معنى تأويل النصوص الدستورية
المؤلف:
محمد جبار طالب الموسوي
المصدر:
السياسة القضائية للمحكمة الاتحادية العليا في العراق
الجزء والصفحة:
145-147
2026-07-02
45
لبيان معنى التأويل سنتطرق لتعريفه وتمييزه عن التفسير وننتهي بشروطه ، وسنبحث كل منها على النحو الآتي :-
أولاً / تعريف التأويل -: عرف أهل اللغة التأويل على أنه توجيه اللفظ الى معان مختلفة بما ظهر من الادلة (1) ، كما عُرف أنه صرف اللفظ عن المعنى الراجح الى المعنى المرجوح لدليل يقترن به (2) .
وعرفه فقهاء القانون أنه بيان للنص من خلال الانتقال من المعنى الظاهر الى المعنى غير الظاهر (3) ، كما عُرف أنه أعطاء النص الواجب تطبيقه على الدعوى معنى غير معناه الحق (4) .
ويبدو ان التعريفات تدور حول محور واحد مفاده وجود تحول من تطبيق ظاهر النص الذي قد يشوبه الظن الى المعنى غير الظاهر لوجود دليل يقتضي ذلك ، وهي تشير الى ان التأويل بمجمله عملية قانونية يمارسها القاضي بمناسبة نزاع معروض أمامه لمواجهة صعوبات في صياغة النصوص أو تطبيقها ويتوجب تحقيق العدالة فيه .
والقضاء الدستوري قد يمارس التأويل المباشر لنصوص الدستور بمناسبة طلب تفسير نص دستوري من جهات دستورية معينة ، أو يمارسه بصورة غير مباشرة عند رقابته على دستورية القوانين.
ثانيا / تمييز التفسير عن التأويل : .... ان التفسير القضائي يسعى لازالة غموض أو نقص النصوص أو أزالة التعارض فيما بينها ، ويبدو ان هنالك ارتباط وثيق بين التفسير والتأويل فكلاهما نشاط ذهني صادر من جهة واحدة على نص واجب التطبيق في منازعة معروضة امام القضاء، ويلجأ لهما القاضي لتوليد اليقين القضائي للواقعة محل النزاع (5) .
بيد ان بعض الحذاق في اللغة ذهبوا الى وجود بعض الاختلافات بين التفسير والتأويل في أمور عدة منها :-
1- مجال التفسير أوسع من التأويل في التطبيق العملي ، لان التفسير وفق المفهوم الواسع يستعمل لازالة الغموض وسد النقص أو أزالة التعارض ، في حين ينحصر التأويل في مجال النصوص الظنية التي يتوجب أحتوائها على دليل لصرف اللفظ الظاهر الى المعنى غير الظاهر وهذا بلا شك مجاله اقل مساحة من التفسير (6) .
2- يستعمل التفسير لبيان معنى ألفاظ أو مفردات في نص ، بخلاف التأويل الذي يستعمل في الجمل والمعاني (7) .
3- التفسير يرتكز على وسائل من داخل النص أو من خارجه ، بينما يرتكز التأويل على دليل من ضمن النص (8) .
4- مبررات اللجوء للتفسير هي غموض النصوص أو نقصها او تعارضها ، بينما مبررات التأويل تتمحور حول رعاية مصلحة أو لضرورة أوجبتها العدالة (9) .
ومما تقدم يتبين أن التفسير يتميز عن التأويل وهما ليسا مترادفين ، فمفهوم التفسير يختلف عن مفهوم التأويل ، وأن كان كل منهما يسعى لغاية واحدة وهي فهم النص وتطبيقه على الوقائع بصورة صحيحة .
ثالثاً / متطلبات وشروط التأويل : أذ يتطلب لتأويل نصوص الدستور أو أي نص آخر فهم القاضي للواقع ولوقائع القضية ، وينصرف فهم الواقع لوضع جميع العناصر اللازم أخذها بنظر الاعتبار وفهمها بصورة عقلانية لاصدار الحكم بصورة متكافئة ، والتأويل بهذه الصورة أن دل على شئ أنما يدل على تأكيد الاحترام بين الواقع والنص (10) .
كما يتطلب لتأويل النصوص فهم القاضي للنصوص أي تلك القواعد العامة المجردة المكتوبة ، والمراد تطبيقها على النزاع (11) ، ويُلزم لتأويل النصوص مراعاة العدالة والانصاف وأعطاء كل ذي حق حقه ووضع الامور في مواضعها الصحيحة ، وهذا يتم من خلال المساواة الحقيقية التي تظهر بمظهر الحلول المرضية في الحكم القضائي (12) .
ولكي يكون التأويل الذي يمارسه القضاء الدستوري عادلا ينبغي ان يتميز بضوابط دستورية تمنعه من الوقوع في الشطط عند أستعماله ، وأهمها الاستقلالية والحياد والكفاءة والتجربة والنزاهة فضلا عن المصداقية والتوازن (13) .
أما شروط التأويل فأهمها ان يكون النص الخاضع للتأويل دلالته ظنية ويحتمل أكثر من حكم واحد ، فأن كانت دلالة النص قطعية فلا يجوز للقاضي العدول لتأويله (14) ، كما يشترط ان يظهر التأويل متوائما مع المعنى المحتمل للفظ المؤول (15)
ومن الشروط الواجب توافرها في اجراءات التأويل هو وجود دليل يؤيد رجاحة المعنى المحتمل ،اذ بخلاف ذلك يجب على القاضي العمل بالنص الظاهر حتى يقوم دليل خلاف ذلك (16) ، كما ان وجوب ضرورة امتلاك القائم بالتأويل الاهلية والخبرة الكافية لاستنباط المعاني والاستدلال عنها بما يوافق اللغة والعرف القانوني (17) ، فضلا عن وجود المصلحة او الحاجة الملحة والضرورية والسبب الباعث للجوء القاضي للتأويل (18).
ومما تقدم يظهر أن متطلبات وشروط التأويل لها اهمية في اختيار المعنى الحقيقي للنص المؤول والذي ينطبق على الواقعة وصولاً للحكم العادل .
____________
1- حاجي خليفة ، كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون ، دار أحياء التراث العربي ، بيروت ، 2006 ، ص 242
2- جلال الدين السيوطي ، الإتقان في علوم القرآن ، ج 2، دار الندوة الجديد ، بيروت ، بدون سنة طبع ، ص173
3- لمزيد من التفصيل د. مصطفى إبراهيم الزلمي ، أصول الفقه الإسلامي في نسيجه الجديد ، شركة الخنساء للطباعة ، بغداد . 1999 ، ص 221
4- د. عبد الرزاق عبد الوهاب، الطعن في الاحكام بالتمييز في قانون المرافعات المدنية، دار الحكمة للطباعة والنشر ، بغداد ، 1991 ، ص 165
5- د. مصطفى إبراهيم الزلمي ، أصول الفقه الإسلامي في نسيجه الجديد ، شركة الخنساء للطباعة ، بغداد . 1999 ، ص 453
6- د. عصمت عبد المجيد بكر ، أصول تفسير القانون، مكتبة السنهوري، بغداد ، 2009 ، ص 5- 6
7- د. مصطفى إبراهيم الزلمي ، أصول الفقه الإسلامي في نسيجه الجديد ، شركة الخنساء للطباعة ، بغداد . 1999 ، ص 453
8- د. حسن كيرة ، المدخل الى القانون ، منشأة المعارف، الاسكندرية ، 2000 ، ص 399
9- د . علي هادي الهلالي ، النظرية العامة في تفسير الدستور ، المصدر السابق ، ص 20
10- د. محمد حسین منصور، نظرية القانون ، دار الجامعة الجديدة ، الاسكندرية ، 2004 ، ص 287
11- د. مصطفى أبراهيم الزلمي، المصدر السابق ، ص 455
12- د. عبد السلام الترمانيني، الوسيط في تاريخ القانون والنظم القانونية، منشورات جامعة حلب ، حلب - سوريا ، 1996 ، ص 660
13- د. رشيد المدور ، تأويل الدستور بحث منشور في مجلة القانون الدستوري والعلوم الادارية العدد الاول – المانيا برلين 2018 ، ص 18
14- د. مصطفى أبراهيم الزلمي، المصدر السابق ، ص 450
15- د. أحمد فراج حسين ، أصول الفقه الاسلامي ، منشورات الحلبي الحقوقية ، بيروت ، 2004 ، ص252
16- د. مصطفى أبراهيم الزلمي، المصدر السابق ، ص 449
17- محمد محي الدين عبد الحميد ، الاحوال الشخصية في الشريعة الاسلامية ، المكتبة العلمية ، بيروت ، 2007 ، ص78
18- د. مصطفى ابراهيم الزلمي ، المصدر السابق ، ص 450
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون الدستوري و النظم السياسية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة