من التقليد إلى الثورة
المؤلف:
شوقي جلال
المصدر:
على طريق توماس كون رؤية نقدية لفلسفة تاريخ العلم في ضوء نظرية توماس كون
الجزء والصفحة:
ص58
2026-07-08
34
وهي أن التطوُّر التاريخي للعلم يسير في تطورٍ تدريجيٍّ يفضي إلى قفزةٍ كيفية لتكون منطلقًا لمرحلة تراكمٍ كمي جديدة. ويعنينا هنا الإشارة إلى مدرسة لها نهجٌ متميز، اتخذَت لمبحثها في مجال فلسفة وتاريخ العلم عنوانًا خاصًّا مُعبِّرًا وهو «علم العلم»، ولكن قبل أن نتحدَّث عنها نرى ضروريًّا الإشارة إلى إمام وعمدة تاريخ العلم في العصر الحديث، لجهده المتميِّز وأثَره العميق الممتد حتى الآن، ونعني به فيلسوف تاريخ العلم الفرنسي جاستون باشلار BacheLard (1884–1962م)
أدرك باشلار طبيعة أزمة الوضعية الجديدة والنزعة الشكلية المنطقية؛ ومن ثَم حاول استحداث فلسفةٍ جديدةٍ تتسق مع «الروح العلمي الجديد»؛ أي روح العلم غير الكلاسي، وسمَّى مذهبه الجديد «العقلانية التطبيقية» و«العقلانية الجدلية» و«العقلانية التقنية». وتتميز مؤلفاته بقيمتها الكبيرة في تحليل العلم الحديث ودوره في المجتمع. وقد طُبعَت كتبه أكثر من ثلاثين طبعةً ولا تزال يُعاد طبعها حتى الآن. ويرى باشلار أن الروح العلمي الجديد نشأ مع ميلاد الثورتَين العلميتَين الحديثتَين وهما نسبية أينشتين وميكانيكا الكم عند ماكس بلانك.
رفض جاستون باشلار ما ذهبَت إليه الوضعية ابتداءً من أوجست كُونت ورأيه عن المراحل الثلاث للتطوُّر، وهو الرأي الذي حاول به كُونت تفسير تاريخ نُشوء وتطوُّر المعرفة. وبنى رفضه على أساس أن الخاصية الأساسية لمذهب كُونت هي الاستمرارية، بينما تاريخ العلوم في رأيه يتطوَّر وفقًا لخاصية الاستمرارية، علاوةً على أنه يخضع كذلك لمبدأ الانقطاع أو الانفصال coupure بين المراحل المختلفة التي يمرُّ بها العلم في تطوُّره، وأن العقل العلمي يرقى ويتطوَّر عَبْر هذه المراحل؛ ولهذا انتقد باشلار الرأي القائل بأن تاريخ الفكر بشكلٍ عام، وتاريخ العلم بشكلٍ خاص يتسم بالاستمرارية؛ إذ إن هذا يعني أن العقل يظل هو ذاته عَبْر كل مراحل تطوُّره؛ ومن ثَم يصبح التاريخ تكرارًا عقيمًا. ويضع باشلار مفهومَين أساسيَّين يُفسِّر بهما نشأة المعرفة العلمية وتطوُّرها وهما مفهوم «القطيعة المعرفية» ومفهوم «العقبة المعرفية». ويكوِّن المفهومان معًا جدل تاريخ العلم عند باشلار. ويُعنى بالعقبة المعرفية والمكبوتات الفعَّالة ويُناظِر بينها وبين اللاشعور عند فرويد الذي يؤثِّر في سلوك الإنسان وفي اختيارات وتوجُّهات الباحث.
وذهب باشلار إلى أن تاريخ المعرفة العلمية يتقدَّم من خلال التغلُّب على العقبات. مثل الجهل والأخطاء، وهي عقباتٌ تزيد من غموض المشكلات التي يسعى العقل جاهدًا إلى التغلُّب عليها.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في الفيزياء وفلسفة العلم
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة