأنبياء

قصة النبي ابراهيم وقومه

قصة النبي إدريس وقومه

قصة النبي اسماعيل

قصة النبي ذو الكفل

قصة النبي لوط وقومه

قصة النبي موسى وهارون وقومهم

قصة النبي داوود وقومه

قصة النبي زكريا وابنه يحيى

قصة النبي شعيب وقومه

قصة النبي سليمان وقومه

قصة النبي صالح وقومه

قصة النبي نوح وقومه

قصة النبي هود وقومه

قصة النبي إسحاق ويعقوب ويوسف

قصة النبي يونس وقومه

قصة النبي إلياس واليسع

قصة ذي القرنين وقصص أخرى

قصة نبي الله آدم

قصة نبي الله عيسى وقومه

قصة النبي أيوب وقومه

قصة النبي محمد صلى الله عليه وآله

سيرة النبي والائمة

سيرة الإمام المهدي ـ عليه السلام

سيرة الامام علي ـ عليه السلام

سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله

مواضيع عامة في سيرة النبي والأئمة

حضارات

مقالات عامة من التاريخ الإسلامي

العصر الجاهلي قبل الإسلام

اليهود

مواضيع عامة في القصص القرآنية

العقائد في القرآن

أصول

التوحيد

النبوة

العدل

الامامة

المعاد

سؤال وجواب

شبهات وردود

فرق واديان ومذاهب

الشفاعة والتوسل

مقالات عقائدية عامة

قضايا أخلاقية في القرآن الكريم

قضايا إجتماعية في القرآن الكريم

مقالات قرآنية

التفسير الجامع

حرف الألف

سورة آل عمران

سورة الأنعام

سورة الأعراف

سورة الأنفال

سورة إبراهيم

سورة الإسراء

سورة الأنبياء

سورة الأحزاب

سورة الأحقاف

سورة الإنسان

سورة الانفطار

سورة الإنشقاق

سورة الأعلى

سورة الإخلاص

حرف الباء

سورة البقرة

سورة البروج

سورة البلد

سورة البينة

حرف التاء

سورة التوبة

سورة التغابن

سورة التحريم

سورة التكوير

سورة التين

سورة التكاثر

حرف الجيم

سورة الجاثية

سورة الجمعة

سورة الجن

حرف الحاء

سورة الحجر

سورة الحج

سورة الحديد

سورة الحشر

سورة الحاقة

الحجرات

حرف الدال

سورة الدخان

حرف الذال

سورة الذاريات

حرف الراء

سورة الرعد

سورة الروم

سورة الرحمن

حرف الزاي

سورة الزمر

سورة الزخرف

سورة الزلزلة

حرف السين

سورة السجدة

سورة سبأ

حرف الشين

سورة الشعراء

سورة الشورى

سورة الشمس

سورة الشرح

حرف الصاد

سورة الصافات

سورة ص

سورة الصف

حرف الضاد

سورة الضحى

حرف الطاء

سورة طه

سورة الطور

سورة الطلاق

سورة الطارق

حرف العين

سورة العنكبوت

سورة عبس

سورة العلق

سورة العاديات

سورة العصر

حرف الغين

سورة غافر

سورة الغاشية

حرف الفاء

سورة الفاتحة

سورة الفرقان

سورة فاطر

سورة فصلت

سورة الفتح

سورة الفجر

سورة الفيل

سورة الفلق

حرف القاف

سورة القصص

سورة ق

سورة القمر

سورة القلم

سورة القيامة

سورة القدر

سورة القارعة

سورة قريش

حرف الكاف

سورة الكهف

سورة الكوثر

سورة الكافرون

حرف اللام

سورة لقمان

سورة الليل

حرف الميم

سورة المائدة

سورة مريم

سورة المؤمنين

سورة محمد

سورة المجادلة

سورة الممتحنة

سورة المنافقين

سورة المُلك

سورة المعارج

سورة المزمل

سورة المدثر

سورة المرسلات

سورة المطففين

سورة الماعون

سورة المسد

حرف النون

سورة النساء

سورة النحل

سورة النور

سورة النمل

سورة النجم

سورة نوح

سورة النبأ

سورة النازعات

سورة النصر

سورة الناس

حرف الهاء

سورة هود

سورة الهمزة

حرف الواو

سورة الواقعة

حرف الياء

سورة يونس

سورة يوسف

سورة يس

آيات الأحكام

العبادات

المعاملات

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

إشارات ولطائف حول القتال

المؤلف:  الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي

المصدر:  تسنيم في تفسير القران الكريم

الجزء والصفحة:  ج 9، ص663-694

2026-07-20

655

+

-

20

1. السر في كره القتال: إن السعادة أو الشقاء يجعلان من الانسان ذا فكر صائب فضلا عن أنهما ينظمان فيه الهدف الصالح ويضمنان له تحقيقه ويميل الانسان الى الشيء أو يفر منه وذلك استنادا الى معرفته وإيمانه بذلك الشيء فإذا امتلك العلم الصحيح والفكر الصائب إزاء أمر ما فإن حبه وكرهه لذلك الامر وبالتالي توليه له أو براءته منه غالبا ما تكون صحيحة أيضا وفي مقابل ذلك فإن صاحب العلم القليل عادة ما يتولد فيه ضعف الارادة والكراهية.

وإذا كان العلم كاملا حول شيء صالح بحيث يدرك العقل النظري أمرا ما مستندا الى البرهان واستطاع بذلك تسخير بقية المسارات الادراكية كالوهم والخيال بشكل لا تتمكن من خلاله مساراته التحريكية من إضلاله أو تهييج غضبه أو اثارة شهوته ففي هذه الحالة سيكون العقل العملي منسجما مع العقل النظري وسائرا معه على خط متواز بحيث يكتسب أحدهما الجزم العلمي فيما يحصل الاخر على العزم العملي ثم بفضل التوافق والانسجام الحاصل بين هذين العاملين المهمين سيتحقق المسار نحو الفضيلة والنفور من الرذيلة وفي غير هذه الحالة فقد يزول الانسجام أحيانا بين كل من العزم العملي والجزم العلمي.

وأما السر في نفور الانسان في بعض الحالات من المحبوب وميله نحو المبغوض فهو عدم امتلاكه للعلم والإطلاع الكافيين بشأن الخير والشر وجهله بهما على سبيل المثال: فالجهاد واجب على الانسان لما يتضمنه من النعم والبركات ومع ذلك فإن البعض يعبر الجهاد أمرا مأساويا أو كارثيا بسبب قلة علمه وعدم صواب فكره رغم أن خيره وصلاحه يكمن في الجهاد نفسه والعكس صحيح كذلك فربما مال الشخص الى شيء ما وفيه كل الشر والحزن لقلة علمه بالضرر ولهذا نرى أن ميل البعض لشيء ما أو كرهه لآخر غير منطقي: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ[1]). 

ويرجع السبب في قلة العلم الى كون الخير غالبا ما يكون محفوفا بالصعوبات والمكاره بيمنا يسهل الوصول الى لاشر وقد روي عن النبي ﷺ إنه قال بشأن الجنة والنار: حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات[2]، ومعنى ذلك أن الطريق الى الجنة محفوف بما يكره البشر والإفراد العاديون أما طريق النار بمليئة بما تميل اليه أطباعهم.

2. الحكمة في الدفاع: لما كان عالم الطبيعة مقرون بالحركة والمثابرة فإن الحرب والسلم عارضان ملازمان له ويمثل القتال في الاسلام مظهرا من مظاهر غضب الله الحكيم ولا يتصف إطلاقا بالجانب الانتقامي أو الشماتة بل هو قائم على أساس الحكمة والمصلحة فلو لا دفاع الانبياء لخرب مراكز العبادة وهدمت الصوامع وعم الفساد في كل مكان لأن صلاح أي مجتمع وإصلاحه مرهون بإعمار المراكز الدينية والمحافل العلمية والتبليغية والبحثية في ذلك المجتمع ولو دب الضعف الى تلك المراكز أو تسلل الوهم اليها فإن ذلك سيعني انتشار وباء الفساد في كل ركن من أركان المجتمع.

وقد وردت خلاصة هذا الكلام أي كون الدفاع يمثل مبدأ قرآنيا ورمزا لجهاد أنبياء الله ومقاومتهم في الايتين اللتين تكمل كل منهما الاخرى حيث طرح في الاولى موضوع الحكمة من الدفاع وأنه لو لا القتال لعم الفساد (الشرك وعبادة الاصنام والظلم والخيانة والمعصية وامتهان الانفس والاعتداء على الاموال) ربوع الارض كلها: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ[3]).

أما الاية الشريفة الثانية فقد بينت سبل شيوع الفساد جذوره بقوله تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ[4]). ولإيجاد الفساد ونشر بذوره داخل المجتمع يعمد الاعداء في البداية الى استهداف المراكز الدينية والعلمية في ذلك المجتمع فمع بقاء مراكز التبليغ ومؤسسات البحث فإن سعيهم سيخيب ولن تثمر مؤامراتهم سوى الخسران والاندحار ومن هنا أذن الله سبحانه للمظلومين بالدفاع ليتمكنوا أولا: من المحافظة على مراكز العبادة. وثانيا: التصدي لانتشار الفساد والوقوف بوجهه فبقاء اسم الدين ورسمه وثبات المراكز الدينية واستمرار حياة الزهد والعبادة كل ذلك لا يكون الا ببركة مقاتلي الاسلام وتضحياتهم وعداء أئمة الكفر للمراكز الدينية جلية ومخالفاتهم لها صريحة يعتبرون أن الميل نحو الدين والرغبة اليه خرافية بل وسدا منيعا يقف في وجه أهدافهم الخبيثة وآرائهم السفهية ولذلك نراهم يحاولون جاهدين القضاء على كل تلك المعالم والدليل على صحة ماندعي هو ما ذكرته المصادر حول تأثير وفاعلية القيادة الحكيمة للعلماء الربانين وأنهم بمنزلة أنبياء بني إسرائيل[5]، وأن مدادهم وكتبهم ومؤلفاتهم يوم القيامة تكون بمنزلة دماء الشهداء بل وتعلوها منزلة ومكانة[6]، وأن أولئك العلماء هم السد المنيع أمام فساد المفسدين وانحراف المنحرفين في كل عصر ومصر[7].

3. جند الله العاديون والمنتخبون: ينقسم جند الله عز وجل الى قسمين:

1. جنود عاديين: (وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ[8]).

2. جنود منتخبين (أو خاصين): (وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ[9]).

كما تنقسم رحمته تعالى وهدايته ومعيته الى قسمين كذلك عامة وخاصة.

فالجنود الموكلين بتأييد أنبياء الله عليهم السلام ومؤازرتهم في سوح القتال من أجل إعلاء كلمة الله وتنفيذ أحكامه والذين يسمون بالملائكة المسومين[10] أو الملائكة المردفين[11] هم جند الله المنتخبون الفائزون حتما كما وعد الله بذلك في العديد من آيات القرآن الكريم.

4. الجهاد والدفاع عند العلامة الطباطبائي قدس سره: أورد الاستاذ العلامة الطباطبائي قدس سره بعض النقاط المهمة والمفيدة في ذيل آيات القتال في بحثين منفردين أحدهما تفسيري والاخر بحث اجتماعي[12] حيث سنأتي عليهما في أدناه بشيء من التفصيل والزيادة ونبدأ أولا بشرح بحث الاستاذ التفسيري عبر بعض العناوين:

أ. مراحل القتال والجهاد: اتسمت سيرة النبي الاعظم ﷺ وسنته في تعامله وسلوكه مع المشركين بثلاث مراحل تراوحت بين أدنى نسبة من ردة الفعل وأعلى نسبها: 1. مرحلة الدعوة السرية.

2. مرحلة الدعوة العلنية: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ 94 إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ[13]).

3. مرحلة الدفاع.

فبعد الدعوة الى الاسلام بشكل علني بدأ المشركون بحياكة المؤامرات وزرع الدسائس وشرعوا في إيذاء النبي ﷺ ومن تبعه ثم بلغ ذلك الى ذروته خلال السنوات الثلاث من محاصرتهم للنبي ﷺ والمسلمين اقتصاديا في شعب أبي طالب فاضطر الرسول ﷺ اثر ذلك الى الهجرة نحو المدينة ولما استوى المسلمون في العدة والعدد وأصبحوا قادرين على القتال أذن لهم الله سبحانه بالقتال والدفاع عن أنفسهم.

ولكي تسير عملية الجهاد بالشكل الطبيعي المرسوم لها أشار القرآن الكريم الى ثلاث مراحل رئيسية للجهاد وإذا تأملنا المرحلة الثالثة من الجهاد بشكل دقيق أمكننا الملاحظة من أنها تنضوي تحت لواء المرحلة الثانية والمراحل الثلاث هي كالتالي: أولا: الصبر والتحمل: عندما كان عدد المسلمين قليلا وعدهم لا تساوي شيئا مقابل عدة المشركين أعلن الاسلام عن موقفه بصراحة لكن لم يحدث أي تماس مباشر بين المسلمين والمشركين على الاطلاق حيث أمرهم القرآن الكريم في العديد من آياته الى اعتماد الصبر وضبط النفس في المحن والصعاب وتحمل الاذى وتجنب اثارة القتال أو الحرب كقوله تعالى: (وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا[14]) و(ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ[15]) و(فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ[16]) و(لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ[17]) و(وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا[18]) و (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً[19]). ويبدو من الايات المذكورة أن بعض المسلمين تقيدوا بأوامر الله في عدم مقابلة المشركين بالمثل فيما تخطاها البعض الاخر ولم يعمل بها وتصور لنا سورة الكافرون تلك المرحلة بشكل كامل.

تذكير: المقصود بالهجر الجميل في قوله تعالى: (وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا) هو تجنب اتباع التقاليد والعادات الجاهلية والتصرف داخل المجتمع الاسلامي بشكل لائق والتعامل مع الاخرين بالشفقة والرأفة والتعاطف ودعوتهم بالتي هي أحسن وتقديم النصائح لهم لا كما فعل يونس النبي عليه السلام حيث ضاق بقومه ذرعا ولم يتحمل كفرهم.

ثانيا: الدفاع: بعد أن هاجر المسلمون الى المدينة وأسسوا دولتهم الاسلامية تعاظمت قوتهم العسكرية ولذلك نزلت آيات القتال مثل الاية المفسرة وقوله تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا[20]) وسمح للمسلمين بالدفاع عن أنفسهم وأرضهم ومنجزاتهم الدينية ضد المشركين.

إلماعة: يفيد حرف الباء في قوله تعالى: (بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) السببية أي أن السبب في إذن الله للمسلمين بالقتال والدفاع عن أنفسهم هو الظلم الذي لحق بهم وبموجب هذه الاية الشريفة فإن أي مظلوم يجوز له الدفاع عن نفسه إذا تمكن من ذلك.

ثالثا: الجهاد الابتدائي: تم بيان الجهاد الابتدائي في آيات خاصة كقوله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ[21]) و(وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً[22]) و(قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ[23]) و(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ[24]) و(قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً[25]) و(فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا[26]) و(وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ[27]).

تذكير: إذا بحثنا في الجهاد الابتدائي من الناحية الحقوقية فسنجده يندرج ضمن لائحة الدفاع أما من الناحية الفقهية فالجهاد الابتدائي لا يوازي الدفاع الجزائي لأنه لا حاجة في هذه الحالة لإذن الامام المعصوم عليه السلام في حين اختلف في ذلك فيما يتعلق بالجهاد الابتدائي حيث رأى بعض الفقهاء رحمهم الله ضرورة حصول إذن الامام المعصوم فيه[28]. ومع ذلك يمكن الاستنباط بأن الولي الفقيه الجامع للشروط والعالم بأمور زمانه إذا كان مديرا مدبرا مأذون ومجاز لإصدار هذا الامر العسكري الخطير والمهم وتطبيقه بعد استشارة أصحاب الرأي المؤيدين بالشروط الجامعة.

وتحتل مسألة الجهاد ضد أعداء الاسلام أهمية قصوى بحيث اعتبر بعض المفسرين تركها وإهمالها مصداقا للاعتداء المنهي عنه وقالو: بأن التخلف عن الجهاد يعادل الاعتداء[29].

ب. الجهاد الابتدائي يعود الى الدفاع: يعود أصل الجهاد الابتدائي من وجهة نظر القرآن الكريم الى الدفاع عن المظلومين لأن المستكبرين يحاولون منع طلاب العلم والايمان من الوصول الى أهدافهم المتمثلة في الحصول على العلم والتبليغ الاسلامي والجهاد ضد الطغاة معناه فك الحصار عن أولئك المحرومين ومنع الاخرين من صدهم لاكتساب المعارف الاصلية إذا فكل الحروب الاسلامية هي حروب دفاعية ومن الواضح أن إثبات هذا الموضوع يحتاج الى تقديم بعض الادلة ومنها: أولا: الحياة في ثقافة القرآن الكريم: تنتمي جميع الأحكام التكليفية في الاسلام الى خانة الحقوق ويعتبر افراد المجتمع بشكل عام مسؤولين عن المحافظة على حقوق بعضهم البعض وفي هذا الصدد وعد الله سبحانه في مقام الفعل بإيفاء حقوق الانسان كلها إذا ما أدى الانسان من جانبه كذلك الحقوق الدينية: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ[30]) فحقوق الانسان إذا تنبع من نفس مصدر الاحكام التكليفية وتمثل الاحكام المواد القانونية التي يتم استنباطها من الاصول المستخرجة بدورها من المصادر ويعتبر كل من القرآن الكريم وسنة المعصومين عليهم السلام والبراهين العقلية المصادر الاساسية للأصول الحقوقية والتكليفية في الاسلام وهنا يمكننا معرفة منشأ حقوق الإنسان.

واستنادا الى آيات القرآن الكريم فإن جميع البشر يمتكلون حقوقا أهمهما حق الحياة إذ لا يمكن الحفاظ على الحقوق الاخرى إلا في ظل حق الحياة هذا ويختلف مفهوم الحياة في الثقافة القرآنية عما هو موجود في الثقافات الانسانية.

ويعني ذلك أن أفراد البشر ينقسمون الى ثلاث فئات منهم من لا يمتلك إلا الحياة النباتية وهؤلاء كالنبتة فلا هم لهم ولا هدف سوى الاكل وتربية أجسامهم بالشكل الكافي وتبديل اللباس ورغم أن هذه الفئة تفهم معنى الغذاء والسمنة وغير ذلك إلا أن أصحابها محرومون من أي ميول أو منافع اجتماعية أو مقام أو جاه فما بالك بميلهم الى العلوم والمعارف؟

والبعض الاخر من الناس يمتلك حياة نباتية وحيوانية معا وهؤلاء منشغلون بالعواطف والحب والكراهية والشهوة والغضب والسلطة والوصول الى المناصب أما أساس قواهم العلمية فهو الوهم والخيال لا العقل والنقل (الوحي) ولذلك يستند ميلهم الى المناصب والسلطان والرغبة والكراهية القلبية الى محور الوهم والتقاليد القبلية والجاهلية لا الى العقل والسنن الالهية والدينية الامر الذي يضطرهم الى البقاء في مستنقع الحياة الحيوانية وجعلهم يستحقون اللوم والتوبيخ من الله سبحانه: (أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ[31]).

وأما الفئة الثالثة وهم قلة فيتمتعون بالحياة الانسانية وهؤلاء يقومون بتنظيم جميع شؤونهم العلمية ومسائلهم العملية وفقا للعقل النظري والعملي والوحي السماوي وقد اعتبر القرآن الكريم أن هؤلاء فقط هم الاحياء حقا لأنه يسمي الموحدين بأصحاب الذكر الخالد ويجعلهم في الجهة المقابلة للكافرين أي أن الانسان إما أن يكون حيا أو كافرا: (لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ[32]). وتشير المقارنة المذكورة بين الحي والكافر الى حياة الموحد وموت الكافر وهو مابينه تعالى بقوله: (وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ [33]). أي أنك أيها الرسول لن تستطيع ايصال كلامك أو صوتك لى من أحاط به قبر البدن والطبيعة فأصبح كمن دفن وهو حي ويعني ذلك أن الكافر ميت بالفعل.

والخلاصة: فإن أهم حق ينسب الى الانسان هو حقه في الحياة الانسانية التي تمثل وفقا للثقافة القرآنية الايمان بالله تعالى ومعرفة المعاد والعلوم والمعارف الدينية وهو ما يسمى بالحياة الطيبة: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً[34]) وفي ذلك يقول أمير المؤمنين عليه السلام التوحيد حيوة النفس[35].

ثالثا: عامل الحياة الإنسانية: يمثل الوحي برأي القرآن الكريم العامل الاساس لبناء الحياة الانسانية فيما يعتبر العقل مجرد عامل لتهيئة الارضية لذلك في كثير من الحالات ولهذا فإن الانبياء العظام عليهم السلام هم حملة الرسالات المجددة للحياة الانسانية بسبب تلقيهم للوحي الالهي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ[36])[37].

ولا شك في أن دين الله سبحانه هو العامل المحفز للفطرة باعتباره القيم والمتكفل الوحيد للبشرية والفطرة بدورها تمثل إكسير الحياة: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ[38]). ولا شك كذلك في أن أحكام الدين سيما ما يتعلق منها بالجهاد في سبيل الله هي أحكام حياتية ومجددة للروح الانسانية وهي أحكام منسجمة مع الفطرة وموافقة لها فضلا عن أنها مبادئ لا تقبل التغيير أو التبديل وقد دعا أنبياء الله عليهم السلام وبمعونة الوحي الالهي البشرية جمعاء الى الحياة الانسانية (التوحيد والمعارف الدينية).

ثالثا: العقبة أمام الحياة الإنسانية: يعتبر الكافرون والمشركون العقبة الرئيسية امام بلوغ المجتمعات الانسانية عنصر الحياة فهم يحاولون منع الاخرين وصدهم عن الوصول الى الحياة ومعينها والمراوحة حيث يراوحون هم أنفسهم وعدم نيلهم للحياة الحقيقة وهي التوحيد وعبادة الله سبحانه. ويتركز عمل أولئك على صد الاخرين عن الحياة: (يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ[39]) وحرمانهم من تلك الحياة: (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم[40])، (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا[41])، فديدن الكفار والمشركين هو صد المؤمنين عن سبيل الله ومنعهم من السير فيه للحيلولة دون بلوغ عباد الله الحياة الانسانية (التوحيد) بالإضافة لأي محاولاتهم للقضاء على من أصبحوا أحياء بنعمة الوحي ومن خلال تبشيرهم وإعلامهم السيئ يسعى أعداء الدين الى تجريد المؤمنين من دينهم وعقيدتهم واجبارهم على الارتداد مستغلين في ذلك غفلة المسلمين وسهوهم لتسديد ضربتهم على حين غرة: (وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً[42]).

رابعا: المدافعون عن حقوق الإنسان: بعث الله عز وجل الانبياء عليهم السلام والمدافعين عن حقوق الانسان ليقفوا في وجه الهجوم الكاسح الذي يقوم به الكفار والمشركون العادون للحياة الإنسانية ولكي يدافعوا عن هذا الحق المبدئي للإنسان وترفرف راية التوحيد والقسط والعدل عالية خفاقة على كل روابي الارض (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ[43]).

أما اليوم فتعجب لما يدعيه المدافعون الكذابون عن حقوق الانسان من حاميتهم لأرذل وأحط أنواع السلوك الذي لا يمثل سوى ضرب من الامراض النفسية والعقلية والترويج لها بحجة أنها جزء من حقوق الانسان بينما يعتبرون أرقى الفضائل الاخلاقية وأنبلها حائلا أمام الحريات الانسانية فلو لم يبعث الله سبحانه الانبياء والرسل وتعلقت مشيئته بترك الناس الى حال سبيلهم لعاث هؤلاء الدعاة الكذابون في الارض فسادا لكن الله عز وجل أراد أن يكون الانبياء وأئمة الدين هم المدافعون الحقيقيون عن حقوق الانسان والذود عن حقه في امتلاك الحياة الانسانية.

واستنادا الى الاركان الاربعة المذكورة فإن الجهاد الابتدائي هو جزء من الدفاع وهو ما ذكره القرآن الكريم بشأنه في حين يعبر الدفاع مظلة ذلك الجهاد ووفقا لآيات القرآن الكريم فإن دفاع أنبياء الله عن حقوق الانسان يحول دون هدم أو تخريب المراكز الدينية والعمل على تشييدها وعمارتها ومنع انتشار الفساد في الارض ولا ريب في أن الحياة كل مجتمع مرهونة بعمارة المراكز الدينية والحوازت العلمية والمؤسسات البحثية فيها بينما يساعد اضعاف تلك المراكز أو هدمها في تعميم الفساد في ذلك المجتمع وسريانه فيه كالطاعون (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ[44])، (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ[45]). وتشير هاتان الايتان الى كيفية تحديد الفساد في الارض فيما تفسر الاية الثانية بالذات الاية الاولى وتتحدث عن فساد الارض بسبب هدم الصوامع وتخريب البيع فأينما وجدت أماكن التبليغ ومراكز التعليم الدينية وجد كذلك الصلاح والخير ولو لا ذلك لإحتل الفساد مكان الصلاح.

ج. القتال والدفاع في برنامج الانبياء عليهم السلام: كان كل أنبياء الله عليهم السلام مدافعين عن حقوق الانسان ولم تكن رسالة أي منهم أو نبوءته مقتصرة على الارشاد والنصيحة أو التصنيف والتأليف بل كانت مسألة الدفاع والقتال عن حياض الدين تحتل الصدارة في برنامجهم وما أكثر ما استشهد من الانبياء في سبيل هذا الواجب.

ويعتبر موضوع الدفاع والحرب من الخصوصيات العامة للنبوة تماما كما هي الحال مع عصمة الانبياء والرسل عليهم السلام وسلامتهم من العيوب المنفرة وهي صفة اتسم بها جميع الانبياء دون استثناء.

وفيما يلي بعض الادلة القرآنية التي تؤكد هذا المعنى: أولا: لا يقتصر حق الحياة الانسانية على أمة من الامم دون اخرى لأن الاية الشريفة (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ[46]) تشير الى امتلاك كل انسان للكرامة ولا كرامة بالطبع بعيدا عن الحياة كما أنه لا يمكن للخلافة الالهية التي تمثل جوهر كرامة الانسان (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً[47]) أن تستمر بغير حياة فأصل الخلافة (في الجملة) لا يختص بالمعصومين وحدهم وان لم يختلف أحد في كون الخلافة التامة والكاملة هي من نصيب المعصومين فقط.

وقد ظهرت تلك الحياة التي تتكون من عقيدة التوحيد والإيمان بالمبدأ والمعاد والرسالة والنبوة ظهرت بشكلها الاجمالي في الدين الاسلامي إذا فالإسلام يمثل جوهر الحياة الانسانية وحقها المسلم به في كل زمان ومكان وجيل.

هذا من ناحية وأما من الناحية الاخرى فالتوحيد والدين الحق هما مسألتان فطريتان لا تخضعان للتغير بل إن الانسان مفطور منذ بداية خلقته على التوحيد: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ[48]) ولم تكن فطرته قبل ذلك شيئا آخر ثم تطورت لتظهر فطرة التوحيد فيما بعد.

وفطرة التوحيد هذه التي ترتبط بها الحياة الانسانية ارتباطا وثيقا هي فطرة عامة ودائمية وبالتالي فإنه لا عجب من أن يكون الدفاع عنها أميا وعالميا كذلك فهي ليست ميزة تخص الامة الاسلامية وحدها. ثانيا: لو لا ذلك الدفاع لعم الفساد كل الارض: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ...[49]).

تشير بداية الاية ونهايتها الى عدم وجود الحصرية في مضمونها وهذا يعني أن موضوع الدفاع لا يختص بالأمة الاسلامية فقط وإذا أصر البعض على كون الاية المذكورة تعني مضمونا خاصا فإن المضمون لا يخرج عن أن يكون أحد تصورين:

الاول: إنها تعني أن تكون الأمم الاخرى فاضلة وتتجنب الفساد والانحراف لكي تكون في غنى عن الدفاع لكن الاشكال في هذا التصور هو أن الانسان يمتلك طبيعة متوحشة وحقيقة مركبة من الروح والجسد حيث تكون روحه متجهة نحو الله سبحانه فيما ينتمي جسده الى الطبيعة (الطين) الى جانب فطرته النقية والمائلة لخالقها (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ[50]) فالجانب الطبيعي للانسان يعتبر مصدر صفاته الرذيلة التي عددها القرآن الكريم مثل (ظَلُومًا[51]) و(جَهُولًا[52]) و(قَتُورًا[53]) و(‌ هَلُوعًا[54]) و(‌ مَنُوعًا[55]) و(كَفُورًا[56]) و(جَدَلًا[57])، فيما يمثل بعده الروحاني جميع صفاته وخصائصه الحميدة مثل الكرامة[58] والفطرة[59] وخلافة الله[60] وغير ذلك، وعليه فإن النزاع والقتال والاعتداء هي لوازم طبيعية لجميع أفراد البشر وليست خاصة بأمة لتصبح الامم الاخرى فاضلة.

الثاني: إن الاية تقصد أن يكون الفساد والانحراف شائعا ورائجا بين تلك الامم على ألا يعبر ذلك عندهم أمرا قبيحا إلا عند الامة الاسلامية واشكال هذا التصور يكمن في أنه من غير المنطقي اعتبار الفساد والانحراف قبيحين لدى المسلمين فقط لأن القبح في الفساد والانحراف هو أمر عقلي ولا يمكن للعقل اعتباره أمرا خاصا فمفاد الاية (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ...[61]) اذا هو عمومية أحكام النبوة وشمولية الرسالة وأن تلك الاحكام تشمل جميع الأمم. ويشير القرآن الكريم في آية اخرى وبصراحة الى أن غياب الدفاع هو سبب هدم كنائس النصارى وصوامع رهبانهم ومجامع اليهود ومعابدهم وكذلك مساجد المسلمين وجوامعهم (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا[62]) وتعتبر هذه الاية الشريفة شاملة وعامة بالنسبة للنبوة فبعد تهديم المراكز الدينية والعلمية لا شك في أن الفساد سيعم الارض كلها.

ثالثا: تحدث القرآن الكريم عن الرسالة العامة للأنبياء عليهم السلام وبعد الاشارة الى البينات والمعجزات التي جرت على أيديهم ذكر القرآن الكريم مسألة انزال الحديد قائلا: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ[63]).

وهنا نلاحظ التناسب بين صدر الاية وذيلها ليكون موضوع نزول الحديد هو الدفاع عن حياض الرسالة والحفاظ على المعجزات فكما أن المعجزات والبينات والقيام بالقسط هي أمور لا تقتصر على الرسول الاعظم ﷺ ولا على الامة الاسلامية بالتحديد فإن نزول الحديد كذلك والدفاع عن الرسالة والبينات ليست مسائل خاصة بالأمة الاسلامية وحدها ولذلك قال تعالى: (أَرْسَلْنَا).

رابعا: انبرى الكثير من الانبياء للدفاع عن التوحيد والدين واستشهد العديد منهم في سبيل ذلك: (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ[64]). وعليه فإن مسؤولية الدفاع عن الدين ومقدساته كانت موكلة الى جميع الانبياء دون استثناء.

خامسا: قتل بنو إسرائيل الكثير من أنبياء الله الذين ارسلوا اليهم (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ[65])، وتشير هذه الاية الى أن الانبياء عليهم السلام كانوا يعتبرون الدفاع عن التوحيد ودين الله الحق مسؤوليتهم وواجبهم المقدس ولو لا ذلك لما ضحوا بأنفسهم ولما استشهدوا من أجل ذلك فهم لم يلقوا من قومهم سوى الاستهزاء والسخرية كما فعل أعداء الرسول الاكرم ﷺ معه في بداية أمر الدعوة الاسلامية عندما كان واجبه يقتصر على الوعظ والإرشاد لكن وبعد تشكيل الحكومة الاسلامية في المدينة المنورة قرر المشركون اعلان الحرب والقتال ضد المسلمين وقد أخبر القرآن الكريم النبي الاعظم ﷺ بموضوع استهزاء الاقوام والأمم بأنبيائهم وأن ما حدث له في بداية بعثته عندما كان الأمر محصورا بإرشاد المشركين ووعظهم ليس أمرا جديدا أو مستحدثا: (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ۚ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ[66])، وعندما تمكن ﷺ من إقامة حكومة اسلامية تحدث القرآن الكريم عن سيرة الاقوام السابقة وقتلهم للانبياء: (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ). 

سادسا: إن ما يفعله المؤمنون في الواقع هو مبادلتهم وبيعهم لأرواحهم وأموالهم لله تعالى مقابل حصولهم على الجنة أما في مقاتلتهم لأئمة الكفر فهم إما أن ينتصروا أو يستشهدوا وهذا وعد قطعه الله على نفسه في التوراة والإنجيل والقرآن الكريم: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ[67]). 

ويأتي ذكر التوراة والإنجيل والقرآن الكريم بأسمائها لبيان المصداق والنموذج الحي لهذا الموضوع حيث تفيد هذه الاية الشريفة بأن رسالة الانبياء جميعهم كانت كذلك وعندما يقوم المؤمنون ببيع أنفسهم وأموالهم الى الله سبحانه ليشروا بها جنته فإنهم بذلك يتخلون عن ملكيتهم لتلك الانفس والأموال وبالتالي لن يجوز لهم التصرف بها دون إذن من الله نفسه وهو تعالى لن يسمح بمثل هذا التصرف إلا إذا كان الغرض من ذلك التصرف هو الدفاع عن دينه والقتال في سبيله.

سابعا: كانت محاربة الطاغوت والدفاع عن التوحيد والذود عن دين الله هي الصفة التي اتسمت بها سيرة جميع الانبياء عليهم السلام فعلى سبيل المثال كان سيدنا موسى عليه السلام وسائر أنبياء بني إسرائيل من بعده ممن لم يتوانوا عن حماية الشريعة الالهية والدفاع عنها كانوا يحكمون وفقا لأحكام التوراة ومن أهم أحكامها هي دعوة الناس الى محاربة آل فرعون والعمالقة[68]، فلم يكن من النبي موسى عليه السلام إلا أن ذكر بني إسرائيل بنعم الله وآلائه عليهم وأنه تعالى جعل فيهم الانبياء والقادة والملوك وحثهم على الامتثال لأوامر الله والدخول الى الارض المقدسة التي وعدهم الله بها[69]، لكن المرفهين من قوم موسى عليه السلام والذين فضلوا الراحة منهم أجابوا دعوته بوقاحة وقالوا: اذهب أنت ومن تبعك وربك فقاتلوا الجبارين وطهر بين المقدس منهم فيما نجلس نحن هاهنا ننتظر النتائج ونرى ما يجري: (فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ[70])، وهؤلاء أرادوا أن يقاتلوا أولئك الجبابرة والكافرين بمدد غيبي وحسب دون أن يرهقوا أنفسهم في التحرك والقتال والجهاد في سبيل الله وفي سبيل أنفسهم في حين أن المنطق الالهي لا يجوز مثل تلك الامدادات الغيبية إلا في الحالات الضرورية التي يقرر الله فيها فعل ذلك ورغم أن الله عز وجل قادر في كل زمان على الانتقام من أعدائه دون الحاجة الى مساعدة هؤلاء وغيرهم إلا أنه تعالى قضى باختبار عباده ليميز الصالح من الخبيث: (وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ[71]).

وحتى في عصرنا الحاضر نجد من المسلمين من يقول: ليس لنا من الامر شيء لننتظر ظهور صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف فهو وحده الذي يمكنه أن يصلح الارض من الفساد هؤلاء بلا شك يؤمنون بالإمام الغائب وليس الإمام القائم ولذلك ما كان جواب قوم موسى عليه السلام على دعوته لهم للجهاد في سبيل الله إلا أن قالوا: (فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا).

وأنزل الانجيل على سيدنا عيسى عليه السلام وهو مصدق للتوراة وقد صرح المسيح عليه السلام نفسه بأنه جاء مصدقا لنبوة موسى عليه السلام: (وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ[72])، ولما كان من بين أحكام التوراة ومنجزات النبي موسى عليه السلام هي الدفاع عن التوحيد ومقاتلة الفراعنة والعمالقة فإنه من غير الممكن التصور بأن سيرة النبي عيسى عليه السلام كانت مختلفة أو مغايرة لسيرة النبي موسى عليه السلام أنه اختار الانطواء على نفسه ورسالته واللجوء الى الرهبانية والتشكي يضاف الى هذا أن الله سبحانه وتعالى ولترغيب المسلمين في الجهاد وحثهم على الدفاع أخبرهم أنهم سيكونون بذلك أنصاره وأوليائه كما وقف الحواريون الى جانب سيدنا عيسى عليه السلام ودافعوا عنه كلما واجه خطرا أو دسيسة من بني إسرائيل بعدما آمنوا به (كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ[73]).

كذلك كانت السيرة العطرة لسيدنا ابراهيم الخليل وسليمان[74] وهود وشعيب عليهم السلام وكل الانبياء والمرسلين الاخرين مبنية على أساس الدفاع عن الحق والعدل.

وتشير الادلة القرآنية المذكورة وما شابهها من الادلة الاخرى الى النقاط التالية:

1. يمثل الدفاع حكما من أحكام النبوة العامة وواجبا يقع على عاتق جميع الانبياء وليس على عاتق نبينا الاعظم ﷺ وأمته فقط.

2. ليس من المنطق بمكان القول مثلا: إذا كان الدفاع والقتال حق فلماذا إذا لم يمارسه الانبياء الاخرون كسيدنا موسى وسيدنا عيسى عليهما السلام؟

3. لا يعتبر الهدف من الجهاد في الاسلام مجرد اراقة الدماء أو فتح الأمصار أو فرض الدين الاسلامي أو تعاليمه على الاخرين بأي شكل من الاشكال بل إن جوهر جميع الحروب الابتدائية هو الدفاع.

4. إما أن يكون الدفاع (وفقا للظاهر) ابتدائيا أو جزائيا.

د. دور الناس في عالمية الاسلام: ليس غريبا أن يكون الهدف الرئيسي الذي يسعى اليه المشركون هو اطفاء نور الحق تعالى: (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ[75]). ويبذل الكثير من اليهود والنصارى قصارى جهدهم ليردوا المسلمين عن دينهم ويصبحوا كافرين مثلهم: (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم[76]). وفي مقابل ذلك يريد الله عز وجل أن يجعل الدين الاسلامي دينا عالميا ظاهرا وسائدا على كل الاديان الاخرى[77]: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ[78]). ومن المعروف أن تحقق ذلك الوعد الالهي وفقا للسنة الالهية لايكون إلا بهمة الناس أنفسهم وهذا معنى قول أبي عبدالله عليه السلام: أبى الله أن يجري الاشياء الا بأسباب[79]، وليس من سبيل آخر الا أن ينتصر الدين الحق ويغلب الكفر في العالم بلا كلل ولا تعب ولا جهاد وهذا شيء مخالف للمنطق في العادة أو طي صفحة الشرك واليهودية والمسيحية بالمدد الغيبي والمعجزات (كما حدث لجيش أبرهة الذي محق بالطير الابابيل) وهذا الامر لا ينسجم مع الايات القرآنية الصريحة فالله سبحانه وتعالى قادر على اجتثاث أصول الكفر والشرك لكن ارادته اقتضت كما ذكرنا ابتلاء الناس واختبار ايمانهم (وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ[80])، فهو عز وجل يريد أن يكون فناء أعدائه ونصرة دينه على يد عباد الله المخلصين: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ[81]) وليس بالإمداد الغيبي كإرسال طيور السماء والطوفان والزلازل وغير ذلك رغم أنه عناية الله تعالى ونصره شاملان ومرافقان للناس في كل الاحوال متى هبو واستعدوا لذلك: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ[82]) وسوف تتحقق الإمدادات الغيبية والعون الالهي بشكل ملحوظ عند ظهور خاتم الاوصياء ﷺ هذا وقد هدد الله سبحانه الذين ركنوا الى الراحة وفضلوا الرفاهية أنه حتى لو تختلفوا عن نصرة دينة فإن الله لن يسمح أبدا للمشركين والكافرين الذين يسعون الى استئصال جذور الاسلام واطفاء نور الدين بهدم المراكز الدينية أو إعلاء كلمتهم فوق كلمتهم مخلصين ثابتين: (وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم[83]). وحول صفات أولياء الله المجاهدين يقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ[84])، وعليه فإن القوم الذين ذكرهم الله تعالى في هذه الاية هم: 1. أحباء الله وهو محبوبهم (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) ومن ناحية العقائدية فإن من يحب الله لا يكون إلا موحدا ومؤمنا ومن الناحية الاخلاقية والعملية فإن محبوب الله هو الناصر لحبيب الله النبي ﷺ: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ[85]).

وهكذا فإن المحبة هي أساس كل شيء مقبول ومرضي وهذا الحب ليس سوى ثمرة المعرفة الخالصة والأصلية.

2. متواضعون في تعاملهم مع المؤمنين[86] لا أذلاء وصاغرون: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)، لأن إذلال النفس وتحقيرها لا يجوز حتى مع المؤمن إلا إذا كانت الغاية من ذلك هي الحفاظ على الدين.

3. أعزاء وأقوياء وأشداء على الكافرين كالطود الشامخ والجبل الأشم: (أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ).

وهاتان الصفتان هما من الصفات الخاصة بأصحاب رسول الله ﷺ: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ[87]).

4. الذين يجاهدون في سبيل الله ول يمكن للوم الللائمين أن يثنيهم عن عزمهم أو يعمل على إخافتهم وهذا بالذات يمثل فضلا إلهيا كبيا يؤتيه الله من يشاء: (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ).

والخلاصة: فإنه مع وجود المؤامرات والمساعي العدوانية لأعداء الدين والدسائس التي يحيكونها لهدم النظام التوحيدي فإن الوعد المقطوع لئن يكون دين الله سبحانه عالميا لا يمكن تحقيقه إلا بالقتال والدفاع ومشاركة الناس جميعا ولو لا ذلك لما قال الله عز وجل: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ[88]).

وتجدر الاشارة هنا الى أن السنة الإلهية للدفاع إنما هي لاختبار الناس وابتلائهم وأما الدور الذي يلعبه المجاهدون فليس سوى وسيلة لتحقيق تلك الغاية فالله تعالى هو وحده الذي يقرر ماهية النتيجة النهائية لكل أمر لكن الواجب يقضي بوجود الانسان ومشاركته في الحدث بشكل فعال فقد قال سبحانه: (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ[89])  و(يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ[90]).

تذكير مع انتشار الدين الاسلامي في كل مكان عند ظهور الامام المهدي الموعود[91] عجل الله تعالى فرجه الشريف سيتميز العالم بخصوصية معينة سنبحثها فيما بعد وقد وعد الله سبحانه بنصرة دين الحق وإظهاره على الدين كله وهذا لا يعني أن الناس هم الذين سينصرون دينه إذ قال تعالى: (لِيُظْهِرَهُ) ولم يقل: ليظهره الناس أو لتظهروه.

هـ. حق الدفاع: من المعروف أن الاجتماع أينما وجد كاجتماع نوع الانسان وسائر الاجتماعات المختلفة النوعية التي نشاهدها في أنواع من الحيوان فإنما هو مبني على أساس الاحتياج الفطري الموجود فيها الذي يراد به حفظ الوجود والبقاء وكما أن الفطرة والجبلة أعطتها حق التصرف في كل ما تنتفع بها في حياتها من حفظ الوجود والبقاء كالإنسان يتصرف في الجماد والنبات والحيوان حتى في الانسان بأي وسيلة ممكنة فيرى لنفسه حقا في ذلك وإن زاحم حقوق غيره من الحيوان وكمال غيره من النبات والجماد وكأنواع الحيوان في تصرفاتها في غيرها وإذعانها بأن لها حقا في ذلك كذلك أعطتها حق الدفاع عن حقوقها المشروعة لها بحسب فطرتها إذ اكن لا يتم حق التصرف بدون حق الدفاع.

فالدار دار التزاحم والناموس ناموس التنازع في البقاء فكل نوع يحفظ وجوده وبقاءه بالشعور والحركة يرى لنفسه حق الدفاع عن حقوقه بالفطرة ويذعن بأن ذلك مباح له كما يذعن بإباحة تصرفه المذكور، ويدل على ذلك ما نشاهده في أنواع الحيوان من أنها تتوسل عند التنازع بأدواتها البدنية الصالحة لئن تستعمل في الدفاع والإنسان من بين بالشعور الفكري الذي يقدر به على استخدام غيره في سبيل الدفاع كما يقدر عليه في سبيل التصرف للانتفاع وله فطرة كسائر الانواع ولفطرته قضاوة وحكم ومن حكمها أن للإنسان حقا في التصرف وحقا في الدفاع عن حقه الفطري.

تبين أن الدفاع عن حقوق الانسانية حق مشروع فطري مباح الاستيفاء للإنسان. نعم، لما كان هذا حقا مطلوبا لغيره لا لنفسه يجب أن يوازن بما للغير من الأهمية فلا يقدم على الدفاع إلا إذا كان ما يفوت الانسان بالدفاع من المنافع هو دون الحق الضائع المستنقد في الأهمية الحيوية وأقد أثبت القرآن أن أهم حقوق الانسانية هو التوحيد والقوانين الدينية المبنية عليه كما أن عقلاء الاجتماع الانساني على أن أهم حقوقها هو حق الحياة تحت القوانين الحاكمة على المجتمع الانساني التي تحفظ منافع الافراد في حياتهم[92].


[1] البقرة: 216

[2] بحار الانوار: 67/ 78

[3] البقرة: 251

[4] الحج: 40

[5] بحار الأنوار: 2 / 22. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عُلَماءُ أُمَّتِي كَأَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ.

[6] من لا يحضره الفقيه: 4 / 398 - 399. قال الصدوق قدس سره: عن أبي عبد الله الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام قال: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمَعَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ وَوُضِعَتِ الْمَوَازِينُ فَتُوزَنُ دِمَاءُ الشُّهَدَاءِ مَعَ مِدَادِ الْعُلَماءِ فَيُرجعُ مِدَادُ الْعُلَمَاءِ عَلَى دِمَاءِ الشُّهَدَاءِ.

[7] الكافي: 1 / 32. قال الكليني قدس سره: عَنْ أَبِي عَبْدِ الله عليه السلام لا قَالَ: «إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَذَاكَ أَنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ بُورِثُوا دِرْهَماً وَلا دِينَاراً، وَإِنَّهَا أَورَثُوا أَحَادِيثَ مِنْ أَحَادِيثِهِمْ، فَمَنْ أَخَذَ بِشَيْءٍ مِنْهَا فَقَدْ أَخَذَ حَظَا وَافِراً، فَانظُرُوا عِلْمَكُمْ هَذَا عَمَّنْ تَأْخُذُونَهُ؟ فَإِنَّ فِينَا أَهْلَ الْبَيْتِ فِي كُلِّ خَلَفٍ عد ولا يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ.

[8] الفتح: 4 .

[9] الصافات: 173 .

[10] (يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ).

[11] (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ

[12] تفسير الميزان: 2 / 64 .

[13] الحجر: 94-95

[14] المزمل: 10

[15] المؤمنون: 96 فصلت: 34

[16] المائدة: 13

[17] الغاشية: 22

[18] الاحزاب: 48

[19] النساء: 77

[20] الحج: 39

[21] التوبة: 5

[22] التوبة: 36

[23] التوبة: 29

[24] التحريم: 9، التوبة 73

[25] التوبة: 123

[26] الفرقان: 52

[27] الانفال: 39

[28] جواهر الكلام: 21/ 11-14. قال صاحب الجواهر: وكيف كان فلا إشكال في أصل الحكم بعد الامر به والحث الاكيد عليه كتابا وسنة بل هو إن لم يكن من الضروريات فلا ريب في كونه من القطعيات. نعم، قد يمنع الوجوب، بل قد يقال بالحرمة لو أراد الكفار ملك بعض بلدان الإسلام أو جميعها في هذه الأزمنة، من حيث السلطنة مع إبقاء المسلمين على إقامة شعار الإسلام و عدم تعرضهم في أحكامهم بوجه من الوجوه، ضرورة عدم جواز التغرير بالنفس من دون إذن شرعي، بل الظاهر اندراجه في النواهي عن القتال في زمن الغيبة مع الكفار في غير ما استثني، إذ هو في الحقيقة إعانة لدولة الباطل على مثلها. نعم، لو أراد الكفّار تحو الاسلام ودرس شعائره وعدم ذكر محمد ﷺ وشريعته فلا إشكال في وجوب الجهاد حينئذ ولو مع الجائر، لكن بقصد الدفع عن ذلك لا إعانة سلطان الجور، بل الإجماع بقسميه عليه، مضافاً إلى النصوص بالخصوص التي تقدم بعضها، وإلى عموم الأمر بالقتال في الآيات المتكثرة الشاملة للفرض، بل ظاهر الأصحاب أنه من أقسام الجهاد فتشمله حينئذ آياته ورواياته، وإن كان لا يشترط فيه الشرائط الخاصة التي هي للجهاد الابتدائي.

[29] راجع روض الجنان: 3 / 69

[30] البقرة: 40

[31] الاعراف: 179

[32] يس: 70

[33] فاطر: 22

[34] النحل: 97

[35] غُرر الحكم: 1 / 145 .

[36] الأنفال: 24 .

[37] قال القمي في تفسير: 6/5: ووجه آخر من الحياة وهو دخول الجنة وهو قوله (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) يعني الخلود في الجنة والدليل على ذلك قوله. (إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) وقال أمين الإسلام الطبرسي تتمثل في مجمع البيان: 4 / 401: (إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) قيل فيه أقوال أحدها: إن معناه: إذا دعاكم إلى الجهاد واللام في معنى إلى. قال القتيبي هو الشهادة فإنّ الشهداء أحياء عند الله تعالى. وقال الجبائي: أي دعاكم إلى إحياء أمركم وإعزاز دينكم بجهاد عدوّكم مع نصر الله إياكم، وهو معنى قول الفراء. وثانيها: إن معناه: إذا دعاكم إلى الإيمان فإنّه حياة القلب والكفر موته ـ عن السدي. وقيل: إلى الحق - عن مجاهد. وثالثها: إن معناه: إذا دعاكم إلى القرآن والعلم في الدين؛ لأن الجهل موت والعلم حياة والقرآن سبب الحياة بالعلم وفيه النجاة والعصمة ـ عن قتادة. ورابعها؛ إن معناه: إذا دعاكم إلى الجنة لما فيها من الحياة الدائمة ونعيـم الأبــد ـ عن أبي مسلم. وقال العروسي في تفسير نور الثقلين: 3/ 155 عن أبي جعفر عليه السلام في قوله(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) يقول: «ولاية علي بن أبي طالب له فإن اتباعكم إياه وولايته أجمع لأمركم وأبقى للعدل فيكم».

[38] الروم: 30

[39] الاعراف: 45 الحج :25

[40] البقرة: 109

[41] البقرة: 217

[42] النساء: 102

[43] الحديد: 25

[44] البقرة: 251

[45] الحج: 40

[46] الاسراء: 70

[47] البقرة: 30

[48] الروم: 30

[49] البقرة: 251

[50] ص: 71-72.

[51] (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا)

[52] الاحزاب: 72

[53] (وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا

[54] (إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا)

[55] (وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا

[56] (وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا

[57] (وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا

[58] (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)

[59] (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ

[60] (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً

[61] الحج: 40

[62] الحج: 40

[63] الحديد: 35

[64] آل عمران: 146

[65] آل عمران: 21

[66] يس: 30

[67] التوبة: 111

[68] قال صاحب تفسير كنز الدقائق: 2/ 118: إن جالوت ومن معه من العمالقة كانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين فظهروا على بني اسرائيل فأخذوا ديارهم وسبوا أولا دهم وأسروا من أبناء الملوك أربعمائة وأربعين فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم وهذا معنى قوله تعالى: (قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ) العمالقة قوم من العصر السامي يعيشون في شمال شبه جزيرة العرب بالقرب من صحراء سيناء وقد هاجموا معصر واستولوا عليها لفترات طويلة ودامت حكومتهم حوالي (500) عام منذ عام 2213 قبل الميلاد حتى عام (1703) قبل الميلاد (دائرة المعارف فريد وجدي: 60/ 232).

[69] (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ * يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ).

[70] المائدة: 24

[71] محمد: 4

[72] آل عمران: 50

[73] الصف: 14

[74] تشير الايات الشريفة من 30 الى 37 من سورة النمل الى سيرة سيدنا سليمان عليه السلام في الدفاع عن التوحيد والقيم الدينية.

[75] التوبة: 32

[76] البقرة: 109

[77] في بيان موجز ورائع تناول الاستاذ جعفر السبحاني موضوع الجهاد في الاسلام في كتابه مفاهيم القرآن: 492-494 وفيما يلي بعض ما ذكره الاستاذ يعتبر الجهاد في منطق الدين الاسلامي وسيلة الى بقاء الدين واستمرار وجوده بل وبقاء الأمة الاسلامية وصيانه كيانها من السقوط والانهيار وال بد للوقوف على هذه الحقيقة من تقديم مقدمة ضرورية فنقول الجهاد ضرورة حياتية عندما نطالع حياة الموجودات الحية نجد أنها تقوم بثلاثة نشاطات تضمن بقاءها وحياتهاوهذه النشطات هي: أولا: التنفس وجذب الغذاء الموانع ودفع المزاحم وطرد المواد الزائدة والمضرة إن حياة كل كائن حي ملازمة لهذه النشاطات الثلاثة بل ومدينة لها فلا تخلو عنها ولا تفارقها ولما كان الاسلام ظاهرة حياتية وان لم تكن ظاهرة مادية بل ظاهرة إلهية فإنه لا يخلو بدوره عن هذه النشاطات والفعاليات الثلاث ولا يستغني عنها فالدين الاسلامي بحاجة في بقائه واستمرار حياته ووجوه الى هذه الامور الثلاثة وأخص بالذكر الامر الثالث فإن الاسلام لكونه رسالة الهية منزلة لهداية البشرية يسعى الى تغيير العادات والتقاليد البالية والاوضاع الفاسدة والنظم الباطلة ولذلك من الطبيعي أن يواجه معارضة من يخالف هذا التغير مصالحهم ويتعارض مع أهدافهم ومطامعهم وعندئذ يجب عل هذا الدين أن يقوم بدفع هذه الموانع ويكتسح تكلم الحواجز ليمضي قدما في أداء رسالته وتحقيق أهدافه إن هناك فرقا واضحة بين المذهب الفلسفي والدين الالهي فالفيلسوف يكتفي ببحث الامور الفلسفية لمجرد التوضيح أو النقد وينشر أفكاره وتحليلاته بين الناس ليقفوا عليها ويعرفوها دون أن يرى الزامهم بشيء منها فهو لا يهمه سوى طرح أفكاره والدفاع عنها بقاطع البرهان وواضح الدليل وأما الدين الالهي فليس مذهبا فلسفيا ليكتفي بمجرد البيان والتوضيح ويحصر همته في النقد والاشكال إنما هو ثورة إصلاحية وعملية تغييرية تهدف الى اقامة نظام صالح عادل فوق ركام الانظمة الفاسدة والاوضاع المنحطة وبديهي أنه لا يتحقق ذلك دون مواجهة الموانع وقيام الصراعات والحروب مع الجهات والقوى المعارضة لهذا التغيير فهل في العالم حركة تغييرية استطاعت تحقيق أهدافها دون خوض الصراعات الحامية ودون نشوب الحروب وسقوط الضحايا أو إراقة محجمة دم؟ هل استطاعت الثورة الفرنسية أن تتجنب اراقة الدماء؟ وهل نجحت الثورة الروسية إلا بعد سقوط الملايين من القتلى؟ وهل حققت الثورة الهندية أهدافها الا عبلا المئات من القرابين البشرية؟ نعم إن ما يفرق به الجهاد الاسلامي عن الحروب الاخرى التي تفرضها الحركات التغييرية الاخرى هو تجنب الاسلام عن الحروب واراقة الدماء قدر الامكان والقيام بذلك من باب الضورة وفي حدود الانسانية والرحمة هذا مضافا الى بقية الفوارق التي تتجسّد في أحكام الجهاد الإسلامي... وصفوة القول: إن أية ثورة إصلاحية وحركة تغييرية تتطلب بحكم الضرورة هذه المواجهات الساخنة دفعاً للمزاحم ودفعاً للموانع والحواجز، وإلّا ماتت هذه الثورة في المهد، كما تموت الخلية الحية إذا تركت ذلك. ولهذا وصفه القرآن بأنه وسيلة للحياة والبقاء والاستمرار إذ قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) وبعبارة واضحة: إنّ الإسلام نظام إجتماعي ثوري لمير العالم نظيره قط، فهو بما أنه رسالة إلهية تضمن سعادة البشر، يرى لنفسه حق التوسعة والتعميم، ولأجل ذلك يسعى لرفع الموانع والحوجز بأسهل الطرق وأعدلها. فيبتدئ بالتبليغ والتعليم والبحث والمجادلة والتوجيه والإرشاد، فإذا رأى أن المانع لا يرتفع إلا بقوة قاهرة يسعى لرفع الموانع بتلك القوة، وإليه يشير قوله سبحانه: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) وليس هذا يختص بالدين الإسلامي، بل كان هذا هو طريق الأنبياء ومنهاجهم في الدعوة إلى طريق الحق.

[78] التوبة: 33.

[79] الكافي: 1 / 183؛ بحار الأنوار: 2/ 90 نص الحديث :هو: عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: أَبَى اللهُ أَنْ تُجْرِيَ الأَشْيَاءَ إِلَّا بِأَسْبَابٍ، فَجَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا، وَجَعَلَ لِكُلِّ سَبَبٍ شَرْحاً، وَجَعَلَ لِكُلِّ شَرح عِلْمًا، وَجَعَلَ لِكُلِّ عِلْمٍ بَاباً نَاطِقَا عَرَفَهُ مَنْ عَرَفَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ، ذَاكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ.

[80] محمد: 4.

[81] البقرة: 251.

[82] الحج: 40.

[83] محمد: 38.

[84] المائدة: 54. لا ريب في أنّ التخلف عن الجهاد والتملص من الدفاع عن الدين يُعتبر ارتداداً عملياً، ولهذا تُصوّر هذه الآية وبالاستناد إلى سياقها بأن الارتداد هنا هو ارتداد عملي رغم أن إطلاقها يشمل كذلك الارتداد في العقيدة، وهو مصداق القول القائل: «ارْتَدَّ النَّاسُ إِلَّا ثلاثة نفر» (بحار الأنوار: 28 / 239)، وهو بمثابة ارتداد عن الولاية والإمامة لأن آل البيت عليهم السلام كانوا يتعاملون مع الأنفار الثلاثة المذكورين وفقاً لتعاليم الإسلام وأحكامه وكذلك كان يفعل بقية المسلمين معهم، ولم يفرّقوا بينهم في جميع شؤون الحياة سواء في النكاح أو الطهارة أو المعاملات وغير ذلك.

[85] آل عمران: 31.

[86] فوصف من عناه بالتواضع للمؤمنين والرفق بهم، والعزة على الكافرين؛ والعزيز على الكافرين هو الممتنع من أن ينالوه مع شدّة نكايته فيهم ووطأته عليهم، وهذه أوصاف أمير المؤمنين عليه السلام التي لا يُدانى فيها ولا يُقارب. وقد علمنا أن أصحاب الرسول ﷺ بين رجلين: رجل لا عناء له في الحرب ولا الجهاد، وآخر له جهاد وعناء، ونحن نعلم قصور كل مجاهد عن منزلـة أمـير المؤمنين عليه السلام في الجهاد، فإنّهم مع علو منزلتهم في الشجاعة وصدق البأس لا يلحقون منزلته ولا يقاربون رتبته؛ لأنه عليه السلام المعروف بتفريج الغمم وكشف الكرب عن وجه الرسول ﷺ وهو الذي لم يحم قط عن قرن، ولا نكص عن هول، ولا ولى الدبر، وهذه حالة لم تسلم لأحد قبله ولا بعده». (التبيان في تفسير القرآن: 3 / 552).

[87] الفتح. 29.

[88] البقرة: 193.

[89] محمد: 7؛ راجع: تفسير الميزان: 2 / 64 - 69. قال الأستاذ العلامة الطباطبائي مثل: (وليس المراد بالإحسان في قوله تعالى: (وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) الكف عن القتال أو الرأفة في قتل أعداء الدين وما يشبهها، بل الإحسان هو الإتيان بالفعل على وجـه حسـن بالقتال في مورد القتال، والكفّ في مورد الكفّ، والشدة في مورد الشدّة، والعفو في مورد العفو، فدفع الظالم بما يستحقه إحسان على الإنسانية باستيفاء حقها المشروع لها، ودفاع عن الدين المصلح لشأنها، كما أن الكف عن التجاوز في استيفاء الحق المشروع بما لا ينبغي إحسان آخر ومحبة الله سبحانه وتعالى هو الغرض الأقصى من الدين وهو الواجب على كل متدين بالدين أن يجلبها من ربه بالاتباع وقد بدأت الآيات الشريفة - وهي آيات القتال - بالنهي عن الاعتداء وأن الله لا يحب المعتدين، وختمت بالأمر بالإحسان وأن الله يحب المحسنين، وفي ذلك من وجوه الحلاوة ما لا يخفى الجهاد الذي يأمر به القرآن كان القرآن يأمر المسلمين بالكف عن القتال والصبر على كل أذى في سبيل الله سبحانه وتعالى، كما قال سبحانه وتعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) ثم نزلت آيات القتال فمنها آيات القتال مع مشركي مكة ومن معهم بالخصوص كقوله تعالى (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) ومن الممكن أن تكون هذه الآية نزلت في الدفاع الذي أمر به في (بدر) وغيرها، وكذا قوله: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) ومنها: آيات القتال ع أهل الكتاب، قال تعالى (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) ومنها: آيات القتال مع المشركين عامة، وهم غير أهل الكتاب كقوله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ)، وكقوله تعالى: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) ومنها ما يأمر بقتال مطلق الكفار كقوله تعالى (قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) وجملة الأمر أن القرآن يذكر أن الإسلام ودين التوحيد مبني على أساس الفطرة وهو القيم على إصلاح الإنسانية في حياتها كما قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) فإقامته والتحفظ عليه أهــم حقوق الإنسانية المشروعة، ثُمّ يذكر أنّ الدفاع عن هذا الحق الفطري المشروع حق آخر فطري؛ قال تعالى(وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)، فبين أن قيام ديــن التوحيد على ساقه وحياة ذكره منوط بالدفاع... وقال تعالى في ضمن آيات القتال من سورة الأنفال (لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) ثم قال تعالى بعد عدة آيات: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)، فسمى الجهاد والقتال الذي يُدعى له المؤمنون تجيباً ،فهم ومعناه أن القتال سواء كان بعنوان الدفاع عن المسلمين أو عن بيضة الإسلام أو كان قتالاً، ابتدائياً، كل ذلك بالحقيقة دفاع عن حق الإنسانية في حياتها، ففي الشرك بالله سبحانه هلاك الإنسانية وموت الفطرة، وفي القتال وهو دفاع عن حقها إعادة لحياتها وإحيائها بعد الموت. ومن هناك يستشعر الفطن اللبيب إنّه ينبغي أن يكون للإسلام حكم دفاعي في تطهير الأرض من لوث مطلق الشرك وإخلاص الإيمان الله سبحانه وتعالى، فإنّ هذا القتال الذي تذكره الآيات المذكورة إنّما هو لإماتة الشرك الظاهر من الوثنية، أو لإعلاء كلمة الحق على كلمة أهل الكتاب بحملهم على إعطاء الجزية، مع أن آية القتال معهم تتضمن أنهم لا يؤمنون بالله ورسوله ولا يدينون دين الحق، فهم وإن كانوا على التوحيد لكنهم مشركون بالحقيقة مستبطنون ذلك، والدفاع عن حق الإنسانية الفطري يوجب حملهم على الدين الحق. والقرآن وإن لم يشتمل من هذا الحكم على أمر صريح، لكنه يبوح بالوعد بـيــوم للمؤمنين على أعدائهم لا يتم أمره إلا بإنجاز الأمر بهذه المرتبة من القتال وهو القتال لإقامة الإخلاص في التوحيد... فهذا ما وعده تعالى من تصفية الأرض وتخليتها للمؤمنين يــوم لا يعبـد فـيـه غـيـر الله حقا.

[90] التوبة: 14.

[91] قال الأستاذ العلامة الطباطبائي: وربما يتوهم المتوهم: إنّ ذلك وعد بنصر - إلهي بمصلح غيبي من غير توسل بالأسباب الظاهرة، لكن ينافيه قوله: (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ) فإن الاستخلاف إنّما هو بذهاب بعض وإزالتهم عن مكانهم ووضع آخرین مقامهم، ففيه إيماء إلى القتال، على أن قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ) يشير إلى دعوة حقة ونهضة دينية ستقع عن أمر إلهي، ويؤيد أن هذه الواقعة الموعودة إنّما تقع عن دعوة جهاد. وبما مر من البيان يظهر الجواب عما ربّما يُورد على الإسلام في تشريعه الجهاد بأنه خروج عن طور النهضات الدينية المأثورة عن الأنبياء السالفين، فإن دينهم والسبي والغارات، ولذلك ربما إنما كان يعتمد في سيره وتقدّمه على الدعوة والهداية دون الإكراه على الإيمان بالقتال المستتبع للقتل سماه بعضهم كالمبلغين من النصارى بدين السيف والدم، وآخرون بدين الإجبار والإكراه.

[92] راجع: تفسير الميزان: 2 / 69 - 71 .

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد