نقد أحد الاراء حول الحفاظ على حرمة مكة
المؤلف:
الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي
المصدر:
تسنيم في تفسير القران الكريم
الجزء والصفحة:
ج 9، ص717-718
2026-07-23
1212
استنبط بعض المفسرين من قوله تعالى: (فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) أن الله سبحانه وتعالى يقبل توبة القاتل المتعمد لأنه عز وجل قبل توبة المشرك رغم عظم ذنبه ومعصيته إذا فإن توبة القاتل مقبولا حتما[1].
لكن هذا الكلام قابل للنقد باعتبار أن القتل المتعمد على نوعين: حق الله وحق الناس فالجانب الالهي للقتل يقول بأن القتل عظيم لكن الشرك أعظم منه وأكبر: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ[2]). ولما كان القتل المتعمد له جانب انساني كذلك وهو حق الناس فقد يقبل الله تعالى توبة القاتل إذا حصل هذا الاخير على رضا أولياء الدم وعليه فإن قياس الأولوية هذا غير كامل.
نعم إذا كان مراد المفسرين هو أنه إذا أدى القاتل حق الناس وبقي حق الله تعالى الذي يمكن تعويضه وإصلاحه بالتوبة فيما بعد فهذا أمر مقبول.
تذكير: 1. لا يمكن استنباط ذلك من الاية المذكورة إلا اذا كان المقصود بالانتهاء في قوله تعالى: (فَإِنِ انتَهَوْا) هو الامتناع عن الكفر وترك الشرك أما اذا قيل بأن المقصود بذلك هو الكف عن القتال فإن ذلك لا يتناسب مع الاية.
وعلى أية حال فإن كلا من البناء والمبنى غير صحيحين لأن المراد كما ثبت هو الانتهاء عن القتال بالقرب من المسجد الحرام وحتى في حال قبولنا لذلك المبنى فإنه لا يخلو من النقد والإشكال وعليه فلو كان الرأي المذكور هو المستفاد من الاية التالية أي من جملة: (فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) لما طاله الاشكال الذي أشرنا اليه.
2. نقل الفخر الرازي أن الحنفية أفتوا من خلال تمسكهم بهذه الاية بعدم جواز قتل المجرم إذا لاذ بالجرم إذ لما كان قتل المشرك غير جائز في المسجد الحرام فمن باب أولى أن يكون قتل الجاني غير الكافر غير جائز كذلك وأرجع الفخر الرازي البحث المذكور الى أحد الكتب الفقهية[3]. وأما البحث والتحقيق النهائيان في هذه المسألة فلا بد من إرجاعهما الى المصادر الفقهية كما أشار الفخر الرازي.
[1] التبيان: 2 / 146؛ مجمع البيان: 1 - 2 / 512؛ تفسير البحر المحيط: 2 / 75؛ روح المعاني: 2 / 115. قال أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط: «قالوا: وفي قوله: (فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) دلالة على قبول توبة قاتل العمد، إذ كان الكفر أعظم مأثماً من القتل، وقد أخبر تعالى أنه يقبل التوبة من الكفر». وقال الآلوسي في روح المعاني: (فَإِنِ انتَهَوْا) عن الكفر بالتوبة منه كما رُوي عن مجاهد وغيره، أو عنه وعن القتال كما قيل: لقرينة ذكر الأمرين (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) فيغفر لهم ما قد سلف. واستدل به في البحر على قبول توبة قاتل العمد إذ كان الكفر أعظم مأثماً من القتل وقد أخبر سبحانه أنه يقبل التوبة منه.
[3] التفسير الكبير: المجلد 3 ، 5 / 140. قال الفخر الرازي: الحنفية تمسكوا بهذه الآية في مسألة الملتجئ إلى الحرم، وقالوا: لما لم يجز القتل عند المسجد الحرام بسبب جناية الكفر؛ فلأن لا يجوز القتل في المسجد الحرام بسبب الذنب الذي هو دون الكفر كان أولى، وتمام الكلام فيه في كتب الخلاف.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في مقالات قرآنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة