قد بقيت جملة أخرى من آداب السفر أحببت إيراد الروايات المتضمّنة لها بأعيانها، فقال مولانا الباقر (عليه السّلام) في وصيّته لبعض شيعته المريد للسفر: لا تسيرنّ شبرا وأنت حافٍ، ولا تنزلنّ عن دابّتك ليلا إلّا ورجلاك في خفّ، ولا تبولنّ في نفق، ولا تذوقن بقلة ولا تشمّها حتّى تعلم ما هي، ولا تشرب من سقاء حتّى تعلم ما فيه، ولا تسيرنّ إلّا مع مَن تعرف واحذر مَن تعرف (1).
وقال الصادق (عليه السّلام) في جملة كلام له في آداب السفر: ... فإذا رأيت الشخص الواحد فلا تسترشده، وإن أرشدكم فخالفوه، وإذا رأيته في خراب وقد خرج عليك أو في فلاة من الأرض فأذّن في وجهه، وارفع صوتك وقل: «سبحان اللّه الذي جعل في السماء نجوما رجوما للشياطين، عزمت عليك يا خبيث بعزيمة اللّه التي عزم بها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات اللّه عليه ورميت بسهم اللّه المصيب الذي لا يخطى، وجعلت سمع اللّه على سمعك وبصرك وذلّلتك بعزة اللّه، وقهرت سلطانك بسلطان اللّه يا خبيث لا سبيل لك» فإنّك تقهره إن شاء اللّه تعالى، وتصرفه عنك الخبر (2).
ونقل مولانا الصادق (عليه السّلام) على سبيل الإمضاء قول لقمان لابنه في وصيّته له: إذا سافرت مع قوم فأكثر استشارتهم في أمرك وأمورهم، وأكثر التبسّم في وجوههم، وكن كريما على زادك بينهم، وإذا دعوك فأجبهم، وإن استعانوا بك فأعنهم، واستعمل طول الصمت، وكثرة الصلاة، وسخاء النفس بما معك من دابّة أو مال أو زاد، وإذا استشهدوك على الحقّ فاشهد لهم، واجهد رأيك لهم إذا استشاروك، ثم لا تعزم حتّى تثبت وتنظر، ولا تجب في مشورة حتّى تقوم فيها وتقعد، وتنام وتأكل، وتصلّي، و أت مستعمل فكرك وحكمتك في مشورتك، فإنّ مَن لم يمحض النصيحة لمن استشاره سلبه اللّه رأيه ونزع عنه (3) الأمانة، وإذا رأيت أصحابك يمشون فامشِ معهم، وإذا رأيتهم يعملون فاعمل معهم، وإذا تصدّقوا وأعطوا قرضا فأعطِ معهم، واسمع لمن هو أكبر منك سنّا، وإذا أمروك بأمر وسألوك فتبرّع لهم وقل (4): نعم، ولا تقل: لا؛ فإنّ: (لا) عيّ ولؤم، وإذا تحيّرتم في طريقكم فانزلوا، وإذا شككتم [في القصد] فقفوا توامروا، وإذا رأيتم شخصا واحدا فلا تسألوه (5) عن طريقكم ولا تسترشدوه؛ فإنّ الشخص الواحد في الفلاة مريب، لعلّه [أن] يكون عينا للصّوص، أو يكون هو الشيطان الذي حيّركم، واحذروا الشخصين أيضا إلّا أن تروا ما لا أرى، فإنّ العاقل اذا أبصر بعينيه شيئا عرف الحق منه، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب.
يا بني، [و] إذا جاء وقت الصّلاة فلا تؤخّرها لشيء، صلّها واسترح منها، فإنّها دين، وصلّ في جماعة ولو على رأس زج (6)، ولا تنامن على دابّتك فإنّ ذلك سريع في دبرها، وليس ذلك من فعل الحكماء، إلّا أن يكون في محمل يمكنك التمدّد لاسترخاء المفاصل، وإذا قربت من المنزل فانزل عن دابتك [فإنّها تعينك] وابدأ بعلفها قبل نفسك فإنّها نفسك، وإذا أردتّم النزول فعليكم من بقاع الأرضين بأحسنها لونا، وألينها تربة، وأكثرها عشبا، وإذا نزلت فصلّ ركعتين قبل أن تجلس، وإذا أردت قضاء حاجتك فابعد المذهب في الأرض، وإذا ارتحلت فصلّ ركعتين وودّع الأرض التي حللت بها، وسلّم عليها وعلى أهلها؛ فإنّ لكلّ بقعة أهلا من الملائكة، فإن استطعت أن لا تأكل طعاما حتّى تبدأ فتصدّق منه فافعل، وعليك بقراءة كتاب اللّه (عزّ وجلّ) ما دمت راكبا، وعليك بالتسبيح ما دمت عاملا عملا، وعليك بالدعاء ما دمت خاليا وايّاك والسير من أوّل الليل، و عليك بالتعريس والدلجة من لدن نصف الليل إلى آخره، وايّاك ورفع الصوت في مسيرك (7).
وورد عن أئمّتنا (عليهم السّلام) أنّ من أصابه عطش في الطريق حتّى أشرف على الهلاك فليقل مخاطبا ربّه: «أدم ملكك على ملكك بلطفك الخفيّ» فإنّ اللّه (عزّ وجلّ) ينجيه من تلك الشدّة (8)، ومن لقيه لصّ فأراد أخذه فليستمهله ويصلّي أربع ركعات ويسجد بعدها ويقول ثلاث مرات: «يا ودود يا ذا العرش المجيد، يا فعّالا لما يريد، اسألك بعزّتك التي لا ترام، وملكك الذي لا يضام، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك أن تكفيني شرّ هذا اللّص، يا مغيث أغثني» فإنّه إذا فعل ذلك أرسل اللّه من يدفعه عنه إن شاء اللّه تعالى (9).
وورد في الحديث القدسيّ: «يا محمّد من كان غائبا وأحبّ أن أؤدّيه سالما مع قضائي له الحاجة فليقل في غربته: «يا جامعا بين أهل الجنّة على تألّف من القلوب، وشدّة تواصل منهم في المحبّة، ويا جامعا بين أهل طاعته وبين من خلقه لها، ويا مفرّجا عن كلّ محزون، ويا مؤمّل كلّ غريب، ويا راحمي في غربتي بحسن الحفظ والكلاءة والمعونة إليّ، ويا مفرّج ما بي من الضيق والحزن، اجمع بيني وببين أحبّتي، يا مؤلّفا بين الأحبّة، صلّ على محمّد وآل محمد ولا تفجعني بانقطاع رؤية أهلي وولدي عنّي، ولا تفجع أهلى بانقطاع رؤيتي عنهم بكلّ مسائلك ادعوك فاستجب لي بذلك دعائي اياك يا ارحم الراحمين» فإنّه اذا قال ذلك آنسته في غربته، وحفظته في الأهل، وأدّيته سالما مع قضائي له الحاجة (10).
وعن النّبي (صلّى اللّه عليه وآله) أنّه إذا كان في سفر فأقبل اللّيل قال: يا (11) أرض ربّي وربّك اللّه، أعوذ باللّه من شرّك وشرّ ما فيك، وسوء ما يدبّ عليك، وأعوذ باللّه من أسد وأسود، ومن [شرّ] الحيّة والعقرب، ومن [شر] ساكن البلد و[من شر] والد وما ولد (12).
وورد أنّ المسافر إن قرأ سورة (والذّاريات) أمن وحرس في طريقه (13)، وإن قرأ سورة (الممتحنة) أمن حوادثه حتّى يرجع إلى مأمنه (14)، وإن قرأ (والمرسلات) حفظ بقراءتها من كلّ طارق (15)، وإن قرأ (الجحد) و(الفتح) و(التوحيد) و(المعوذّتين) في سفره بعد البسملة صار من أمثل صحابه هيبة، وأكثرهم زادًا، حتّى يرجع من سفره (16)، إلى غير ذلك من الآداب التي لا يمكن استقصاؤها بالمرّة، وفيما ذكرناه للعامل كفاية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مستدرك وسائل الشيعة: 2/44 باب 39 حديث 1 عن اعلام الدين للديلمي. وقد استظهر المصنف قدّس سرّه هنا على تعرف: من لا تعرف، وهو الظاهر.
(2) مستدرك وسائل الشيعة: 2/44 باب 39 برقم 2 عن أصل زيد الزرّاد.
(3) في المطبوع: (منه) بدلا من (عنه).
(4) في المطبوع: وسألوك شيئا فقل.
(5) في المطبوع: واحدا خاصّا فلا تسألوه.
(6) الزجّ: الحديدة التي في أسفل الرمح [نه (قدّس سرّه)].
(7) المحاسن/375 باب 37 دأب المسافر برقم 145.
(8) مستدرك وسائل الشيعة: 2/47 باب 49 برقم 3.
(9) الأمان من أخطار الأسفار/126 الفصل الحادي عشر.
(10) مستدرك وسائل الشيعة: 2/47 باب 49 برقم 6.
(11) وضع على: يا، في المطبوع رمز الاستظهار.
(12) مكارم الأخلاق: 1/283 وقد ذكر تكملة للدعاء وهي: اللّهمّ ربّ السماوات السبع وما أظللن، أسألك أن تصلّي على محمّد وآل محمّد، وأسألك خير هذه الليلة، وخير هذا اليوم وخير هذا الشهر، وخير هذه السنة، وخير هذا البلد وأهله، وخير هذه القرية وأهلها، وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرّها وشر ما فيها، وشرّ كلّ دابة أنت آخذ بناصيتها إنّ ربّي على صراط مستقيم.
(13) مستدرك وسائل الشيعة: 2/48 باب 49 برقم 13.
(14) مستدرك وسائل الشيعة: 2/48 باب 49 برقم 13 ذيله.
(15) مستدرك وسائل الشيعة: 2/48 باب 49 برقم 14.
(16) مجمع البيان: 10/551 سورة (قل يا أيّها الكافرون) فضلها.