1. حق الورثة: يُمثل القصاص حقاً ابتدائياً شرعه الله سبحانه لورثة المقتول أو أولياء الدم: (وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا[1])، لكن الحق المذكور لم يُشرع للزوجين، وما ورد في المصادر الفقهية قولها أنّ (الديــة عـوض حق القصاص الذي هو لغيرهما فلا وجه لإرثهما من عوض[2])، فلا يعني أن حق القصاص يدخل في باب الإرث.
فالقصاص ليس إرثاً رغم الحديث عن كيفية استيفاء ذلك الحق أو تقسيمه بين الورثة، فما كان يملكه الفرد من حقوق وأموال وما شابهها في حياته وثبت تملكه لها عند موته هو الذي يُمثل إرثاً يمكن للورثة الحصول عليه، وما لم يكن مالكاً لحق أو مال وكان جعله أو ثبوته متوقفاً على وفاته، فإنّه يخرج عن إطار الإرث ليصبح حقاً ابتدائياً يُترك للورثة ، فطالما كان الإنسان حياً فهو لا يمتلك حق قصاص النفس لكي يكون هذا الحق ضمن ما يتركه للورثة فيصل إلى ورثته كارث. وعلى هذا، فلو تمّ التمثيل بجثة الشخص بعد موته، فإنه لا بد من صرف الدية المأخوذة من الفاعل للاستغفار للميت وإنفاقها في أعمال الخير؛ لأن الدية المذكورة لا تعتبر جزءاً من الإرث أو التركة ليتسنى للورثة الحصول عليه[3].
ويعتبر (قصاص النفس) حقا يجعل بعد موت الشخص أما قتل المقتول ووفاته فهو بحد ذاته موضوع جعل حق القصاص لولي الدم ولذلك لم يجعل له حق القصاص وهو حي يرزق فإذا أعطي ذلك الحق بشكل أو بآخر فهو لا يمتلك صلاحية امتلاك ذلك الحق ولن يكون صاحب هذا الحق بأي شكل من الاشكال وهكذا فلا يجعل للميت مثل هذا الحق بل يذهب حق القصاص مباشرة الى أولياء المقتول أو ورثته: (وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا[4]) وقصاص النفس ليس كقصاص الاطراف حتى يكون حقا مسلما به في حياة المجني عليه وطالما لم يكن بمقدور المجني عليه استيفاء الحق المذكور في حياته فإن هذا الحق يصل الى ورثته لأن المجني عليه كان صاحب هذا الحق عندما كان حيا لكنه لم يستطع استيفاؤه.
2. استئذان ولي المسلمين: يختلف القصاص عن الحدود والديات والتعزيزات والكفارات إذ يتوقف ثبوت الحدود مطلقا على: أولا: كون أصل الجرم عملا ارتكابيا وثانيا: نسبة الجرم الى المتهم وثالثا: عدم امتلاك المجرم لأي عذر في ارتكاب الجرم لدى حاكم الشرع وذلك وفقا لبعض الضوابط مثل الايمان والبينة والاقرار وغير ذلك وبناء عليه يقوم حاكم الشرع بإنشاء الحكم لفظا ومن دون تطبيق هذه المراحل لا يمكن اثبات الحد الالهي ولا يحق لأي كان إقامة الحد ما لم ينشئ حاكم الشرع الحكم حتى وإن تم إثبات جميع الظروف والشروط المذكورة أما في حالة القصاص فإنه لا حاجة محكمة الشرع أو حكم الحاكم ويعتبر القصاص حقا ثابتا يستطيع ولي المقتول اجراءه متى شاء فإذا قام ولي المقتول قتل القاتل فإنه لا يعاقب عند الله سبحانه من الناحية الشرعية إلا أنه ولضمان تطبيق النظام وتجنب الفوضى لا بد من الحصول على إذن ولي المسلمين فإذا لجأ أولياء المتهم بالقتل المتعمد والذي قتل بحكم القصاص المفترض إذا لجؤوا الى حاكم الشرع وعجز ولي المقتول الذي اقتص من القاتل عن الاثبات في محكمة الشرع بأن الذي اتهمه بالقتل المتعمد ثم قتله هو القاتل فسيتم إعدامه أما إذا استطاع إثبات ذلك فسيتم تعزيزه وتوبيخه فقط لعدم أخذه الاذن من ولي المسلمين وقام بقتل القاتل من تلقاء نفسه دون ترك ذلك السلطة القضائية في النظام الإسلامي.
والخلاصة: إن هناك فرقا كبيرا بين القصاص والحدود فالقصاص يشير الى وقوع حالة قتل متعمد وأن دم القاتل مهدور وباستطاعة ولي الدم أو المقتول الاقتصاص من القاتل دون صدور حكم الحاكم أما في الحدود فلا يكون لأحد إهدار دم أي شخص إلا بعد إنشاء لفظ الحكم من قِبَل حاكم الشرع.
وفي حالة القصاص لا بد من الإشارة الى نقطتين مهمتين: الاولى: إذا لم يتمكن ولي الدم من إثبات تهمة القتل المتعمد على المتهم وقتله بالاستناد الى القصاص الذي افترضه هو لنفسه فستتم معاقبته بموجب حكم صادر من حاكم الشرع وإن كان عذره محفوظا لدى الله سبحانه.
الثانية: لتجنب الفوضى والهرج والمرج فمن الافضل الرجوع الى الحاكم كذلك في موضوع القصاص لكيلا يتسبب عمل ما بإرباك النظام في المجمتع أو إلحاق الضرر بالحكومة المسؤولة عن النظام فيه.
3. الحاكم أو القاضي الكافر أو النظام أو الفاسق: أكد القرآن الكريم وبعبارات متعددة على أنه لم يحكم الشخص وفقا لما أنزل الله تعالى فإنه كافر وظالم وفاسق: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ * وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ *.... وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[5]) وتبين الايات الثلاث المذكورة أهمية تطبيق وإجراء القصاص وإقامة الحدود الالهية فالآية الشريفة تقول: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم) على أنه إذا استقرت أركان النظام الاسلامي والحكومة الدينية وكان باستطاعة الحاكم الاسلامي الحكم (بِمَا أَنزَلَ) لكنه لم يفعل ذلك ولم يحكم بما أنزل الله عن عمد فإنه لا محالة كافر وظالم وفاسق سواء لم يقم أصلا بإجراء الحكم وتطبيقه أو حكم بغير ما أنزل الله ويعاقب على ذلك بعقوبات مذكورة في المصادر الفقهية.
وتعقيبا على النقطة المذكورة فإنه عندما كان العبد الفقير يحتل منصبا في المجلس القضائي الاعلى قلت لسماحة الامام الخميني قدس سره أظن أن الضرورة تقتضي إصداركم أمرا الى السلطة التشريعية لحثها على إيلاء أهمية أكبر نحو المسائل القضائية فقام سماحته على الفور وبلطف من الله بتأييد قانون القصاص مشيرا في بيان تأريخي فريد من نوعه الى ارتداء منكري حكم القصاص عن عمد[6].
بحث روائي:
1. تمتع المؤمنين الكامل بالأحكام الإسلامية: عن محمد بن خالد البرقي عن أبي عبد الله عليه السلام عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ) أهي لجماعة المسلمين؟ قال: هي للمؤمنين خاصة[7].
إشارة: كان الحكم الاسلامي في البداية عاما وشاملا وكان جميع المسلمين مكلفين بتطبيقه والعمل بموجبه وبشكل عام فإن مسؤولية تطبيق الحدود الالهية تقع على عاتق الامام المعصوم عليه السلام أو نائبه الخاص أو العام أو المؤمنين العدول (على التوالي) كما أن التمتع الكامل من الاحكام الاسلامية هومن نصيب المؤمنين كذلك وإلا فإن أصل الحكم متعلق بجميع المسلمين وليس المؤمنين خصوصا.
2. إشتراط التماثل في القصاص: عن سماعة ابن مهران عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: (الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ) فقال: لا يقتل حر بعبد ولكن يضرب ضربا شديدا ويغرم دية العبد وإن قتل رجل امرأة فأراد أولياء المقتول أن يقتلوا أدوا نصف ديته الى أهل الرجل[8].
إشارة: بعد أن تبين أن مفهوم الاية يحمل إطلاقا مفاده عدم الاقتصاص من الرجل مقابل قتله للمرأة سواء أخذ إزاؤه شيء أم لم يؤخذ ومثل هذا الاطلاق أو العموم قابل للتقييد والتخصيص مع الحديث المعتبر والمأثور عن المعصوم عليه السلام وعليه يمكن إعدام الرجل القاتل للمرأة مقابل دفع نصف ديته.
3. العفو والاحسان في القصاص: عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: وسألته قول الله عز وجل: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) قال: بنبغي له الحق ألا يعسر أخاه إذا كان قد صاله على دية وينبغي للذي عليه الحق ألا يمطل أخاه إذا قدر على ما يعطيه ويؤدي اليه بإحسان[9].
وورد في ذيل رواية بهذا المضمون في تفسير العياشي[10] بهذا الشكل قال: يعني إذا وهب القود اتبعوه بالدية الى أولياء المقتول لكيلا يبطل دم امرئ مسلم.
وعن أبي بصير عن أحدهما في قوله: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) ما ذلك؟ قال: هو الرجل يقبل الدية فأمر الله الذي له الحق أن يتبعه بمعروف ولا يعسره وأمر الله الذي عليه الدية ألا يمطله وأن يؤدي اليه بإحسان إذا أيسر[11].
إشارة: أ. لاحظ التأكيد على المعروف فيما يتعلق بكل من الجاني والمجني عليه وكذلك فيما يخص التنازل عن القصاص وقبول الدية بموافقة الطرفين ثم في أسلوب اقتصاص ولي الدم وكيفية تصرف القاتل.
ب- يمكن أن تكون جملة {فأتباع بالمعروف} قضية خيرية أو جملة إنشائية .
4. جزاء الاعتداء بعد العفو والمصالحة: عَنِ الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله عليه السلام في قول الله عَزَّ وَجَلَّ: (فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، فَقَالَ: «هُوَ الرَّجُلُ يَقبلُ الدَيةَ أَو يَعْفُو أَوْ يُصالِح ثُمَّ يعتدي فيقتل فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ، كَمَا قالَ اللهُ عَزَّ وجلّ[12]». وهذه تكملة الرواية الواردة في تفسير العياشي[13]: وفي نسخة أخرى: «فيلقى صاحبه بعد الصلح فيمثل به فله عذاب أليم».
إشارة: ذكرنا في البحث التفسيري أن أي اعتداء أو خروج عن حدود الله المقررة في الآية الشريفة للقاتل أو ولي الدّم أو بقية الأشخاص المعنيين بحادثة القتل بشكل أو بآخر يدخل في إطار التحريم المشار إليه، وحتى الـعـذاب الأخروي لا يكون مانعاً عن إجراء القصاص أو الحد أو الإلزام بالدية وما شابه ذلك.
5. النهي عن الاعتداء على الأسير: عن محمد بن الحنفية قال: دخل علينا ابن ملجم (لعنة الله عليه) الحمام وأنا والحسن والحسين جلوس في الحمام فلما دخل كأنهما اشمأزا منه، فقالا: «ما أجرأك تدخل علينا ؟ قال: فقلتُ لهما دعاه عنكما، فلعمري ما يريد بكما إثماً من هذا. فلما كان يوم أتي به أسيراً، قال ابن الحنفية: ما أنا اليوم بأعرف بـه مـن يــوم دخل علينا الحمام. فقال علي: إنّه أسير، فأحسنوا إليه وأكرموا مثواه. فإن بقيت قتلتُ أو عفوتُ، وإن مت فاقتلوه قتلني(وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ[14])[15].
إشارة: يختلف موضوع القصاص من الناحية الفقهية والحقوقية عن العقوبة الكلامية للمنافق في المعاد فالمسلم الذي يرتكب حادثة قتل متعمد (والعياذ بالله) وقبل بالقصاص وكان مؤمنا به وتم تطبيق القصاص عليه وأزال الحكم الكتليفي لهذه المعصية الكبيرة بالتوبة فإنه مغفور له إن شاء الله لكن المنافق الشقي بل وكل الاشقياء من أمثال ابن ملج (لعنة الله عليه) ينتظره عذاب أخروي أبدي في الاخرة بالاضافة الى استحقاقه القصاص في هذه الدنيا وأما ما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام فيدخل ضمن إطار الحكم الحقوقي والفقهي وليس الحكم الكلامي.
[2] راجع جواهر الكلام: 42 / 283 - 284
[3] وسائل الشيعة: 29 / 324 – 326
[6] صحيفة النور: 8/ 488-489 وكان حديث سماحته المذكور في تاريخ 15/ 6/ 1981م.
[7] تفسير العياشي: 1/ 75 تفسير البرهان: 1/ 387
[10] تفسير العياشي: 1/ 75-76
[13] تفسير العياشي: 1 / 76.
[15] البرهان في تفسير القرآن: 1/ 417