1ـ مؤشرات حركة الوفيات في العالم : يبدو أن الإنسان بذل الكثير من الجهود في سبيل معرفة أسباب الموت والحد من تلك الأسباب التي تؤدي بالموت الجماعي، وذلك عبر مراحل التاريخ البشري الطويل وهكذا يعتبر منتصف القرن الثامن عشر البداية التاريخية لآثار العناية الطبية في صحة الإنسان، ويعود الفضل في ذلك إلى التقدم الكبير في دراسات التشريح، وإلى استعمال المخدر في بداية القرن التاسع عشر، وإلى استعمال المواد المطهرة في العمليات الجراحية، ثم تزايدت كفاية وقدرات علم الطب، وبدأ الاهتمام بشن الحملات الواسعـة ضـد الأوبئة والأمراض المعدية وبفضل أبحاث (جنر (Jenner) بعد عام (1796) أصبح التلقيح ضد الجدري واسع النطاق وكان يسهم هذا الوباء بنسبة (10%) من مجموع الوفيات وتصل إلى (30%) من مجموع وفيات الأطفال ممن تقل أعمارهم عن (4) سنوات سميث، 1972 لقد استفادت معظم دول العالم من استعمال مادة (D.D.T) في القضاء على بعوض الملاريا فاستئصل هذا المرض في سيرلانكا وقد وفر ذلك للدولة (30,000,000) دولار سنوياً وهو ستة أضعاف ما أنفق في مكافحته ويقدر في أفغانستان حوالي (10,000,000) نسمة كانوا تحت خطر هذا المرض وهم من الفلاحين ويُقدر أن تصل الخسائر المتسببة عنه في المكسيك إلى حوالي (175,000,000 دولاراً سنوياً بينما بلغت كلفة القضاء عليه (20,000,000) دولاراً فقط، ويقدر أن الهند كانت تخسر سنوياً بسـبـبـه حـوالي (50,000,000 دولاراً سنوياً بينما لم يكلفها استئصاله نصف هذا المبلغ وهكذا فإن استعمال مركبات السلفا والمواد المضادة للحيوية (Anti botic) وغيرها من الأدوية التي ساهمت في السيطرة على الأمراض المعدية كانت من العوامل الأساسية . في ظاهرة تقليص معدلات الوفيات وبالتالي النمو السكاني المتسارع 1969 ,Parks ولم يقتصر الأمر في نقص معدلات الوفيات على التقدم الطبي إذ لابد أن نذكر آثار التقدم التي حصلت في توفير الغذاء وطرق النقل والمواصلات والصناعة فهي كلهـا تشترك في تطور المستوى المعاشي مما تنعكس آثاره في توقعات أمد الحياة ومعدل عمر الإنسان، اعتمادا على الحقائق السابقة يمكن أن تحدد الاتجاه العام في حركة الوفيات رغم ما فيه الكثير من ظواهر التذبذب وهذا الاتجاه لاشك لا يتضمن الوفيات الحاصلة بسبب الحروب فهي حالات شاذة وليست جزء من الاتجاه العام لحركة الوفيات.
(أ) المرحلة المبكرة في تقليص معدل الوفيات : وهي بصورة عامة قد بدأت في مطلع القرن الثامن عشر فبعد أن كان معدل الوفيات يصل إلى 40 بالألف هبط إلى 9 بالألف في الوقت الحاضر وكانت دول شمال وغرب أوروبا هي التي شهدت هذه المرحلة، ومنها انتشرت نحو أوروبا وإلى دول العالم المتقدمة في الولايات المتحدة وكندا وأستراليا تدريجياً مع تطور الاقتصاد والمجتمع فيها .
(ب) المرحلة المتأخرة في تقليص معدلات الوفيات: ولعل مطلع النصف الثاني من هذا القرن هو البداية الجدية لهذه المرحلة وتقترن هذه المرحلة مع حركة التحرر السياسي لشعوب العالم الثالث في آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية لقد نتج عن حركة الاستقلال السياسي لهذه الشعوب استقلالها الاقتصادي، والاستفادة من ثرواتها الوطنية في التنمية والتخطيط فتطوير الزراعة وبناء الصناعة وقاعدة للنقل والمواصلات، وشبكة من الخدمات البلدية، وتحسين واقع الخدمات الصحية، ونشر الثقافة والتعليم كلها عوامل اقتصادية اجتماعية اشتركت في خفض معدلات الوفيات في هذه الدول، وهذا الهبوط هو المرتكز الأساس الذي يعتمده نمو السكان السريع في العالم منذ فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وسوف يبقى فعل هذا الهبوط عظيماً حتى تدخل شعوب هذه الدول مرحلة القناعة بتحديد النسل وضبطه والحقيقة أن دول هذه المرحلة ما زالت لم تصل إلى مستوى تحقيق الإحصاء الحيوي الدقيق والشامل فيصعب إجراء الدراسات المقارنة فيها. إلا أننا نستطيع أن نستفيد من معطيات التعدادات السكانية في هذا المجال. إن هذه الدول في العالم ذات معدل يتراوح حول (25) بالألف خلال النصف الأول من هذا القرن ويبدو أن هذا المعدل قد هبط في العديد منها إلى دون (20) بالألف لاسيما في العقدين الآخرين وهنا لابد من الإشارة إلى اختلاف معدل الوفيات عن معدل الولادات في ثلاث نواحي رئيسة على الأقل هي :
1ـ إن مستوى الوفيات أقل كثيراً من مستوى الولادات في العصر الحديث على الأقل وفي معظم دول العالم، فالولادات أكثر من الوفيات. فعلى سبيل المثال نذكر الولايات المتحدة الأمريكية قد تدنى فيها معدل الولادات إلى أقل مستوى عام (1936) فإن هناك (2,250,000) مولوداً حصلت فيها (1,480,000) وفاة وفي فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وصل معدل الولادات إلى قمته فكان هناك (3,820,000) مولوداً و(1,450,000) وفاة فقط مما أدى إلى إضافة (1,370,000) نسمة إلى السكان نتيجة للزيادة الحيوية لوحدها، ونظراً لأن معدل الولادات أعلى من معدل الوفيات بصورة عامة فإن السكان يميلون إلى الزيادة وهذه هي الحقيقة التي جعلت مبادئ (مالثوس) تحظى باهتمام كبير.
2ـ التقلبات في معدل الولادات عادة أقل وضوحاً من التقلبات في معدل الوفيات كما أنها أقل شذوذاً، والمثال لهذه الحالة قد نأخذه من الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً حيث تسبب وباء الأنفلونزا الكبير عام (1918) في ارتفاع معدل الوفيات بصورة ملحوظة مقارنة بالعامين السابق واللاحق له.
3ـ إن الحقيقة السابقة تقود إلى إمكانية التنبؤ بعدد الولادات بثقة أكبر من التنبؤ بعدد الوفيات، وذلك في حالة عدم حصول تغير ملموس بالمتغيرات ذات العلاقة.