

تأملات قرآنية

مصطلحات قرآنية

هل تعلم


علوم القرآن

أسباب النزول


التفسير والمفسرون


التفسير

مفهوم التفسير

التفسير الموضوعي

التأويل


مناهج التفسير

منهج تفسير القرآن بالقرآن

منهج التفسير الفقهي

منهج التفسير الأثري أو الروائي

منهج التفسير الإجتهادي

منهج التفسير الأدبي

منهج التفسير اللغوي

منهج التفسير العرفاني

منهج التفسير بالرأي

منهج التفسير العلمي

مواضيع عامة في المناهج


التفاسير وتراجم مفسريها

التفاسير

تراجم المفسرين


القراء والقراءات

القرآء

رأي المفسرين في القراءات

تحليل النص القرآني

أحكام التلاوة


تاريخ القرآن

جمع وتدوين القرآن

التحريف ونفيه عن القرآن

نزول القرآن

الناسخ والمنسوخ

المحكم والمتشابه

المكي والمدني

الأمثال في القرآن

فضائل السور

مواضيع عامة في علوم القرآن

فضائل اهل البيت القرآنية

الشفاء في القرآن

رسم وحركات القرآن

القسم في القرآن

اشباه ونظائر

آداب قراءة القرآن


الإعجاز القرآني

الوحي القرآني

الصرفة وموضوعاتها

الإعجاز الغيبي

الإعجاز العلمي والطبيعي

الإعجاز البلاغي والبياني

الإعجاز العددي

مواضيع إعجازية عامة


قصص قرآنية


قصص الأنبياء

قصة النبي ابراهيم وقومه

قصة النبي إدريس وقومه

قصة النبي اسماعيل

قصة النبي ذو الكفل

قصة النبي لوط وقومه

قصة النبي موسى وهارون وقومهم

قصة النبي داوود وقومه

قصة النبي زكريا وابنه يحيى

قصة النبي شعيب وقومه

قصة النبي سليمان وقومه

قصة النبي صالح وقومه

قصة النبي نوح وقومه

قصة النبي هود وقومه

قصة النبي إسحاق ويعقوب ويوسف

قصة النبي يونس وقومه

قصة النبي إلياس واليسع

قصة ذي القرنين وقصص أخرى

قصة نبي الله آدم

قصة نبي الله عيسى وقومه

قصة النبي أيوب وقومه

قصة النبي محمد صلى الله عليه وآله


سيرة النبي والائمة

سيرة الإمام المهدي ـ عليه السلام

سيرة الامام علي ـ عليه السلام

سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله

مواضيع عامة في سيرة النبي والأئمة


حضارات

مقالات عامة من التاريخ الإسلامي

العصر الجاهلي قبل الإسلام

اليهود

مواضيع عامة في القصص القرآنية


العقائد في القرآن


أصول

التوحيد

النبوة

العدل

الامامة

المعاد

سؤال وجواب

شبهات وردود

فرق واديان ومذاهب

الشفاعة والتوسل

مقالات عقائدية عامة

قضايا أخلاقية في القرآن الكريم

قضايا إجتماعية في القرآن الكريم

مقالات قرآنية


التفسير الجامع


حرف الألف

سورة آل عمران

سورة الأنعام

سورة الأعراف

سورة الأنفال

سورة إبراهيم

سورة الإسراء

سورة الأنبياء

سورة الأحزاب

سورة الأحقاف

سورة الإنسان

سورة الانفطار

سورة الإنشقاق

سورة الأعلى

سورة الإخلاص


حرف الباء

سورة البقرة

سورة البروج

سورة البلد

سورة البينة


حرف التاء

سورة التوبة

سورة التغابن

سورة التحريم

سورة التكوير

سورة التين

سورة التكاثر


حرف الجيم

سورة الجاثية

سورة الجمعة

سورة الجن


حرف الحاء

سورة الحجر

سورة الحج

سورة الحديد

سورة الحشر

سورة الحاقة

الحجرات


حرف الدال

سورة الدخان


حرف الذال

سورة الذاريات


حرف الراء

سورة الرعد

سورة الروم

سورة الرحمن


حرف الزاي

سورة الزمر

سورة الزخرف

سورة الزلزلة


حرف السين

سورة السجدة

سورة سبأ


حرف الشين

سورة الشعراء

سورة الشورى

سورة الشمس

سورة الشرح


حرف الصاد

سورة الصافات

سورة ص

سورة الصف


حرف الضاد

سورة الضحى


حرف الطاء

سورة طه

سورة الطور

سورة الطلاق

سورة الطارق


حرف العين

سورة العنكبوت

سورة عبس

سورة العلق

سورة العاديات

سورة العصر


حرف الغين

سورة غافر

سورة الغاشية


حرف الفاء

سورة الفاتحة

سورة الفرقان

سورة فاطر

سورة فصلت

سورة الفتح

سورة الفجر

سورة الفيل

سورة الفلق


حرف القاف

سورة القصص

سورة ق

سورة القمر

سورة القلم

سورة القيامة

سورة القدر

سورة القارعة

سورة قريش


حرف الكاف

سورة الكهف

سورة الكوثر

سورة الكافرون


حرف اللام

سورة لقمان

سورة الليل


حرف الميم

سورة المائدة

سورة مريم

سورة المؤمنين

سورة محمد

سورة المجادلة

سورة الممتحنة

سورة المنافقين

سورة المُلك

سورة المعارج

سورة المزمل

سورة المدثر

سورة المرسلات

سورة المطففين

سورة الماعون

سورة المسد


حرف النون

سورة النساء

سورة النحل

سورة النور

سورة النمل

سورة النجم

سورة نوح

سورة النبأ

سورة النازعات

سورة النصر

سورة الناس


حرف الهاء

سورة هود

سورة الهمزة


حرف الواو

سورة الواقعة


حرف الياء

سورة يونس

سورة يوسف

سورة يس


آيات الأحكام

العبادات

المعاملات
مصحف علي عليه السلام
المؤلف:
السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ
المصدر:
معرفة الإمام
الجزء والصفحة:
ج14، ص169-282
2026-04-25
37
إنّ أوّل كتاب دوّن في الإسلام هو مصحف أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه أفضل صلوات الله وملائكته المقرّبين وأنبيائه المرسلين. وكان مصحفاً تامّاً شاملًا، إذ ضمّ أسباب النزول، وشأن ورود الآيات، وترتيب السور والآيات حسب النزول، وبيان الناسخ والمنسوخ والمطلق والمقيّد، وبيان المحكمات والمتشابهات، والتأويل والتفسير وغير ذلك من جوانب عديدة. وهذا المصحف هو القرآن الذي قال فيه ابن سيرين: لو أصبت ذلك الكتاب، كان فيه العلم! وله في التواريخ والأحاديث والتفاسير أسماء هي: مُصحف «عليّ»، «صحيفة عليّ»، «الجَامِعَة»، «كتاب عليّ»، «الصحيفة العتيقة».
قال فقيه أهل البيت آية الله المرحوم السيّد حسين الطباطبائيّ البروجرديّ رضي الله عنه في مقدّمته البديعة التي خطّها قلمه المبارك مصدِّراً بها كتابه النفيس الثمين: «جامع أحاديث الشيعة في أحكام الشريعة»، وهو يعرض الأحاديث المأثورة في علوم أهل البيت والروايات الواردة بشأنهم: وما ورد أنّ الأئمّة عليهم الصلاة والسلام عالمون بالأحكام من الأحاديث المتواترة من طرق العامّة والخاصّة... ومنها ما ورد في أنّ حديثهم حديث النبيّ صلى الله عليه وآله، وأنّ عندهم «الصحيفة الجامعة» التي هي إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وخطّ عليّ عليه السلام.[1]
وذكر المرحوم المجلسيّ رضي الله عنه (جدّنا الأعلى من جهة امّ والدي) في كتاب «بحار الأنوار» الروايات الواردة في هذا الباب مفصّلًا. وأوضح بعض المواضع أحياناً وشرحها باسلوبه. ويبدو من تضاعيف كلامه أنّ لأهل البيت عليهم السلام كتباً اخرى غير «الجامعة» وهي: «الجَفْر»، و«مُصْحَف فاطمة»، وكتاب «مسائل الديات» (الذي كان معلّقاً في ذؤابة سيف أمير المؤمنين عليه السلام)، و«لوح فاطمة».
ونتطرّق فيما يأتي إلى بيان كلّ واحد منها بحول الله تعالى وقوّته:
1- «الجامعة»
وردت روايات كثيرة حول هذا الكتاب وكيفيّة تدوينه ومحتوياته. ونقرأ في «بحار الأنوار» اثنتين وعشرين رواية تحدِّد فقط طوله البالغ سبعين ذراعاً،[2] ما عدا تلك الروايات التي تتحدَّث عن خصائصه، بَيْدَ أنّها تخلو من عبارة سبعين ذراعاً. ونقل المرحوم المجلسيّ هذه الروايات من كتب معتبرة كـ «الاختصاص»، و«الإرشاد»، و«الاحتجاج»، و«الأمالي» وبخاصّة من كتاب «بصائر الدرجات». ومن ذلك: ورد في «الإرشاد» للشيخ المفيد، و«الاحتجاج» للشيخ الطبرسيّ أنّ الإمام الصادق عليه السلام طالما كان يقول: عِلْمُنَا غَابرٌ، ومَزْبُورٌ، ونَكْتٌ في القُلُوبِ، ونَقْرٌ في الأسْمَاعِ وإنَّ عِنْدَنا الجَفْرَ الأحْمَرَ والأبْيَضَ، ومُصْحَفَ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ، وعِنْدَنَا الجَامِعَةُ فِيهَا جَمِيعُ مَا تَحْتَاجُ النَّاسُ إلَيْهِ.
فسئل عن تفسير هذا الكلام، فقال: أمّا الغابر فالعلم بما يكون، وأمّا المزبور فالعلم بما كان، وأمّا النكت في القلوب فهو الإلهام، وأمّا النقر في الأسماع فحديث الملائكة عليهم السلام نسمع كلامهم ولا نرى أشخاصهم. وأمّا الجفر الأحمر فوعاء فيه سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم. ولن يُخرج حتى يقوم قائمنا أهل البيت. وأمّا الجفر الأبيض فوعاء فيه توراة موسى وانجيل عيسى وزبور داود وكتب الله الأولى.
وَأمَّا مُصْحَفُ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ فَفِيهِ مَا يَكُونُ مِنْ حَادِثٍ وأسْمَاءُ مَنْ يَمْلِكُ إلَى أنْ تَقُومَ السَّاعَةُ.
وَأمَّا «الجَامِعَةُ» فَهُوَ كِتَابٌ طُولُهُ سَبْعُونَ ذِرَاعاً إمْلَاءُ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ مِنْ فَلْقِ فِيهِ وخَطُّ عَلِيّ بْنِ أبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِيَدِهِ، فِيهِ واللهِ جَمِيعُ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ النَّاسُ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ حتى أنَّ فِيهِ أرْشَ الخَدْش والجَلْدَةَ ونِصْفَ الجَلْدَةِ.[3]
وفي «بصائر الدرجات» عن محمّد بن عبد الحميد، عن يونس بن يعقوب، عن منصور بن حازم، عن أبي عبد الله عليه السلام. قال: قلتُ: إنّ الناس يذكرون أنّ عندكم صحيفة طولها سبعون ذراعاً فيها ما يحتاجون إليه الناس. وأنَّ هَذَا هُوَ العِلْمُ. فقال أبو عبد الله عليه السلام: لَيْسَ هَذَا هُوَ العِلْمَ، إنَّمَا هُوَ أثَرٌ عَنْ رَسولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ. إنَّ العِلْمَ الذي يَحْدُثُ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ.
وفيه أيضاً عن إبراهيم بن هاشم، عن البرقيّ، عن ابن سنان أو غيره، عن بشر، عن حمران بن أعين قال: قلتُ لأبي عبد الله عليه السلام: عندكم التوراة والإنجيل والزبور وما في الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى؟! قال: نعم! قلتُ: إنَّ هَذَا لَهُوَ العِلْمُ الأكْبَرُ. قال: يَا حُمْرَانُ! لَوْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُ مَا كَانَ، ولَكِنْ مَا يَحْدُثُ بِاللَّيْلِ والنَّهَارِ عِلْمُهُ عِنْدَنَا أعْظَمُ.[4]
ويوضّح المجلسيّ هنا هذه الرواية رافعاً الإشكال الذي قد يُثار عليها، تحت عنوان: بيان، يقول فيه: بَيَانٌ: لَوْ لَمْ يَكُنْ، أي: لو لم يكن لنا علم غير العلم الذي كان للسابقين كان ما ذكر العلم الأكبر، ولكن ما يحدث من العلم عندنا أكبر.
ويقول: أقول: هاهنا إشكال قويّ. وهو أنّه لمّا دلّت الأخبار الكثيرة على أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله كان يعلم علم ما كان وما يكون وجميع الشرائع والأحكام وقد علّم جميع ذلك عليّاً عليه السلام. وعلّم عليّ الحسن عليه السلام، وهكذا. فأيّ شيء يبقى حتى يحدث لهم بالليل والنهار؟!
ويمكن أن يجاب عنه بوجوه: الأوّل: ما قيل: إنّ العلم ليس يحصل بالسماع وقراءة الكتب وحفظها؛ فإنّ ذلك تقليد. وإنّما العلم ما يفيض من عند الله سبحانه على قلب المؤمن يوماً فيوماً وساعةً فساعةً، فيكشف به من الحقائق ما تطمئنّ به النفس، وينشرح له الصدر، ويتنوّر به القلب. والحاصل أنّ ذلك مؤكّد ومقرّر لما عُلم سابقاً يوجب مزيد الإيمان واليقين والكرامة والشرف بإفاضة العلم عليهم بغير واسطة المرسلين.
الثاني: أن يفيض عليهم عليهم السلام تفاصيل عندهم مجملاتها وإن أمكنهم استخراج التفاصيل ممّا عندهم من اصول العلم وموادّه.
الثالث: أن يكون مبنيّاً على البداء فإنّ فيما علموا سابقاً ما يحتمل البداء والتغيير. فإذا الهموا بما غيّر من ذلك بعد الإفاضة على أرواح مَن تقدّم من الحجج أو أكّد ما علموا بأنّه حتميّ لا يقبل التغيير، كان ذلك أقوى علومهم وأشرفها.
الرابع: كما هو أقوى عندي وهو أنّهم عليهم السلام في النشأتين سابقاً على الحياة البدنيّة، ولاحقاً بعد وفاتهم يعرجون في المعارف الربّانيّة غير المتناهية على مدارج الكمال، إذ لا غاية لعرفانه تعالى وقربه. ويظهر ذلك من كثير من الأخبار.
وظاهر أنّهم إذا تعلّموا في بدو إمامتهم علماً لا يقفون في تلك المرتبة ويحصل لهم بسبب مزيد القُرب والطاعات زوائد العلم والحكم والترقيات في معرفة الربّ تعالى.
وكيف لا يحصل لهم ويحصل ذلك لسائر الخلق مع نقص قابليّتهم واستعدادهم؟ فهم عليهم السلام أولى بذلك وأحرى.
ولعلّ هذا أحد وجوه استغفارهم وتوبتهم في كلّ يوم سبعين مرّةً وأكثر، إذ عند عروجهم إلى كلّ درجة رفيعة من درجات العرفان يرون أنّهم كانوا في المرتبة السابقة في النقصان فيستغفرون منها ويتوبون إليه تعالى.
وهذه جملة ما حلّ في حلّ هذا الإشكال ببالي. وأستغفر الله ممّا لا يرتضيه من قولي وفعالي.[5]
أقول: هذا الوجه رصين جدّاً، ولكن المرحوم جدّنا ظنّ أنّ الحياة السابقة واللاحقة على هذا العالم سابقة ولاحقة زمنيّاً؛ وجعل للأئمّة عليهم السلام الذين هم في أوّل الخلق وآخره وبهم بُدئ ويُختَم- حسب هذه الأخبار- في معنى الأزل والأبد مقامات ودرجات غير متناهية من العرفان؛ مع أنّ جميع تلك الدرجات والمقامات تحصل في هذه النشأة المادّيّة وعالم الطبع وفقاً للحركة الجوهريّة النَّفْسُ جِسْمَانِيَّةُ الحُدُوثِ رُوحانِيَّةُ البَقَاءِ، والآية المباركة ثُمَّ أنشَأنَاهُ خَلْقاً آخَرَ. والأبد والأزل رأسا هذه السلسلة في المعارج والمدارج عرضيّان لا طوليّان. ولا ينافي طيّ هذه العروج في هذه النشأة جسمانيّة الحدوث. فَشَكَرَ اللهُ سَعْيَهُ وأجْزَلَ ثَوابَهُ.
وعن «بصائر الدرجات» أيضاً، عن عبد الله بن جعفر، عن محمّد بن عيسى، عن إسماعيل بن سهل، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن سليمان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن في صَحِيفَةٍ مِنَ الحُدُودِ ثُلْثَ جَلْدَةٍ؛ مَنْ تَعَدَّى ذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ حَدُّ جَلْدَةٍ.[6]
وعنه أيضاً، عن الحسن بن عليّ بن النعمان، عن أبيه عليّ بن النعمان، عن بكر بن كرب قال: كنّا عند أبي عبد الله عليه السلام فسمعناه يقول: أمَا واللهِ إنَّ عِنْدَنَا مَا لَا نَحْتَاجُ إلَى النَّاسِ، وإنَّ النَّاسَ لَيَحْتَاجُونَ إلَيْنَا. إنَّ عِنْدَنَا الصَّحِيفَةَ سَبْعُونَ ذِراعاً بِخَطِّ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وإمْلَاءِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِمَا وعلى أوْلَادِهِمَا فِيهَا مِنْ كُلِّ حَلَالٍ وحَرَامٍ. إنَّكُمْ لَتَأتُونَنَا فَتَدْخُلُونَ عَلَيْنَا فَنَعْرِفُ خِيَارَكُمْ مِنْ شِرَارِكُمْ.[7]
وورد في رواية «البصائر» أيضاً أنّ تلك الصحيفة في عرض الأديم مثل فَخِذِ الفَالِجِ، وفيها كلّ ما يحتاج الناس إليه، وليس من قضيّة إلّا هي فيها حتى أرش الخدش.
وقال المجلسيّ في بيان ذلك: الأديم: الجلد، أو أحمره، أو مدبوغه. والفالج: الجمل الضخم ذو السنامين يحمل من السِّند للفحل.
وعن «بصائر الدرجات» أيضاً، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عُمَير، عن إبراهيم بن عبد الحميد وأبي المغراء، عن حمران بن أعين، عن أبي جعفر (الباقر) عليه السلام: أشار إلى بيت كبير وقال: يَا حُمْرَانُ! إنَّ في هَذَا البَيْتِ صَحِيفَةٌ طُولُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً بخَطِّ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وإمْلَاءِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ. لَوْ وَلِينَا النَّاسَ لَحَكَمْنَا بِمَا أنْزَلَ اللهُ لَم نَعْدُ مَا في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ.[8]
وكذلك عنه، عن أحمد بن محمّد، عن الأهوازيّ، عن فُضالة، عن القاسم بن بُريد، عن محمّد بن مسلم، قال: قال أبو جعفر عليه السلام: إن عِنْدَنَا صَحِيفَةً مِنْ كُتُبِ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ طُولُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً. فَنَحْنُ نَتَّبِعُ مَا فِيهَا لَا نَعْدُوهَا.
وَسَألْتُهُ عَنْ مِيرَاثِ العِلْمِ مَا بَلَغَ؟! أجَوَامِعُ هُوَ مِنَ العِلْمِ أمْ فِيهِ تَفْسِيرُ كُلِّ شَيءٍ مِنْ هَذِهِ الامُورِ التي تَتَكَلَّمُ فِيهِ النَّاسُ مِثْلِ الطَّلَاقِ والفَرَائضِ؟!
فَقَالَ: إنَّ عَلِيَّاً عَلَيْهِ السَّلَامُ كَتَبَ العِلْمَ كُلَّهُ القَّضَاءَ والفَرَائِضَ. فَلَو ظَهَرَ أمْرَنَا لَمْ يَكُنْ شَيءٌ إلَّا فِيهِ سُنَّةً نُمْضِيهَا.[9]
وعنه أيضاً، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام: أخْرَجَ إلَيّ أبُو جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَحِيفَةً فِيهَا الحَلالُ والحَرَامُ والفَرَائِضُ. قُلْتُ: مَا هَذِهِ؟! قَالَ: هَذِهِ إمْلَاءُ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِه، وخَطَّهُ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِيَدِهِ.
قَالَ: قُلْتُ: فَمَا تَبْلَى؟! قَالَ: فَمَا يُبْلِيهَا؟! قُلْتُ: ومَا تَدْرُسُ؟! قَالَ: ومَا يَدْرُسُهَا؟! قَالَ: هي الجَامِعَةُ أوْ مِنَ الجَامِعَةِ.[10]
وقال المجلسيّ في شرحه: بيانٌ: قوله عليه السلام: فما يُبليها؟ أي: أيّ شيءٍ يقدر على إبلائها والله حافظها لنا؟! أو لا تقع عليها الأيدي كثيراً حتى تبلى أو تدرس وتُمحى.
وعنه أيضاً بروايته عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن سنان، عن عمّار بن مروان، عن المنخل بن جميل، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر عليه السلام. قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: إنَّ عِنْدِي لَصَحِيفَةً فِيهَا تَسْعَ عَشْرَةَ صَحِيفَةً قَدْ حَبَاهَا رَسوُلُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ.[11]
وعنه أيضاً، عن محمّد بن عبد الحميد، عن يعقوب بن يونس، عن مُعَتِّب قال: أخْرَجَ إلَيْنَا أبُو عَبْدِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَحِيفَةً عَتِيقَةً مِن صُحُفِ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإذَا فِيهَا مَا نَقُولُ إذَا جَلَسْنَا لِنَتَشَهَّدَ.[12]
وعنه، عن محمّد بن عيسى، عن فضالة، عن أبان، عن أبي شيبة قال: سمعتُ أبا عبد الله عليه السلام يقول: ضَلَّ عِلْمُ ابْنِ شُبْرُمَةَ عِنْدَ الجَامِعَةِ. إنَّ الجَامِعَةَ لَا تَدَعُ لأحَدٍ كَلَاماً. فِيهَا عِلْمُ الحَلَالِ والحَرَامِ. إنَّ أصْحَابَ القِيَاسِ طَلَبُوا العِلْمَ بِالقِياسِ فَلَمْ يَزِدهُمْ مِنَ الحَقِّ إلَّا بُعْداً؛ وإنَّ دِينَ اللهِ لَا يُصَابُ بِالقِيَاسِ.[13]
وعنه أيضاً، عن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن محمّد بن أبي عُمير، عن محمّد بن حكيم، عن أبي الحسن (الإمام موسى بن جعفر) عليه السلام قال: إنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالقِيَاسِ، وإنَّ اللهَ تَبَارَكَ وتعالى لَمْ يَقْبِضُ نَبِيَّهُ حتى أكْمَلَ لَهُ جَمِيعَ دِينِهِ في حَلَالِهِ وحَرَامِهِ. فَجَاءَكُمْ بِمَا تَحْتَاجُونَ إلَيْهِ في حَيَاتِهِ، وتَسْتَغْيثُونَ بِهِ وبَأهْلِ بَيْتِهِ بَعْدَ مَوتِهِ، وإنَّهَا مَخْبِيَّةٌ عِنْدَ أهْلِ بَيْتِهِ حتى أنَّ فِيهِ لأرْشَ الخَدْشِ. ثُمَّ قَالَ: إنَّ أبَا حَنِيفَةَ مِمَّنْ يَقُولُ: قَالَ عَلِيّ وقُلْتُ أنَا.[14]
أجل، هذه الروايات تمثّل نموذجاً من الروايات الكثيرة الواردة في جوامع الشيعة. وهي تدلّ على وجود «الجامعة» في عصر أمير المؤمنين عليه السلام. وعموماً لا يرتاب الشيعة وأهل السنّة في أصل تحقّق كتاب «الجامعة» وتدوينها في زمن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلّم بإملائه وإنشائه، وبخطّ مولى الموالي أمير المؤمنين عليه السلام. ومن هنا نستطيع أن نعدّ الإمام عليه السلام أوّل مدوّن في الإسلام في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وتحت إشرافه.[15]
قال السيّد حسن الصدر في كتاب «تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام»: إنّ الشيعة أوّل من تقدّم في جمع الآثار والأخبار، في عصر خلفاء النبيّ المختار عليه وعليهم الصلوات والسلام اقتدوا بإمامهم أمير المؤمنين عليه السلام، فإنّه عليه السلام صنّف فيه على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله.
قال الشيخ أبو العبّاس النجاشيّ في ترجمة محمّد بن عذافر: أخبرنا محمّد بن جعفر، قال: أخبرنا أحمد بن محمّد بن سعيد، عن محمّد بن أحمد بن الحسن، عن عبّاد بن ثابت، عن عبد الغفّار بن القسم، عن عذافر الصيرفيّ قال: كنت مع الحكم بن عُيَينة عند أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليهما السلام، فجعل يسأله- وكان أبو جعفر له مكرها- فاختلفا في شيء. فقال أبو جعفر: يَا بُنَيّ قُمْ فَأخْرِجْ كِتَابَ عَلِيّ! فَأخْرَجَ كِتَاباً مُدْرَجاً عَظِيماً فَفَتَحَهُ وجَعَلَ يَنْظُرُ حتى أخْرَجَ المَسْألَةَ. فَقَالَ أبُو جَعْفَرٍ. هَذَا خَطُّ عَلِيّ وإمْلَاءُ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ.
وَأقْبَلَ عَلَى الحَكَمِ وقَالَ: يَا أبَا مُحَمَّدٍ! اذْهَبْ أنْتَ وسَلِمَةُ والمِقْدَادُ حَيْثُ شِئْتُمْ يَمِيناً وشِمَالًا، فَوَ اللهِ لَا تَجِدُونَ العِلْمَ أوثَقَ مِنْهُ عِنْدَ قَوْمٍ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ جِبرَائِيلُ (الحديث).[16]
والروايات عن أهل البيت في هذا الكتاب (الجامعة) فوق حدّ الإحصاء، أخرج الكثير منها محمّد بن الحسن الصفّار في كتاب «بصائر الدرجات». وهو من الاصول القديمة كان في عصر البخاريّ صاحب «الصحيح»، وقد طبع بإيران.[17]
وذكر المرحوم الصدر في سبب تقدّم الشيعة في تدوين الحديث، وتأخّر أهل السنّة في ذلك أنّهم تقدّموا، لأنّ إمامهم أمير المؤمنين عليه السلام كان أباحه وجمعه. وتأخّر أهل السنّة لتحريم عمر له. وأورد مطلباً تحت عنوان: (تنبيه) قال فيه: تنبيه: قد ذكرتُ في كتاب «نهاية الدراية في علم دراية الحديث» وجه تأخّر إخواننا أهل السنّة في تدوين الحديث وجمعه. وحاصله ما ذكره ابن الصلاح في المقدّمة، ومسلم في أوّل صحيحه، وابن حجر في «فتح الباري» في المقدّمة أنّ السلف اختلفوا في كتابة الحديث فكرهها طائفة، منهم عمر بن الخطّاب، وعبد الله بن مسعود، وأبو سعيد الخُدريّ، في جماعة آخرين من الصحابة والتابعين. وأباحها طائفة اخرى كأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، وابنه الحسن، وأنس، وعبد الله بن عمرو بن العاص. ثمّ أجمع أهل العصر الثاني على جوازه- إلى آخر كلامهم.
فالشيعة تقدّموا، لأنّ إمامهم كان أباحه وجمعه كما عرفت فتابعوه وجمعوا. وتأخّر أهل السنّة لتحريم عمر له في جماعة آخرين. فكلّ من المؤلِّف والتارك مصيب في اتّباع إمامه. وقدّر الله تعالى تقدّم الشيعة في هذا العلم، كما قدّر تقدّمهم في غيره من العلوم الإسلاميّة. فاغتنم.[18]
وألّف العالم الخبير الواعي الشيخ محمود أبو ريّة المصريّ- وهو من إخواننا أهل السنّة- كتاباً علميّاً بكراً عنوانه: «شيخ المضيرة أبو هريرة» قال فيه تحت عنوان: مَا رَواهُ عَلَيّ:
أوّل من أسلم وتربّى في حجر النبيّ، وعاش تحت كنفه قبل البعثة، واشتدّ ساعده في حضنه، وظلّ معه إلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى، لم يفارقه لا في سفر، ولا في حضر. وهو ابن عمّه وزوج ابنته فاطمة الزهراء. شهد المشاهد كلّها سوى تبوك، فقد استخلفه النبيّ فيها على المدينة، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أتُخَلِّفُنِي في النِّساء والصِّبيان؟!
فَقَالَ رَسُولَ اللهِ: أمَا تَرْضَى أن تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلَّا أنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي.
رواه الشيخان، وابن سعد.[19] ولو كان عليّ رضي الله عنه قد حفظ كلّ يومٍ عن النبيّ- وهو الفطن اللبيب الذكيّ الحافظ ربيب النبيّ- (حديثاً واحداً) وقد قضى معه رشيداً أكثر من ثلث قرن، لبلغ ما كان يجب أن يرويه أكثر من اثني عشر ألف حديث. هذا إذا روى حديثاً واحداً في كلّ يوم، فما بالك لو كان قد روى كلّ ما سمعه- وكان له الحقّ في روايته،
ولا يستطيع أحد أن يماري فيه- ولا تنس أنّه مع ذلك كلّه كان يقرأ ويكتب، وكان يحفظ القرآن.
هذا الإمام الذي لا يكاد يضارعه أحد من الصحابة جميعاً في العلم والفضل، قد أسندوا له كما روى السيوطيّ 589 حديثاً. وقال ابن حزم: لم يصحّ منها إلّا خمسون حديثاً. ولم يرو البخاريّ، ومسلم منها إلّا نحواً من عشرين حديثاً.[20]
2- الجَفْر
وهو من الصحف أو الكتب المسلّمة التي دوّنها أمير المؤمنين عليه السلام بخطّه المبارك وإملاء الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلّم. ويحوم هذا الكتاب حول الحوادث الواقعة بعد وفاة النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله.
قال سند المحدِّثين المرحوم الشيخ عبّاس القمّيّ في كتابه الثمين: «سفينة البحار»: الصحيفة التي كانت بخطّ أمير المؤمنين عليه السلام وإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم. فيها كلّ شيء منذ قُبض رسول الله صلى الله عليه وآله، وكيف يُقْتَل الحسين عليه السلام، ومَن يقتله، ومَن ينصره، ومن يُسْتَشْهَدُ معه، وكيف تُستَشْهَد فاطمة عليها السلام والحسن عليه السلام. وفيه مقتل الحسين عليه السلام، وما يجري على أمير المؤمنين عليه السلام، وما كان ويكون إلى يوم القيامة.
كانت هذه الصحيفة عند أمير المؤمنين عليه السلام، رآها ابن عبّاس عنده بذي قار، وقال له عليه السلام: اقرأها عَلَيّ، فقرأها. فلمّا قرأ مقتل الحسين عليه السلام ومن يقتله، أكثر البكاء، ثمّ أدرج الصحيفة. (و جاء هذا الموضوع في الجزء الخامس من «بحار الأنوار» ص 16، الكمبانيّ).
وقال المحدِّث القمّيّ: أقُولُ: الظاهر أنّه إليها أشار ابن عبّاس بقوله حين عُنِّفَ على تركه الحسين عليه السلام: إنَّ أصْحَابَ الحُسَيْنِ لَم يَنْقُصُوا رَجُلًا ولَمْ يَزِيدُوا؛ نَعْرِفُهُمْ بِأسْمَائِهِمْ مِنْ قَبْلِ شُهُودِهِمْ!
والظاهر انّ هذه الصحيفة هي الديوان الذي كان حِمل بعير مع الحسن عليه السلام لا يفارقه حيث توجّه. وقد تقدّم ذِكره في حذف الصحيفة التي كانت فيها أسامي الشيعة.[21]
وجمع المجلسيّ رضي الله عنه في «بحار الأنوار» كافّة الأحاديث الواردة في باب علم الجفر. وبعضها ظاهر في أنّ المراد منه العلم بالأحكام والشرائع. وسمّى الجفر لأنّه مكتوب على جلد شاة. وبعضها الآخر ظاهر في أنّ المقصود منه الاطّلاع على حوادث الأيّام والمغيبات التي تتعيّن بالحساب. وقد اخترنا ستّة أحاديث من الطائفة الأولى، وستّةً من الطائفة الثانية، نذكرها فيما يأتي، ثمّ نناقش ما يستفاد منها. أمّا الطائفة الأولى:
الأوّل: عن «بصائر الدرجات»، عن أحمد بن محمّد بن عليّ بن الحَكَم، عن الحسين بن أبي العلاء قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن عِنْدِي الجَفْرَ الأبْيَضَ. قَالَ: قُلْنَا: وأيّ شَيءٍ فِيهِ؟!
قَالَ: فَقَالَ لي: زَبُورُ داوُدَ وتَوْرَاةُ موسى وإنجِيلُ عيسى وصُحُفُ إبراهِيمَ والحَلالُ والحَرَامُ. ومُصْحَفُ فَاطِمَةَ مَا أزْعُمُ أنَّ فِيهِ قُرْآناً. وفِيهِ مَا يَحْتَاجُ النَّاسُ إلَيْنَا ولَا نَحْتَاجُ إلَى أحَدٍ حتى أنَّ فِيهِ الجَلْدَةَ ونِصْفَ الجَلْدَةِ وثُلْثَ الجَلْدَةِ ورُبْعَ الجَلْدَةِ وأرْشَ الخَدْشِ؛ وعِنْدِي الجَفْرُ الأحْمَرُ.
قَالَ: قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ وأيّ شَيءٍ في الجَفْرِ الأحْمَرِ؟!
قَالَ: السِّلَاحُ إنَّهَا يُفْتَحُ للدَّمِ، يَفْتَحُهُ صَاحِبُ السَّيْفِ لِلْقَتْلِ.
فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي يَعْفُورٍ: أصْلَحَكَ اللهُ فَيَعْرِفُ هَذَا بَنُو الحَسَنِ؟!
قَالَ: أي واللهِ كَمَا يَعْرِفُ اللَّيْلَ أنَّهُ لَيْلٌ والنَّهَارَ أنَّهُ نَهارٌ؛ ولَكِنْ يَحْمِلُهُمْ الحَسَدُ وطَلَبُ الدُّنْيَا؛ ولَوْ طَلَبُوا الحَقَّ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ.[22]
الثاني: عن «بصائر الدرجات»، عن ابن يزيد، ومحمّد بن الحسين، عن ابن أبي عُمير، عن ابن اذينة، عن عليّ بن سعيد قال: كنتُ قاعداً عند أبي عبد الله عليه السلام وعنده اناس من أصحابنا، فقال له مُعَلَّى بن خُنَيْس: جُعلتُ فداك! ما لقيت من الحسن بن الحسن!
ثمّ قال له الطيّار: جعلتُ فداك بينا أنا أمشي في بعض السكك إذا لقيتُ محمّد بن عبد الله بن الحسن على حمار حوله اناس من الزيديّة، فقال: لي:
أيُّهَا الرَّجُلُ إلَيّ إلَيّ! فإنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآله قَالَ: مَنْ صلى صَلَاتَنَا واسْتَقَبَل قِبْلَتَنَا وأكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَذَاكَ المُسْلِمُ الذي لَهُ ذِمَّةُ اللهِ وذِمَّةُ رَسُولِهِ. مَن شَاءَ أقَامَ، ومَن شَاءَ ظَعَنَ. فَقُلْتُ لَهُ. اتَّقِ اللهَ ولَا تَغُرَّنَكَ هَؤلَاءِ الَّذِينَ حَوْلَكَ.
فقال أبو عبد الله عليه السلام للطيّار: فلم تقل له غيره؟! قال: لا. قال: فَهَلَّا قُلْتَ: إنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ قَالَ ذَلِكَ والمُسْلِمُونَ مُقِرُّونَ بِالطَّاعَةِ، فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ ووَقَعَ الاخْتِلَافُ انْقَطَعَ ذَلِكَ.
فقال محمّد بن عبد الله بن عليّ،[23] العَجَبُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ الحَسَنِ أنَّهُ يَهْزَا ويَقُولُ: هَذَا في جَفْرِكُمُ الذي تَدَّعُونَ؟!
فَغَضِبَ أبُو عَبْدِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: العَجَبُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ الحَسَنِ يَقُولُ: لَيْسَ فِينَا إمَامُ صِدْقٍ. مَا هُوَ بِإمَامٍ ولَا كَانَ أبُوهُ إمَاماً. يَزْعَمُ أنَّ عَلِيّ بْنَ أبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَكُنْ إمَاماً، ويُرَدِّدُ ذَلِكَ.
وَأمَّا قَوْلُهُ في الجَفْرِ، فَإنَّمَا هُوَ جِلْدُ ثَوْرٍ مَذْبُوحٍ كَالجِرَابُ فِيهِ كُتُبٌ وعِلْمُ مَا يَحْتَاجُ النَّاسُ إلَيْهِ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ مِنْ حَلَالٍ وحَرَامٍ. إمْلَاءُ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وخَطُّ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِيَدِهِ. وفِيهِ مُصْحَفُ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ مَا فِيهِ آيَةٌ مِنَ القُرْآنِ. وإنَّ عِنْدِي خَاتَمَ رَسُولِ اللهِ ودِرْعَهُ وسَيْفَهُ ولِوَاءَهُ، وعِنْدِي الجَفْرُ عَلَى رَغْمِ أنْفِ مَنْ زَعَم.[24]
الثالث: عن «بصائر الدرجات»، عن ابن هاشم، عن يحيى بن أبي عمران، عن يونس، عن رجلٍ، عن سليمان بن خالد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إنَّ في الجَفْرِ الذي يَذْكُرونَهُ لَمَا يَسُوؤُهُمْ، لأنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ الحَقَّ والحَقُّ فِيهِ.
فَلْيُخْرِجُوا قَضَايَا عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وفَرَائِضُهُ إنْ كَانُوا صَادِقِينَ. وسَلوهُمْ عَنِ الخَالاتِ والعَمَّاتِ ولِيُخْرِجُوا مُصْحَفَ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ فَإنَّ فِيهِ وَصِيَّةَ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ أوْ سِلَاحَ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِه.
إن اللهَ يَقُولُ «ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِن قَبْلِ هَذَا أوْ أثَارَةٍ منْ عِلْمٍ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ».[25]
الرابع: عن «بصائر الدرجات»، عن محمّد بن أحمد، عن ابن معروف، عن أبي القاسم الكوفيّ، عن بعض أصحابه قال: ذَكَرَ وُلْدُ الحَسَنِ الجَفْرَ فَقَالُوا: مَا هَذَا بِشيءٍ. فَذُكِرَ ذَلِكَ لأبِي عَبْدِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: نَعَمْ هُمَا إهَابَانِ: إهَابُ مَاعِزٍ وإهَابُ ضَأنٍ مَمْلُوَّانِ كُتُباً، فِيهَا كُلُّ شَيْءٍ حتى أرْشُ الخَدْشِ.[26]
الخامس: عن «بصائر الدرجات»، عن أحمد بن موسى، عليّ بن إسماعيل. عن صفوان، عن ابن المغيرة، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: ويحكم أتَدْرُون مَا الجَفْرُ؟! إنَّمَا هُوَ جِلْدُ شَاةٍ لَيْسَتْ بِالصَّغِيرَةِ ولَا بِالكَبِيرَةِ، فِيهَا خَطُّ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَإمْلَاءُ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ مِنْ فَلْقِ فِيهِ. مَا مِنْ شَيءٍ يُحْتَاج إلَيْهِ إلَّا وهُوَ فِيهِ حتى أرْشُ الخَدْشِ.[27]
السادس: عن «بصائر الدرجات»، عن محمّد بن عيسى، عن ابن أبي عُمَير، عن ابن اذَيْنَة، عن عليّ بن سعيد قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: أمَّا قَوْلُهُ في الجَفْرِ، إنَّمَا هُوَ جِلْدُ ثَوْرٍ مَدْبُوغٍ كَالجِرَابِ، فِيهِ كُتُبٌ وعِلْمُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ النَّاسُ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ مِنْ حَلَالٍ أوْ حَرَامٍ، إمْلَاءُ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وخَطُّ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وأمّا الأحاديث الستّة المنتخَبة التي تدلّ على أنّ علم الجفر علم بالحوادث والوقائع والغيبيّات، فهي كالآتي: الأوّل: عن «بصائر الدرجات»، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن أحمد بن عمر، عن أبي بصير قال: دخلتُ على أبي عبد الله عليه السلام، قال: فقلتُ له: إنّي أسألك- جعلتُ فداك- عن مسألة ليس هاهنا أحد يسمع كلامي!
قال: فرفع أبو عبد الله عليه السلام ستراً بيني وبين بيت آخر فاطّلع فيه ثمّ قال: يا أبا محمّد سل عمّا بدا لك!
قال: قلتُ: جعلتُ فداك؛ إنّ الشيعة يتحدّثون أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله علّم عليّاً باباً يفتح منه ألف باب.
قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام: يا أبا محمّد! علّم- واللهِ- رسول الله صلى الله عليه وآله عليّاً ألف بابٍ يفتح له من كلّ باب ألف باب. قال: قلتُ له: هَذَا واللهِ العِلْمُ. فنكت ساعةً في الأرض ثمّ قال: إنَّهُ لَعِلمٌ ومَا هُوَ بِذاكَ.
قال: ثمّ قال: يا أبا محمّد وإنّ عندنا الجامعة. وما يدريهم ما الجامعة؟! قال: قلتُ: جُعلت فداك! وما الجامعة؟ قال: صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وأملاه من فلق فيه، وخطّ عليّ عليه السلام بيمينه، فيها كلّ حلال وحرام وكلّ شيء يحتاج الناس إليه حتى الأرش في الخدش. وضرب بيده إليّ، فقال: تأذن لي يا أبا محمّد؟ قال: قلتُ: جعلتُ فداك! أنا لك، اصنع ما شئتَ. فغمزني بيده فقال: حتى أرش هذا، كأنّه مُغضب. قال: قلتُ: جعلتُ فداك! هذا والله العلم. قال: إنَّهُ لَعِلْمٌ ولَيْسَ بِذاكَ.
ثمّ سكت ساعةً، ثمّ قال: إنَّ عِنْدَنَا الجَفْرَ، ومَا يُدْرِيهِمْ مَا الجَفْرُ؟! مَسْكُ شَاةٍ أوْ جِلْدُ بَعِيرٍ. قال: قلتُ: جعلتُ فداك! ما الجفر؟! قال:
وِعَاءٌ أحْمَرُ وأدِيمٌ أحْمَرُ فِيهِ عِلْمُ النَّبِيِّينَ والوَصِيِّينَ.
قلتُ: هَذَا واللهِ هُوَ العِلْمُ.
قال: إنَّهُ لَعِلْمٌ ومَا هُوَ بِذاكَ.
ثمّ سكت ساعةً، ثمّ قال: وإنَّ عِنْدَنَا لَمُصْحَفَ فَاطِمَةَ، ومَا يُدرِيهِمْ مَا مُصْحَفُ فَاطِمَةُ؟ قَالَ: فِيهِ مِثْلُ قُرْآنِكُمْ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. واللهِ مَا فِيهِ مِنْ قُرْآنِكُمْ حَرْفٌ واحِدٌ. إنَّمَا هُوَ شَيءٌ أمْلَاهُ اللهُ عَلَيْهَا وأوْحَى إلَيْهَا.
قال: قلتُ: هَذَا واللهِ هُوَ العِلْمُ.
قال: إنَّهُ لَعِلْمٌ ولَيْسَ بِذَاكَ.
قال: ثُمّ سكت ساعةً ثمّ قال: إنَّ عِنْدَنا لَعِلْم مَا كَانَ ومَا هُوَ كَائِنٌ إلَى أنْ تَقُومَ السَّاعَةُ. قال: قلتُ: جعلتُ فداك هذا هو والله العلم.
قال: إنَّهُ لَعِلْمٌ ومَا هُوَ بِذاكَ.
قال: قلتُ: جعلتُ فداك! فَأيّ شَيء هُو العلم؟
قَالَ: مَا يَحْدُثُ بِاللَّيْلِ والنَّهَارِ، الأمْرُ بَعْدَ الأمْرِ، والشَّيءُ بَعْدَ الشَّيءِ إلَى يَوْمِ القِيَامَة.[28]
ويوضّح المجلسيّ هنا ببيانه بعض المواضع الغامضة في هذا الحديث، ويقول:
بيانٌ: لعلّ رفع الستر للمصلحة، أو لكون تلك الحالة من الأحوال التي لا يحضرهم فيها علم بعض الأشياء.[29] والنَّكْتُ: أن تضرب في الأرض بقضيب فتؤثّر فيها. قوله عليه السلام: تأذن، يدلّ على أنّ إبْرَاء مَا لَمْ يَجِبْ نافع. قوله: كَأنَّهُ مُغْضِبٌ، أي: غمز غمزاً شديداً كأنّه مُغضب، قوله: وما يدريهم ما الجفر؟! أي: لا يدرون أنّ الجفر صغير بقدر مسك شاة أو كبير على خلاف العادة بقدر مسك بعير. وكأنّه إشارة إلى أنّه كبير. قوله: إنَّ هَذَا هُوَ العِلْمُ، أي: العلم الكامل وكلّ العالم. قوله: والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد فيه، أي: فيه علم ما كان وما يكون. فإن قلتَ: في القرآن أيضاً بعض الأخبار، قلتُ: لعلّه لم يذكر فيه ممّا في القرآن.
فإن قلتَ: يظهر من بعض الأخبار اشتمال مصحف فاطمة عليها السلام أيضاً على الأحكام! قلتُ: لعلّ فيه ما ليس في القرآن. فإن قلتَ: قد ورد في كثير من الأخبار اشتمال القرآن على جميع الأحكام والأخبار ممّا يكون أو يكون. قلتُ: لعلّ المراد به ما نفهم من القرآن لا ما يفهمون منه. ولذا قال عليه السلام: قُرْآنِكُمْ، على أنّه يُحتمل أن يكون المراد لفظ القرآن.
ثمّ الظاهر من أكثر الأخبار اشتمال مصحفها عليها السلام على الأخبار فقط. فيُحتمل أن يكون المراد عدم اشتماله على أحكام القرآن. قوله عليه السلام: علم ما كان وما هو كائن، أي: من غير جهة مصحف فاطمة عليها السلام أيضاً.[30]
وشاهِدُنا في هذا الحديث هو أنّ الإمام عليه السلام جعل الجامعة في مقابل الجَفْر. وجعلها مشتملة على كلّ حلال وحرام حتى أرش الخدش إلى يوم القيامة. وحدّد الجفر في علم النبيّين والوصيّين. وعلومهم حيال الأحكام هي العلوم الغيبيّة والإلهامات القلبيّة.
الثاني: عن «بصائر الدرجات»، عن ابن يزيد، عن الحسن بن عليّ، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: ذُكِرَ لَهُ وَقِيعَةُ وُلْدِ الحَسَنِ وذَكَرْنَا الجَفْر.
فَقَالَ: واللهِ إنَّ عِنْدَنَا لَجِلْدَى مَاعِزٍ وضَأنٍ: إمْلَاءَ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وخَطَّ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وإنَّ عِنْدَنَا لَصَحِيفَةً طُولُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً أمْلَاهَا رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وخَطَّهَا عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِيَدِهِ، وإنَّ فِيهَا لَجَمِيعَ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ حتى أرْشَ الخَدْشِ.
ثمّ قال المجلسيّ: بيانٌ: الوقيعة الذمّ والغيبة. أي: ذكر أنّ ولد الحسن يذمّون الأئمّة عليهم السلام في ادّعائهم الجفر ويكذّبونهم. ويحتمل أن يكون المراد بالوقيعة الصدمة في الحرب.[31]
الثالث: عن «بصائر الدرجات»، عن السنديّ بن محمّد، عن أبان بن عثمان، عن عليّ بن الحسين، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال:
إن عَبْدَ اللهِ بْنَ الحَسَنِ يَزْعَمُ أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ مِنَ العِلْمِ إلَّا مَا عِنْدَ النَّاسِ.
فَقَالَ: صَدَقَ واللهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ الحَسَنِ مَا عِنْدَهُ مِنَ العِلْمِ إلَّا مَا عِنْدَ النَّاسِ؛ ولَكِنَّ عِنْدَنَا واللهِ الجَامِعَةَ فِيهَا الحَلالُ والحَرَامُ. وعِنْدَنَا الجَفْرُ؛ أيَدْرِي عَبْدُ اللهِ بْنُ الحَسَنِ مَا الجَفْرُ؟ مَسْكُ بَعِيرٍ أمْ مَسْكُ شَاةٍ؟
وَعِنْدَنَا مُصْحَفُ فَاطِمَةَ، أمَا واللهِ مَا فِيهِ حَرْفٌ مِنَ القُرْآنِ ولَكِنَّهُ إمْلَاءُ رَسُولِ اللهِ وخَطُّ عَلِيّ عَلَيْهُمَا السَّلَامُ. كَيْفَ يَصْنَعُ عَبْدُ اللهِ إذَا جَاءَ النَّاسُ مِنْ كُلِّ افُقٍ يَسْألُونَهُ؟[32]
الرابع: عن «بصائر الدرجات»، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن عليّ، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: ذَكَرُوا وُلْدَ الحَسَنِ، فَذَكَرُوا الجَفْرَ، فَقَالَ: واللهِ إنَّ عِنْدِي لَجِلْدَي مَاعِزٍ وضَأنٍ إمْلَاءُ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وخَطُّ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِيَدِهِ.
وَإنَّ عِنْدِي لَجِلْداً سَبْعِينَ ذِرَاعاً إمْلَاءُ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وخَطَّهُ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِيَدِهِ. وإنَّ فِيهِ لَجَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ النَّاسُ حتى أرْشَ الخَدْشِ.[33]
الخامس: عن «بصائر الدرجات»، عن عليّ بن الحسين، عن الحسن بن الحسين السحاليّ، عن مخوّل بن إبراهيم، عن أبي مريم قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: عِنْدَنَا الجَامِعَةُ وهي سَبْعُونَ ذِرَاعاً، فِيهَا كُلُّ شَيْءٍ حتى أرْشُ الخَدْشِ، إمْلَاءُ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وخَطُّ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وعِنْدَنَا الجَفْرُ وهُوَ أدِيمٌ عُكَاظِيّ قَدْ كُتِبَ فِيهِ حتى مُلِئَتْ أكَارِعُهُ، فِيهِ مَا كَانَ ومَا هُوَ كَائِنٌ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ.
قال المجلسيّ: بيانٌ: قال في «القاموس»: العكاظ كغراب: سوق بصحراء بين نخلة والطائف، ومنه أديم عكاظيّ. وقال: الكراع كغراب من البقر والغنم هو مُستدقّ الساق، والجمع: أكرع وأكارع.[34]
السادس: عن «بصائر الدرجات»، عن محمّد بن الحسين، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قيل له: إنّ عبد الله بن الحسن يزعم أنّه ليس عنده من العلم إلّا ما عند الناس، فقال: صدق والله ما عنده من العلم إلّا ما عند الناس، ولكن عندنا والله الجامعة فيها الحلال والحرام. وعندنا الجفر، أفيدري عبد الله؟ أمسك بعير أو مسك شاة؟
وعندنا مصحف فاطمة. أما والله ما فيه حرف من القرآن، ولكنّه إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وخطّ عليّ عليه السلام. كَيْفَ يَصْنَعُ عَبْدُ اللهِ إذَا جَاءَهُ النَّاسُ مِنْ كُلِّ فَنٍّ يَسْألُونَهُ؟! أمَا تَرْضَونَ أنْ تَكُونُوا يَوْمَ القِيَامَةِ آخِذِينَ بِحُجْزَتِنَا، ونَحْنُ آخِذُونَ بِحُجْزَةِ نَبِيِّنَا، ونَبِيُّنَا آخِذٌ بِحُجْزَةِ رَبِّهِ؟![35]
أجل، نجد في هذه الأحاديث أنّ علم الجفر في مقابل الجامعة. ويستفاد من قرينة تقابلهما- فيما إذا كانت الجامعة زاخرة بالأحكام والحلال والحرام حتى أرش الخدش حقّاً- أنّ علم الجفر بيان حوادث الكائنات، ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، والوقائع، وإمارة الجبابرة الجائرين، وقضايا غصب الخلافة من قِبل الثلاثة الاوَل، وبني اميّة، وبني العبّاس، ونظائر ذلك.
ولمّا كُتبت اصول هذا العلم واسسه بعامّة على جلدٍ، وكان الجفر بمعنى جلد الشاة، فلهذا سمّى هذا العلم المكتوب في باطنه: الجَفْر.
كانت اصول الجفر وقواعده صحيحة متقنة يمكن من خلالها كشف الامور الغيبيّة وحلّ المسائل المستعصية، والإخبار عن الأوضاع والحوادث، ولكن لمّا كان الاطّلاع على الأسرار والمغيبات يحتاج إلى نفوس طاهرة، لهذا فإنّه يختصّ بالأئمّة عليهم السلام. وكانوا يعلّمونه بعض خواصّهم الذين بلغوا مقام الطهارة الباطنيّة، ويستخدمونه فقط في الاطّلاع على الامور الحسنة. وكان الأئمّة عليهم السلام يجتنبون تعليمه مَن ليسوا أهلًا له. أي: مَن لم يتطهّروا نفسيّاً. وكانوا يحذّرون من استخدامه بشدّة. وكان علم الجفر الحقيقيّ عند مولانا أمير المؤمنين عليه السلام، وعند الأئمّة عليهم السلام من بعده. ويوجد علم الجفر هذا اليوم أيضاً، بَيدَ أنّه لمّا كان ناقصاً، فلا يتيسّر الكشف الحتميّ له. ولعلّ صحيحه عند بعض النفوس المطهّرة البعيدة عن إطلاع العامّة. وإنّي شرعتُ في تعلّم الرَّمْل عند أحد العلماء المتبحّرين في العلوم الغريبة كتحضير الأرواح، وعلم الرمل، والجفر مقيماً على ذلك زهاء شهر واحد بطهران[36] قبل ذهابي إلى النجف الأشرف. وكان ذلك العالم يحبّني كثيراً كما كان يرغب في تعليمي الجَفْر بعد الرَّمْل مصرّاً على ذلك، إذ كان يقول: لا ولد لي وأخشى أن أموت فتضيع علومي هذه كلّها.
ورأيتُ أنّ تعلّم الرمل يستغرق سنتين كاملتين، فكيف أتعلّم الجفر وهو أهمّ وأصعب؟ علماً أنّي لا أستهدف دراسة هذه العلوم، لأنّها تبعدني عن غايتي الأساسيّة وهي العرفان الإلهيّ. ونحن لو عمّرنا مائة عام، وسخّرنا هذا العمر كلّه في طريق العرفان ومعرفة المعبود، لكنّا مقصّرين أيضاً، فكيف نبدّد أعمارنا في تحصيل المغيبات؟ من هنا تركتُ ذلك الدرس. والسبب الآخر لتركي أيّاه هو أنّي شعرتُ بظلامٍ في باطني وانقباض في صدري عند دراسة هذا العلم.
كما أنّي لم أتعلم الكيمياء. وأراد أحد الأعاظم يوماً أن يعلّمني الكيمياء فرفضتُ لأنّي شعرتُ أنّي لا أجني منها غير ضياع العمر والانهماك في الامور المادّيّة والدنيويّة.
وممّا أوصى به السيّد ابن طاووس ولدَيْه: محمّد وعليّ في «كشف المحجّة» أن لا ينشغلا بالكيمياء، بل ينشغلا بعلم معرفة الله فإنّه الكيمياء الحقّة. وذكر لهما أنّ جدّهما أمير المؤمنين عليه السلام كان عارفاً بهذا العلم، لكنّه لم يستعمله مدّة حياته قطّ. وكان يبحث عن الكيمياء الحقيقيّة فبلغ عرفان الله، وما عليهما إلّا الاقتداء به.
لقد ورد في كثير من الأحاديث أنّ الأئمّة عليهم السلام كانوا يكشفون المغيبات عبر الجفر. مثلًا، كتب الإمام الرضا عليه السلام على ظهر كتاب عهد المأمون أنّ الجامعة والجفر يدلّان على ضدّ ذلك.
وكان الإمام الصادق عليه السلام يكرّر أنّ خروج بني الحسن على العبّاسيّين لا يحقّق الهدف، وأنّ الدماء تراق بلا مسوّغ، وأنّهما لا تثمر شيئاً.
وكان عبد الله المحض بن الحسن المثنّى بن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام يزعم أنّ ولده محمّداً هو المهديّ القائم. وعرّف الناس به وبأخيه إبراهيم الغَمْر- وكان محمّد يُعرف بصاحب النفس الزكيّة- وأخذ منهم البيعة لهما. حتى أنّه دعا الصادق عليه السلام إلى بيعة محمّد. وهذا موضوع مفصّل تطرّقت إليه كتب التأريخ.
وكان محمّد وإبراهيم شجاعين سخيَّين تقيّين، وكان أبوهما عبد الله من أعاظم بني هاشم والعلويّين ورؤسائهم. بَيدَ أنّ علمهم لم يبلغ مستوى علم الإمام كما لم يكونوا أهلًا للإمامة. ولم ينقادوا للإمام الصادق عليه السلام ولولايته وكانوا يعرفونه بالعلوم الغريبة والمغيبات، لكنّ اعترافهم بذلك يؤدّي إلى كساد سوقهم، وإلى بطلان زعمهم المهدويّة فلم يظهروه.
ولمّا اثر عن النبيّ صلى الله عليه وآله أنّ اسم المهديّ محمّد، وأنّه يظهر في عصر طغيان سلاطين الجور، فإنّ عبد الله كان يقول: لا زمان أسوأ من هذا الزمان الذي تسلّط فيه العبّاسيّون، وغصب فيه الفتّاك المتهوّر الجائر المنصور الدوانيقيّ حقَّ آل محمّد. وأنّ اسم ابني محمّد، وهو شجاع وحقيق بالخروج والإمارة والحكومة على المسلمين، فهو المهديّ وعلى الناس أن يسلّموا لأمره.
إن ما أراد أن يخبر به الإمام الصادق عليه السلام هؤلاء من وحي علومه التي كان الجَفْر أحدها هو أنّ هذا الرجل (محمّد النفس الزكيّة) ليس قائم آل محمّد؛ وأنّ خروجه لا يثمر شيئاً. ولمّا كان في غير وقته، فإنّه يُمنى بآلاف الأخطاء، بَيدَ أنّهُم لم يقبلوا ذلك منه. حتى أنّه عليه السلام دلّ على زمان قتله بِيَدِ ابن عمّ المنصور الذي يأتي من الشام بجيش جرّار، ويقتله قرب المدينة. كما أخبر عن كيفيّة قتله وقتل أخيه إبراهيم الذي قُبض عليه بعده. وكان عليه السلام يحذّرهم من الخروج في غير أوانه، ولكنّ تحذيره لم يُجْدِ نفعاً. والأنكى من ذلك أنّهم كانوا ممتعضين من تخلّف الإمام عنهم، وتفوّهوا بكلمات بذيئة عليه. وكانوا يقولون: فينا شروط الإمامة، وعلينا النهوض، ولا يجوز التأخير.
و كان الإمام عليه السلام يعلم أنّ الثورة في ذلك الحين كقطف الثمرة الفجّة من شجرتها. وكان اولئك مبتهجين لإقبال الناس عليهم وبيعتهم الظاهريّة لهم؛ بيد أنّ الإمام عليه السلام كان يعلم بحقيقة الحال وكان ينظر إلى هذه الامور كعالمٍ بالغيب، مستقرّ في مصدر الأمر والملكوت. ولم تؤت نصيحته اكُلَها، فزادت مصائب الحسنيّين في سجن المنصور، وقَتْلُهم في سجن بغداد، ومقتل محمّد وإبراهيم مصائبه عليه السلام مئات الأضعاف. وكانت تسيل دموعه رحمةً بهؤلاء القوم الجامحين الذين لا إمام ولا وليّ لهم، وكان خروجهم عقيماً.
وكانوا يرون أنّ الإمام عليه السلام ذو علومٍ تفوق علومهم، لكنّهم لم ينقادوا لهذه العلوم، وكانوا يتصرّفون بجهل. ورأينا في الأحاديث الأخيرة أنّ الكلام دار كثيراً حول أولاد الحسن عليه السلام، والمقصود هو عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وكان الإمام عليه السلام يقول: عندنا علم الجَفْر، وعندنا أيضاً علوم هي أسمى من أن يدركها أولاد الحسن المثنّى.
ويستبين من استشهاد الإمام عليه السلام بإحرازهم «الجامعة» وهي علم الأحكام إلى يوم القيامة، واستئثارهم بالجفر، وهو العلم بالوقائع والحوادث والمغيبات، إنّ الجفر يختصّ العلم بحوادث المستقبل واستكشاف الامور الغيبيّة، وهو ما يفتقده بنو الحسن. ولهذا نلحظ أنّ الرواة- بخاصّة في مقام بيان الجفر- يسألون الإمام: أترون أنّ أولاد الحسن مطّلعون على جفركم أم لا؟!
إذن، ظهر لنا من مجموع الموضوعات المتقدّمة أنّ الجفر علم مستقلّ لا يرتبط بمسائل الحلال والحرام، في مقابل «الجامعة»، ولا يمكن دمجهما معاً. ولمّا كانت اصوله الصحيحة بعيدة المنال في واقعنا المعاصر، فلا يتسنّى لنا أن ننكر أصله الصحيح عن أمير المؤمنين عليه السلام أيضاً، كما لا يتيسّر لنا أن ننكر أنّ له كتاباً من جلد، وفيه خاصّيّة استكشاف المغيبات، ويتعذّر علينا أن نُبطل هذا الموضوع الذي يقرّ به الشيعة والعامّة، وهو أنّ أهل البيت كانوا ذوي علوم غيبيّة تترشّح عن نفوسهم المطهّرة.
وذكر العالم الجليل آية الله السيّد محسن الأمين الحسينيّ العامليّ في كتاب «أعيان الشيعة» فصلًا مبسوطاً حول جفر أمير المؤمنين عليه السلام قال: من مؤلّفات أمير المؤمنين عليه السلام الجفر. في «مجمع البحرين»: في الحديث: أمْلَى رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلَى أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ الجَفْرَ والجَامِعَةَ.
وفُسِّرا في الحديث بإهَابِ مَاعِزٍ وإهَابِ كَبْشٍ. فيهما جميع العلوم حتى أرش الخدشة والجلدة ونصف الجلدة.
ونُقل عن المحقّق الشريف في «شرح المواقف» أنّ «الجفر» و«الجامعة» كتابان لعليّ عليه السلام. قد ذكر فيهما على طريقة علم الحروف الحوادث إلى انقراض العالم. وكان الأئمّة المعروفون من أولاده يعرفونهما ويحكمون بهما- انتهى.
وفي «القاموس»: الجفر من أولاد الشاة ما عظم واستكرش، وبلغ أربعة أشهر- انتهى.
وفي «صحاح اللغة»: الجفر من أولاد المعز ما بلغ أربعة أشهر وجفر جنباه وفصل عن امّه، والانثى جفرة- انتهى.
فالجفر في الحديث على حذف مضاف، أي: جلد الجفر. ولعلّه صار كالعَلَم على جلد مخصوص لثور أو شاة لكثرة الاستعمال. والأخبار الواردة في الجفر فيها بعض الاختلاف. ونحن نشير إليها وإلى الجمع بينها.
ونقل المرحوم الأمين هنا جميع الأخبار الواردة في هذا الباب عن «بصائر الدرجات». وقال في آخرها: والمستفاد من المجموع أنّ الجفر منه ما كُتب فيه العلم، ومنه ما جُعِلَ وعاء للسلاح أو له وللكتب. ثمّ قال: وفي «كشف الظنون»: ادّعى طائفة أنّ الإمام عليّ بن أبي طالب وضع الحروف الثمانية والعشرين على طريق البسط الأعظم في جلد الجفر، يستخرج منها بطرق مخصوصة وشرائط معيّنة وألفاظ مخصوصة ما في لوح القضاء والقدر. وهذا علم توارثه أهل البيت ومَن ينتمي إليهم ويأخذ منهم من المشايخ الكاملين. وكانوا يكتمونه عن غيرهم كلّ الكتمان. وقيل: لا يفقه في هذا الكتاب حقيقة إلّا المهديّ عليه السلام المنتظر خروجه في آخر الزمان.
وورد هذا في كتب الأنبياء عليهم السلام السالفة كما نُقل عن عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام: نَحْنُ مَعَاشِرَ الأنْبِيَاءِ نَأتِيكُمْ بِالتَّنْزِيلِ، وأمَّا التَّأوِيلُ فَسَيَأتِيكُمْ بِهِ البَارْقِليطُ الذي سَيَأتِيكُمْ بَعْدِي!
نُقل أنّ الخليفة المأمون لمّا عهد بالخلافة من بعده إلى عليّ بن موسى الرضا عليه السلام وكتب إليه كتاب عهده، كتب هو في آخر ذلك الكتاب: نَعَمْ إلَّا أنَّ الجَفْرَ والجَامِعَةَ يَدُلَّانِ عَلَى أنَّ هَذَا الأمْرَ لَا يَتِمُّ.
وكان كما قال، لأنّ المأمون استشعر فتنة من بني هاشم فَسَمَّه، كذا في «مفتاح السعادة».
قال ابن طلحة: «الجفر» و«الجامعة» كتابان جليلان، أحدهما: ذكره الإمام عليّ بن أبي طالب وهو يخطب بالكوفة على المنبر. والآخر: أسرّه إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وأمره بتدوينه. فكتبه حروفاً متفرّقة على طريق سفر آدم في جفر، يعني في رقّ قد صُنع من جلد البعير، فاشتهر بين الناس به، لأنّه وجد فيه ما جرى للأوّلين والآخرين، إلى آخر ما ذكره- انتهى ما أردنا نقله من «كشف الظنون».
ثمّ قال: ومن الكتب المصنّفة فيه (أي: في علم الجفر) «الجفر الجامع والنور اللامع» للشيخ كمال الدين أبي سالم محمّد بن طلحة النصيبيّ الشافعيّ المتوفّى سنة 652 هـ مجلّد صغير ذكر فيه أنّ الأئمّة من أولاد جعفر يعرفون الجفر، فاختار من أسرارهم فيه- انتهى.
وقال ابن خلدون في مقدّمته، في فصل ابتداء الدول والامم. وقد يستندون في حدثان الدول على الخصوص إلى كتاب «الجفر» ويزعمون أنّ فيه علم ذلك كلّه من طريق الآثار والنجوم لا يزيدون على ذلك، ولا يعرفون أصل ذلك ولا مستنده.
قال: واعلم أنّ كتاب «الجفر» كان أصله أنّ هارون بن سعيد العجليّ- وهو رأس الزيديّة- كان له كتاب يرويه عن جعفر الصادق. وفيه علم ما سيقع لأهل البيت على العموم، ولبعض الأشخاص منهم على الخصوص. وقع ذلك لجعفر ونظائره من رجالاتهم على طريق الكرامة والكشف الذي يقع لمثلهم من الأولياء. وكان مكتوباً عند جعفر في جلد ثور صغير، فرواه عنه هارون العجليّ، فكتبه وسمّاه الجفر باسم الجلد الذي كتب منه، لأنّ الجفر في اللغة هو الصغير. وصار هذا الاسم عَلَماً على هذا الكتاب عندهم.
وكان فيه تفسير القرآن وما في باطنه من غرائب المعاني مرويّة عن جعفر الصادق. وهذا الكتاب لم تتّصل روايته ولا عرف عينه؛ وإنّما يظهر منه شواذّ من الكلمات لا يصحبها دليل. ولو صحّ السند إلى جعفر الصادق لكان فيه نعم المستند من نفسه أو رجال قومه. فهم أهل الكرامات. وقد صحّ عنه أنّه كان يحذّر بعض قرابته بوقائع تكون لهم فتصحّ كما يقول. وقد حذّر يحيى ابن عمّه زيد من مصرعه، وعصاه. فخرج وقُتل بالجوزجان كما هو معروف.
وإذا كانت الكرامة تقع لغيرهم، فما ظنّك بهم عِلماً وديناً وآثاراً من النبوّة وعناية من الله بالأصل الكريم تشهد لفروعه الطيّبة؟! وقد يُنقل بين أهل البيت كثير من هذا الكلام غير منسوب إلى أحد. وفي أخبار دولة العُبَيْديّين كثير منه. وانظر ما حكاه ابن الرقيق في لقاء أبي عبد الله الشيعيّ لعبيد الله المهديّ مع ابنة محمّد الحبيب،[37] وما حدّثاه به، وكيف بعثاه إلى[38] ابن حوشب داعيتهم باليمن، فأمره بالخروج إلى المغرب، وبثّ الدعوة فيه على علم لقّنه أنّ دعوته تتمّ هناك. وأنّ عبيد الله لمّا بني المهديّة بعد استفحال دولتهم بإفريقية قال: بَنَيْتُهَا لِيَعْتَصِمَ بِهَا الفَوَاطِمُ سَاعَةً مِن نَهَارٍ.[39]
وأراهم موقف صاحب الحمار أبي يزيد بالمهديّة. وكان يسأل عن منتهى موقفه حتى جاء الخبر ببلوغه إلى المكان الذي عيّنه جدّه عبيد الله. فأيقن بالظفر وبرز من البلد، فهزمه واتّبعه إلى ناحية الزاب فظفر به وقتله. ومثل هذه الأخبار عندهم كثير- انتهى.
وقال قبل ذلك بقليل في أوائل هذا الفصل بعد ما ذكر أمر الأخبار عن الحوادث الآتية ما لفظه: ووقع لجعفر وأمثاله من أهل البيت كثير من ذلك مستندهم فيه- والله أعلم- الكشف بما كانوا عليه من غيرهم من الأولياء في ذويهم وأعقابهم- وقد قال صلى الله عليه وآله: إن فيكم محدثين- فهم أولى الناس بهذه الرتب الشريفة والكرامات الموهوبة.
وقال مصطفى صادق الرافعيّ المصريّ في كتابه «بلاغة القرآن»: إنّه لا يُعرف في تأريخ العالم كتاب بلغت عليه الشروح والتفاسير ما بلغ من ذلك على القرآن الكريم حتى فسَّرَته الروافض بالجفر على فساد ما يزعمون وسخافة ما يقولون وعلى سوء الدعوى فيما يدّعون من علم باطنه بما وقع إليهم من ذلك الجفر. واستنبط منه غيرهم إشارات من الغيب بضروب من الحساب كهذا الذي ينسبونه إلى الحسن بن عليّ من أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم رأى في رؤياه ملوك بني اميّة فساءه ذلك فأنزل الله عليه ما يسري عنه من قوله: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ. وهي مدّة الدولة الأمويّة. فقد كانت أيّامها خالصةً ثلاثاً وثمانين سنةً وأربعة أشهر مجموعها ألف شهر سواء.[40]
وقال في الحاشية على لفظ الجفر: قال ابن قتيبة: هو جلد جفر (معزى أو شاة أو عجل) ادّعوا أنّه قد كتب لهم الإمام فيه كلّ ما يحتاجون إلى عمله وكلّ ما يكون إلى يوم القيامة. ثمّ نقل عنه أمثلة من تفسيرهم هي من الأكاذيب المختلقة لا نطيل بنقلها. ثمّ أشار إلى ما في «كشف الظنون» و«مقدّمة ابن خلدون» ثمّ قال: وعندنا أنّ كلّ ذلك موضوع وباطل، وأنّ الكلام فيه اسلوب من أساليب القصص والمبالغة. ولا نظنّ أنّ عِلم ما كان وما يكون شيء يسعه أو يسع الرمز إليه جلد ثور. إلى آخر كلامه.
قال المرحوم الأمين: أقول: الظاهر من الأخبار أنّ «الجفر» كتاب فيه العلوم النبويّة من حلال وحرام وأحكام واصول ما يحتاج الناس إليه في أحكام دينهم وما يصلحهم في دنياهم. والأخبار عن بعض الحوادث. ويمكن أن يكون فيه تفسير بعض المتشابه من القرآن المجيد.
وأمّا عدّ الجفر علماً من العلوم يُستنبَط منه علم الحوادث المغيبة كما يفهم من «كشف الظنون» وغيره ممّا مرّ وكما ارتكز في أذهان بعض الناس، فلم نطّلع على ما يؤيّده. وكيف كان فوجود كتاب يسمّى بـ «الجفر» منسوب إلى أمير المؤمنين عليّ عليه السلام متسالَمٌ عليه بين الشيعة وأهل السُّنّة، كما يعلم ممّا سبق.
فقول الرافعيّ: حتى فسَّرَته الروافض بالجفر إلى آخر ما نضح به إناؤه الذي لا يمكن أن ينضح إلّا بما فيه سخافة منه وسوء دعوى فيما يدّعيه.
أوّلًا: إنّ الشيعة لم تفسّر القرآن بالجفر، وإنّما فسَّرَته كما يفسّره علماء المسلمين. ولم يدّعوا علم باطنه بما وقع إليهم من ذلك الجفر، بل لم يدّع أحد منهم أنّه وقع إليه ذلك الجفر، ولا أنّه رآه. نعم، رووا أنّه كان عند أئمّة أهل البيت عليهم السلام، فليأتنا الرافعيّ برجل واحد من الشيعة قال: إنّ الجفر عنده، أو برجل منهم فسّر القرآن بالجفر إن كان من الصادقين. وهذه تفاسير الشيعة للقرآن الكريم معروفة وأكثرها مطبوعة كـ «تفسير القمّيّ»، و«مجمع البيان»، و«جوامع الجامع»، و«تفسير أبي الفتوح الرازيّ»، و«البرهان» للسيّد هاشم البحرانيّ، و«التبيان» للشيخ الطوسيّ، و«تفسير العيّاشيّ» وغيرها. فهل يستطيع الرافعيّ أن يجد في واحدٍ منها أنّ الشيعة فسّرت القرآن بالجفر؟!
وأمّا قوله: واستنبط منه غيرهم إشارات من الغيب ... إلى آخره، فهو كسابقه لا حقيقة له. والحديث الذي أشار إليه بقوله: كهذا الذي ينسبونه إلى الحسن ... إلى آخره. معبّراً عنه بعبارة التوهين والاستخفاف هو حديث يرويه الثقات عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم في أنّ الآية الشريفة نزلت في مدّة مُلك بني اميّة، وليس ذلك مستنبطاً من الجفر، ولا بضروبٍ من الحساب.[41]
فهذا الذي ساء الرافعيّ وعظم عليه أن تكون الآية نازلة في مُلك أسياده بني اميّة الأبرار الأتقياء أهل الأعمال المشهورة في الإسلام، فطفق يعبّر بعبارة الاستخفاف بقوله: هَذَا الَّذِي يَنْسِبُونَهُ...[42]
وأمّا ما نقله عن ابن قتيبة وقلّده فيه كما هو الشأن في أكثر هذه التقوّلات التي يودعونها كتبهم، فيقلّد فيها اللاحق السابق من دون تحقيق ولا تمحيص. فقوله: «إنّهم ادّعوا أنّه كتب لهم الإمام فيه كلّ ما يحتاجون إلى علمه... إلى آخره» غير صحيح، إذ لم يدّع أحد منهم ذلك. وإنّما رويت روايات مسندة، ومرّ طرف منها تتضمّن وجود ذلك عند أمير المؤمنين والأئمّة من ولده عليه وعليهم السلام، فنقلوها كما رويت لهم ونقلها علماء أهل السُّنّة وأيّدوها كما سمعت عن «كشف الظنون» وابن خلدون!
ولكن الشِّنشِنَةَ الأخزَميَّةَ فيما إذا ورد شيء فيه كرامة لأهل البيت عليهم السلام أبت أن تقبل ذلك أو تسكت عنه أو تتناوله بغير التكذيب أو الاستبعاد أو القدح أو نحو ذلك. فحملت الرافعيّ على أن يقول: وعندنا أنّ كلّ ذلك موضوع وباطل ... إلى آخره، مُعرضاً عن كلّ ما نقله العلماء، وأيّده ابن خلدون ممّا ليس قابلًا للدفع ممّا عرفتَ.
ولا يظنّ الرافعيّ أنّ علم ما كان ويكون يسعه أو يسع الرمز إليه جلد ثور كأنّه يريد جميع ما يحدث في الكون حتى النفخ في الرماد، ولا يكتفي بالرمز إلى مهمّات الامور. لا يظنّ الرافعيّ ذلك، لأنّه منقول عن أهل البيت، مفاتيح باب مدينة العلم. ويقول في حاشية كتابه المذكور بعد هذا الكلام بلا فاصل ما حاصله أنّ الملك نور الدين محمود بن زنكي عمل منبراً لبيت المقدس قبل فتحه بنيّف وعشرين سنة. وأنّ صاحب الروضتين ذكر أنّ هذا قد يكون كرامة. وأنّه اطّلع على ما ذكره أبو الحكم ابن برجان الأندلسيّ في تفسيره، فإنّه أخبر عن فتح القدس في سنة كذا، وعمر نور الدين إحدى عشرة سنة، فكان كما أخبر؛ وأنّه من عجائب ما اتّفق لهذه الامّة المرحومة.
كلّ هذا يعتقده الرافعيّ ويجزم به. ولا يظنّ أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم يمكن أن يُملي على ابن عمّه وباب مدينة علمه علم ما كان وما يكون في جلد ثور. وما أحسن ما قال المعرّيّ: إن جميع الموضوعات التي ذكرناها من أوّل الصفحة إلى هنا نقلناها عن كتاب «أعيان الشيعة» لآية الله السيّد محسن الأمين العامليّ، ج 1، ص 338 إلى 350، الطبعة الثانية، سنة 1363 هـ، مطبعة ابن زيدون بدمشق. وكانت هذه الطبعة في حياة ذلك العالم الجليل وبإشرافه ومباشرته.
بَيْدَ أنّنا نلحظ في الطبعة الرابعة التي تمّت سنة 1380 هـ في مطبعة الإنصاف ببيروت بمسؤوليّة نجله السيّد حسن الأمين بعد وفاة والده، أنّ السيّد حسن حصر تلك الموضوعات في صفحة وقسم قليل من صفحة ثانية، أي: من آخر ص 244 إلى أوائل 246، من الجزء الأوّل. وطالت يد التحريف تلك الموضوعات إلى درجة أنّنا لا نتصوّر أنّها هي نفسها.
أوّلًا: حذف السيّد حسن في أوّل الموضوع، ص 338، عبارة المحقّق الشريف في «شرح المواقف»، إذ يقول: إن الجفر والجامعة كتابان لعلي عليه السلام قد ذكر فيهما على طريقة علم الحروف الحوادث إلى انقضاء العالم، وكان الأئمة المعروفون من أولاده يعرفونهما ويحكمون بهما- انتهى. في حين أنّ كلامه هنا مهمّ جدّاً وله قيمته التامّة من حيث الاستناد إليه.
ثانياً: أسقط جميع الأحاديث الواردة التي نُقلت من «بصائر الدرجات» للاستشهاد بها على الموضوع، وهي التي استوعبت الصفحات 339 إلى 343 ما عدا ص 340 التي يقول فيها: ومنها ما يدلّ على أنّه جلد ثَوْر ... إلى آخره.
ثالثاً: حذف عبارته في أواخر ص 343: بعضها على أنّه جلد شاةٍ أو جلد بعير، إلى ما يقرب من نصف صفحة.
رابعاً: أسقط كلام صاحب «كشف الظنون»، وكلام ابن خلدون في مقدّمته، في حين أنّه شغل ثلاث صفحات تامّة من الكتاب. وكلّه تصديق بالعلوم الغيبيّة والمكاشفات الإلهيّة للأئمّة الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين. ويُعدّ دليلًا قويّاً ثابتاً يتوكّأ عليه الشيعة للردّ على كلام العامّة.
خامساً: حذف كلام مصطفى صادق الرافعيّ المصريّ في كتاب «بلاغة القرآن» الذي تجرّأ فيه على الشيعة، وعدّ تفاسيرهم مستوحاة من الجفر، وذكر سبطَ النبيّ الأكرم الإمام الحسن المجتبى عليه السلام بالاستخفاف والامتهان، وكان المرحوم والده آية الله السيّد محسن الأمين قد فنّد كلامه بعد ذكره، وأخزاه في ثلاث صفحاتٍ تامّة، وكشف عن مختلقاته وأحابيله وأباطيله كما لاحظنا ذلك في سطور متقدّمة، ولقد دافع عن ساحة الولاية وحريم التشيّع حقّاً.
وصفوة القول أنّه بتر موضوعات المرحوم والده البالغة اثنتي عشرة صفحة تامّة، واختزلها في صفحة وعدد من السطور، بل مَثّل بها إن صحّ التعبير.
ولا مُسوّغ لهذا العمل إلّا خيانة الحقّ والحقيقة، وتحريف كلام الأب، ولمز التشيّع، والانحياز إلى جانب المخالفين. وهل يمكننا أن نتصوّر شيئاً غير هذا؟!
ولم يزوّر هذا الموضوع فحسب، بل زوّر جميع مباحث المرحوم السيّد محسن الأمين في كتاب «أعيان الشيعة» بأجزائه كلّها. وحذف المطالب النفيسة التي تصون معقل التشيّع، وتذبّ عنه هجمات المناوئين. حتى نلحظ أنّه بدّل وغيّر بعض العبارات، ولا يُحْمَل ذلك إلّا على التحريف والتصحيف الصريح.
والأنكى من ذلك كلّه والأعجب والأفظع هو تجرّؤه على إسقاط اسم الإمام المهديّ عليه السلام. وقد حذف بحث المرحوم والده حول الإمام المهديّ عليه السلام من كتاب «أعيان الشيعة» بشكل صريح وواضح. وعدّ الأئمّة عليهم السلام أحد عشر إماماً، إذ ختم باب الإمامة في كلام أبيه بالإمام الحسن العسكريّ عليه السلام.
وكان المرحوم السيّد محسن الأمين قد جعل الجزء الرابع من كتابه قسمين: الأوّل: في سيرة الحسن، والحسين، وزين العابدين، والباقر، والصادق عليهم السلام. الثاني: في سيرة الأئمّة الآخرين اعتباراً من الإمام الكاظم حتى الإمام المهديّ صاحب الزمان سلام الله عليهم أجمعين.
ويتحدّث القسم الثاني الذي يبدأ من الصفحة الأولى حتى الصفحة 325، عن سيرة الإمام موسى بن جعفر، والأئمّة من بعده حتى الإمام العسكريّ عليهم السلام جميعاً. وقد استوعب الصفحة 326 حتى آخر الكتاب حيث الصفحة 540 من الطبعة الأولى سنة 1356 هـ بمطبعة ابن زيدون بدمشق. وطبع الكتاب بهذه المواصفات في زمن المرحوم السيّد الأمين.
أمّا بعد وفاته، فإنّ نجله السيّد حسن الذي أعاد طبع الكتاب، قد حذف البحث الذي يدور حول الإمام المهديّ عليه السلام بأكمله، وختم الكتاب بسيرة الإمام الحسن العسكريّ عليه السلام.
ولمّا كان ينبغي أن تُحذف (215) صفحة من القسم الثاني من الجزء الرابع، ممّا سيجعل الكتاب صغيراً عندئذٍ، فإنّه أورد مقداراً من القسم الأوّل في القسم الثاني لئلّا يشعر أحد بالمقدار المحذوف.
في ضوء ذلك نلحظ في الطبعة الثالثة للكتاب التي تمّت بعد وفاة المؤلّف أنّ القسم الأوّل من الجزء الرابع يحوم حول سيرة الحسن، والحسين، وزين العابدين عليهم السلام. أمّا القسم الثاني فإنّه يدور حول سيرة سائر الأئمّة اعتباراً من الباقر حتى العسكريّ عليهم السلام.
ولهذا نجد في الطبعة المذكورة التي أنجزتها مطبعة الإنصاف ببيروت سنة 1380 هـ أنّ السيّد حسن ختم القسم الثاني من الجزء الرابع، ص 194 بسيرة الإمام العسكريّ عليه السلام. وذكر في هذه الصفحة قصّة سرقة حرم الإمامين العسكريّين عليهما السلام. وفيها كانت خاتمة الكتاب.
إنّها لخيانة عظمى وذنب لا يغتفر، إذ يتلاعب الإنسان بكتابٍ صنّفه عالم جليل، ويطبعه باسمه وبإملائه. ثمّ لمّا كان هذا الإنسان لا يقرّ بإمام العصر والزمان، فإنّه ينسب ذلك إلى أبيه العالم الشيعيّ المجاهد المعاني المتوفّى العاجز عن الكلام، ويختم الإمامة بالعسكريّ على لسانه وقلمه، ويعرّف العالم بأبيه على أنّه أحَدَ عَشَرِيّ (يؤمن بأحد عشر إماماً).
هل تعلم أنّ هذه القضيّة في منتهى الأهمّيّة؟! ولا أخال أنّ جريمة تفوق هذه الجريمة شدّة ونُكراً!
أوه يا عزيزي! إذا كنتَ لا تقرّ بإمام العصر والزمان، فلا تقرّ به! طوبى لك! وإن كانت عينك لا تبصر، فلتكن كذلك! واعلم أنّ أحداً لا يريد منك ومن أمثالك المتغرّبين أن تفهموا ذلك وتعوه؛ ولكن لما ذا تنسب ذلك إلى عالم جليل، ومرجع عظيم، ومؤلّف مشهور من مؤلّفي الشيعة، ورجل قد كابد وعاني وتجاوز عمره الثمانين بين الكتب والمكتبات والتصنيف والعبادات والزيارات و...؟!
لما ذا تحذف اسم الإمام المهديّ مفترياً ذلك على لسانه وقلمه؟! ولما ذا تشطب على ذلك باطلًا؟! انكر ما شئت في المؤتمرات واللقاءات التي تجمعك مع أترابك البيروتيّين والجامعيّين المتفرنجين المتغرّبين! وألِّف باسمك كتاباً ودائرة معارف ولا تذكر اسم الإمام! فلن يؤاخذك ولم يتعرّض لك أحد. ولِمَ ذاك؟ لأنّنا شهدنا هذا وأمثاله من ضروب الهتك والامتهان حتى أنّ الإنسان ليخجل من متابعة ذلك والجواب عنه ومحاججته بسبب عزّة وجوده، وشرف عمره ووقته.
بَيدَ أنْ نسبته إلى السيّد محسن الأمين صاحب «أعيان الشيعة» ذلك المجتهد الجليل الواعي، وتحريف كلامه، وحذف 225 صفحة من كتابه وهي التي تحوم حول قائم آل محمّد، والحطّ من شأن هذه الموسوعة الأصيلة التي خطّها يراعه، وتعريفه للعالم على أنّه أحد عشريّ، كلّ ذلك ذنب لا يغتفر. وأيم الله إنّها خيانة عظمى.
ومن الطبيعيّ أنّي لا أظنّ انفرادي بالاطّلاع على هذه الامور بعد سنين طويلة من الفحص والتتبّع والمقابلة بين طبعات صاحب «الأعيان» وطبعات وَلَدِهِ. فكتاب «أعيان الشيعة» كتاب عالميّ، يُعدّ من امّهات المصادر الشيعيّة، فلا ريب في أنّ الكثيرين قد اطّلعوا على هذه الجريمة، ومارسوا ضغوطهم على مُعيد طبع الكتاب ليرى نفسه مضطراً إلى الحديث عن سيرة الإمام المهديّ صاحب الزمان عليه السلام. ولكنّه لمّا كان قد ختم القسم الثاني من الجزء الرابع بسيرة الإمام الحسن العسكريّ عليه السلام. فإنّه جعل هذا البحث في القسم الثالث من الجزء المذكور مقصوراً على ذلك. وطبعه في مطبعة دار التعارف للمطبوعات ببيروت تحت عنوان: القسم الثالث من الجزء الرابع بلا تأريخ. بَيدَ أنّه حذف وغيّر وبدّل أيضاً. وهذه حقيقة ملحوظة من خلال تطبيق هذا القسم مع الأصل. وطبع هذا القسم في كتاب ذي 155 صفحة وخُتم بتوقيع المؤلِّف في الهامش الأخير.
جريمة جديدة مبتكرة: يبدو أنّ عقدة السيّد حسن الأمين من إنكار إمام العصر والزمان ظلّت ملازمة له حتى مع طبعه الاضطراريّ لسيرة الإمام؛ لهذا قام بتدوين دائرة معارف مستقلّة باسمه، لا باسم أبيه. وإنّي أقتني الطبعة الأولى لهذه الموسوعة البالغة ثمانية أجزاء وعنوانها: «دائرة المعارف الإسلاميّة الشيعيّة». واعيد طبع الجزء الأوّل في بيروت سنة 1393 هـ، والجزء الثامن فيها أيضاً سنة 1394 هـ.
وقد خصّص الجزء الثاني كلّه[43] لسيرة الأئمّة عليهم السلام، وقال في أوّله: هذا هو الجزء الثاني من «دائرة المعارف الإسلاميّة الشيعيّة» يتضمّن بقيّة سِيَر الأئمّة ثمّ نبتدئ البحوث مرتَّبةً على حروف المعجم.
ثمّ بدأ يتحدّث عن سيرة الزهراء عليها السلام، فالحسن المجتبى، فالأئمّة من بعده حتى الإمام العسكريّ عليهم السلام جميعاً. وتشتمل كلّ صفحة على ثلاثة أعمدة. وختم سيرة الأئمّة عليهم السلام بالإمام العسكريّ عليه السلام في ص 94، ولم يذكر كلمة واحده عن إمام العصر والزمان وبعد أن تحدّث عن السيّد محمّد باقر الصدر تحت عنوان: دور الأئمّة في الحياة الإسلاميّة، وختم حديثه في الصفحة 97، فإنّه شرع بالحديث من ص 98 حسب حروف المعجم، وجعل أوّل حرف من حروف المعجم: «آب حيات». ثمّ واصل كلامه وفقاً لترتيب حروف المعجم.
أجل، إنّه لم يذكر اسم بقيّة الله الأعظم، وختم حديثه عن أئمّة الشيعة بالإمام العسكريّ عليه السلام في أنّ عنوان كتابه: «دائرة المعارف الشيعيّة»، وهو للتعريف بمذهب الشيعة، والقصد من الشيعة هنا هم الشيعة الاثنا عشريّة لا الأحد عشريّة.
هل من الصحيح أن يؤلّف الإنسان دائرة معارف باسم طائفة من الطوائف. ثمّ يتصرّف في معتقداتها من عنده، ثمّ ينسب ذلك إليها؟!
إن كلامنا مع هذا الرجل بل كلام كلّ إنسان عاديّ عاميّ معه هو: لا تعتقد بوجود إمام العصر والزمان! لكن لما ذا تنسب ذلك إلى الشيعة؟! وتختم كلامك في التعريف بأئمّة الشيعة عليهم السلام بالإمام العسكريّ عليه السلام؟!
نحن لا نقول لك: كن شيعيّاً اثني عشريّاً! ولا نقول: كن مسلماً! نفرض أنّك يهوديّ أو نصرانيّ لا يعتقد بالرسالة الإسلاميّة أبداً، فضلًا عن الاعتقاد بولاية وخاتميّة بقيّة الله الأعظم عجّل الله تعالى فرجه المبارك، فإنّ اليهوديّ أو النصرانيّ إذا أراد أن يكتب عن عقيدة قوم ما، فإنّه لا يستطيع أن يُدخل عقائده الخاصّة فيها، ويعدّ عقيدتهم مزيجاً منها ومن عقيدته، ومن ثم يقدّمها إلى المجتمع. وعلى الشعوب المختلفة أن تراعي هذه القاعدة الصحيحة في التفتيش عن عقائد كلّ قوم وتقاليدهم.
ولا وزن للمستشرقين الذين قاموا ببحث عقائد الشرقيّين وتحريرها وتقريرها وتدوينها فأضافوا إليها أشياء من عندهم أو نقّصوا منها أو غيّروا في بيانها. فأمثال هؤلاء بلا هويّة ولا شخصيّة في دنيا العِلم. ويأتي مستشرق آخر فيبطل كلام المستشرق الذي سبقه، ويدلّ على مواضع تحريفه. أمّا المستشرقون الاصلاء- وهم قليلون جدّاً- فإنّهم لا يدعون البحث والتنقيب، وما لم يوقنوا في استقرائهم وفحصهم، فلا ينسبون شيئاً إلى قومٍ ما، ويتّخذون موقف الحياد تماماً، ولا يضيفون إلى عقائد الآخرين شيئاً من آرائهم وأفكارهم وأهوائهم، ولا يمزجون عقائدهم بها؛ فكيف بشخصٍ إذا كانت له شخصيّته وسمعته فبفضل أبيه العظيم الذي لو قُطِّع إرباً إرباً لَما أنكر صاحب الأمر والزمان؟! ثمّ يأتي هذا الشخص، فيحطّم أصل ذلك وركنه ودعامته في دائرة معارفه الشيعيّة، ويزعم أنّ الشيعة بُتر لا وليّ لهم ولا قيِّم يقيم شئونهم ولا صاحب اختيار يتولّى أمرهم خلافاً للنصوص الصريحة المأثورة عن رسول الله والأئمّة واحداً بعد الآخر، وعلى عكس مشاهدة أصحاب اليقين ولقائهم، ثمّ ينسب هذه العقيدة إليهم. إنّ هذا المنطق عند أولى البصائر منطق عفن برائحة التجدّد والتغرّب والانسلاخ عن الأصالة العائليّة، وملوّث بالآراء السخيفة لزعانف ضيّقى الافق.
ويبدو أيضاً أنّ السيّد حسن الأمين شعر أنّه سيواجه انتقادات بسبب حذفه اسم بقيّة الله الأعظم من دائرة معارفه، فذكر سبعة أسطر قصيرة عن الإمام ليصون نفسه من هجمات المهاجمين، وكان ذلك في الطبعة المعادَة الواقعة في ثلاثة مجلّدات ضخمة تشمل اثني عشر جزءاً، ويستوعب المجلّد الأوّل منها أربعة أجزاء من الطبعة الأولى. وهذه الطبعة هي الطبعة الثالثة التي أنجزتها دار التعارف ببيروت سنة 1401 هـ. وذكر السيّد ذلك في المجلّد الأوّل، القسم الثاني بعد أن أورد نفس المعلومات الموجودة في الطبعة الأولى عن الأئمّة عليهم السلام حتى الإمام الحسن العسكريّ عليه السلام. وختمها في ص 62. ثمّ قال بعدها ما نصّه: مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ المَهْدِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ
«ولد سنة 255 هـ بسامرّاء في أيّام المعتمد، ولم يخلّف أبوه ولداً غيره وكانت سنّه عند وفاة أبيه خمس سنين. وكان سفراؤه في الغيبة الصغرى عثمان بن سعيد، ثمّ ابنه محمّد بن عثمان، ثمّ الحسين بن روح، ثمّ عليّ بن محمّد السَّمُريّ. وكان مولده وانقطاع السفارة أربع وسبعين سنة».
ويُلاحَظ في هذا الكلام أنّ المؤلّف لم يذكر فيه لقب صاحب الأمر أو صاحب الزمان أو بقيّة الله وأمثالها، ولم يُشِرْ إلى حياته وطول عمره وما وقع له، وغير ذلك في حين نجد أنّه ملأ المجلّدات الثلاثة الضخمة لدائرة معارفه البالغة اثني عشر جزءاً من الطبعة الأولى بشتّى الموضوعات.
أجل، إنّ قصدنا من ذكر هذا الموضوع هو أن يعلم الأصدقاء والأحبّة من طلّاب العلوم الدينيّة الأعزّاء أنّ طبعات كتاب «أعيان الشيعة» التي أنجزها السيّد حسن كلّها محرّفة ولا اعتبار لها. وعليهم أن يراجعوا الطبعات الأولى التي تمّت في حياة المرحوم والده من أجل دراساتهم وتحقيقاتهم، ويتّخذوها مصدراً لأبحاثهم العلميّة.
ويجب أن لا نتوقّع من السيّد حسن الأمين أكثر من هذا، وهو الذي صدّر الكتاب بصورته التي يُشاهَد فيها هندامه الغربيّ، وذقنه الحليق، ورباطه النصرانيّ. وينبغي التثبّت من موضوعاته المنقولة ومقايستها بموضوعات صاحب «أعيان الشيعة»، وإلّا فهي كلّها لا وزن لها. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ.[44]
لقد ذكر الشيخ محمّد جواد مغنية الجَفر في كتاب «الشيعة والتشيّع» فقال: جاء في بعض مؤلّفات السُّنّة والشيعة أنّ عند أهل البيت عِلم الجفر، وأنّهم يتوارثونه إماماً عن إمام إلى جدّهم الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله. ومِن كُتب السنّة التي جاء فيها ذكر الجفر: «المواقف» للإيجيّ، وشرحه للجرجانيّ الحنفيّ، و«الفصول المهمّة» لابن الصبّاغ المالكيّ.
(ونقل المرحوم مغنية بيتَي الشاعر المذكور، وكنّا قد أوردناهما سابقاً عن «أعيان الشيعة»، ثمّ قال بعد ذلك:) ونفى أفراد من السنّة والشيعة ذلك، ولم يعتقدوا بشيء يسمّى الجفر عند أهل البيت، ولا عند غيرهم.
ما هو علم الجفر؟ واختلف القائلون بوجود الجفر في تفسير معناه: فمن قائل بأنّه نوع من علم الحروف تُستخرج به معرفة ما يقع من الحوادث في المستقبل. ومن قائل بأنّه كتاب من جلد،[45] فيه بيان الحلال والحرام، واصول ما يحتاج إليه الناس من الأحكام التي فيها صلاح دينهم ودنياهم.[46] وعلى هذا فلا يمتّ الجفر إلى الغيب بصلة.
ومن الطريف أن يقول عالم كبير من علماء الأحناف، وهو الشريف الجرجانيّ بالأوّل، وأنّ الجفر الذي عند أهل البيت تُستخرج منه الحوادث الغيبيّة، وأن يخالفه في ذلك عالم كبير من الإماميّة، وهو السيّد محسن الأمين، ويقول بالثاني، وإنّه علم الحلال والحرام فقط.
قال الجرجانيّ في كتاب «المواقف» وشرحه، ج 6، ص 22، ما نصّه بالحرف: «الجفر» و«الجامعة» كتابان لعليّ رضي الله عنه، وقد ذكر فيهما على طريقة علم الحروف الحوادث إلى انقراض العالم. وكان الأئمّة المعروفون من أولاده يعرفونهما ويحكمون بهما.
وقال السيّد محسن الأمين في كتاب «نقض الوشيعة» ص 295: ليس الجفر علماً من العلوم وإن توهّم ذلك كثيرون، ولا هو مبنيّ على جداول الحروف، ولا ورد به خبر ولا رواية- إلى أن قال:- ولكنّ الناس توسّعوا في تفسيره، وقالوا فيه أقاويل لا تستند إلى مستند. شأنهم في أمثال ذلك.
وقال في «أعيان الشيعة» القسم الأوّل، ج 1، ص 246، طبعة 1960 م: الظاهر من الأخبار أنّ الجفر كتاب فيه العلوم النبويّة من حلال وحرام، وما يحتاج إليه الناس في أحكام دينهم، وصلاح دنياهم.[47]
السيّد الأمين الذي تثق الإماميّة كافّة بعلمه ودينه ينفي الجفر بمعنى علم الغيب عن أهل البيت، ويثبته عَلَمٌ من أعلام الأحناف، ويقول: عِنْدَهُمْ عِلْمُ مَا يَحْدُثُ إلَى انْقِرَاضِ العَالَمِ.
وبهذا يتبيّن ما في قول الشيخ أبي زهرة وغيره من الذين جعلوا القول بالجفر من اختصاص الإماميّة، ونسبوا لهم الزعم بأنّ أهل البيت يستخرجون منه علم الغيب. إنّ غير الإماميّة من الفرق الإسلاميّة يدّعون أمثال ذلك، ثمّ ينسبونه إلى الإماميّة، لا لشيء إلّا ليشنّعوا، ويهوّشوا، وكذلك فعلوا في دعوى تحريف القرآن والنقص منه، ودعوى الإيحاء والإلهام.
هذا، إلّا أنّ مسألة الجفر ليست من اصول الدين ولا المذهب عند الإماميّة، وإنّما هي أمر نقليّ تماماً كمسألة الرجعة، يؤمن بها من تثبت عنده، ويرفضها إذا لم تثبت، وهو في الحالين مسلم سنّيّ إن كان سنّيّاً، ومسلم شيعيّ إن كان شيعيّاً.[48]
ونلاحظ في كلام آية الله السيّد محسن الأمين، والشيخ محمّد جواد مغنية نفي علم الجفر بمعنى خصوص علم الغيب بطريق الاستكشاف للحوادث المقبلة. علماً أنّنا عرفنا أنّ عبارة «الإخبار عن بعض الحوادث» قد اضيفت في «أعيان الشيعة» ولكنّها حُذفت في «نقض الوشيعة» على ما نقل مغنية. وفي هذا كلّه مواضع للتأمّل والإشكال. وقبل أن نستعرض تلك المواضع، نرى من الضروريّ أن نبيّن كلام مغنية في علوم الإمام، ثمّ نطرح الإشكالات المثارة عليه، ونعرّج بعد ذلك على الإشكال الدائر حول موضوع بحثنا المتمثّل بعلم الجفر.
قال مغنية في كتاب «الشيعة والتشيّع» بعد كلام موجز عن علوم الإمام: قال الشريف المرتضى في «الشافي» ص 188، ما نصّه بالحرف: معاذ الله أن نوجب للإمام من العلوم إلّا ما تقتضيه ولايته، واسند إليه من الأحكام الشرعيّة. وعلم الغيب خارج عن هذا.
وقال في ص 189: لا يجب أن يعلم الإمام بالحِرَف والمهن والصناعات، وما إلى ذاك ممّا لا تعلّق له بالشريعة. إنّ هذه يُرجَع فيها إلى أربابها، وإنّ الإمام يجب أن يعلم الأحكام، ويستقلّ بعلمه بها، ولا يحتاج إلى غيره في معرفتها، لأنّه وليّ إقامتها وتنفيذها.
وقال الطوسيّ في «تلخيص الشافي» المطبوع مع الكتاب المذكور، ص 321: «يجب أن يكون الإمام عالماً بما يلزم الحكم فيه، ولا يجب أن يكون عالماً بما لا يتعلّق بنظره» كالشؤون التي لا تخصّه ولا يُرجع إليه فيها.
وهذا يتّفق تماماً مع قول الشيعة الإماميّة بأنّ الإمام عبد من عباد الله، وبشر في طبيعته، وصفاته، وليس ملكاً، ولا نبيّاً. أمّا رئاسته العامّة للدين والدنيا فإنّها لا تستدعي أكثر من العلم بأحكام الشريعة، وسياسة الشؤون العامّة.
وكيف يُنسَب إلى الشيعة الإماميّة القول بأنّ أئمّتهم يعلمون الغيب، وهم يؤمنون بكتاب الله، ويتلون قوله تعالى حكاية عن نبيّه: ولَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ.[49] وقوله: إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ.[50] وقوله: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ والْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ.[51]
وقال الشيخ الطبرسيّ في «مجمع البيان» عند تفسير الآية 123، من السورة 11: هود: ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والْأَرْضِ: لقد ظلم الشيعة الإماميّة مَن نسب إليهم القول بأنّ الأئمّة يعلمون الغيب. ولا نعلم أحداً منهم استجاز الوصف بعلم الغيب لأحدٍ من الخلق. فأمّا ما نُقل عن أمير المؤمنين عليه السلام، ورواه عنه الخاصّ والعامّ من الأخبار بالغائبات في خطب الملاحم وغيرها، مثل الإيماء إلى صاحب الزنج، وإلى ما ستلقاه الامّة من بني مروان، وما إلى ذلك ممّا أخبر به هو وأئمّة الهدى من ولده. أمّا هذه الأخبار فإنّها متلقّاة عن النبيّ صلى الله عليه وآله ممّا أطلعه الله عليه. فلا معنى لنسبة من يروي عنهم هذه الأخبار المشهورة إلى أنّه يعتقد كونهم عالمين الغيب، وهل هذا إلا سب قبيح وتضليل لهم، بل تكفير، لا يرتضيه من هو بالمذاهب خبير، والله هو الحاكم وإليه المصير.
وإن افترض وجود خبر أو قول ينسب علم الغيب إلى الأئمّة، وجب طرحه باتّفاق المسلمين. قال الإمام الرضا عليه السلام: لَا تَقْبَلُوا عَلَيْنَا خِلَافَ القُرْآنِ؛ فَإنَّا إن تَحَدَّثْنَا حَدَّثْنَا بِمُوافَقَةِ القُرْآنِ ومُوافَقَةِ السُّنَّةِ. إنَّا عَنِ اللهِ وعَنْ رَسُولِهِ نُحَدِّثُ، ولَا نَقُولُ: قَالَ فُلَانٌ وفُلَانٌ.
فَإذَا أتَاكُمْ مَنْ يُحَدِّثُكُمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَرُدُّوهُ! إنَّ لِكَلَامِنَا حَقِيقَةً، وإنَّ عَلَيْهِ لَنُوراً؛ فَمَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ ولَا نُورَ عَلَيْهِ فَذَاكَ قَوْلُ الشَّيْطَانِ.
وبكلمة، إنّ علوم الأئمّة وتعاليمهم يحدّها- في عقيدة الشيعة- كتابُ الله وسنّة نبيّه. وإنّ كلّ إمام من الأوّل إلى الثاني عشر قد أحاط إحاطة شاملة كاملة بكلّ ما في هذين الأصلين من الألف إلى الياء، بحيث لا يشذّ عن علمهم معنى آية من أي الذِّكر الحكيم تنزيلًا وتأويلًا، ولا شيء من سنّة رسول الله قولًا وفعلًا وتقريراً، وكفى بمن أحاط بعلوم الكتاب والسُّنّة فضلًا وعلماً! إنّ هذه المنزلة لا تتسنّى ولن تتسنّى لأحدٍ غيرهم. ومن هنا كانوا قدوة الناس جميعاً بعد جدّهم الرسول.
وقد أخذ أهل البيت علوم الكتاب والسنّة وفهموها ووعوها عن رسول الله تماماً، كما أخذها ووعاها رسول الله عن جبرائيل، وكما وعاها جبرائيل عن الله، ولا فرق أبداً في شيءٍ إلّا بالواسطة فقط لا غير.
أخذ عليّ عن النبيّ، وأخذ الحسنان عن أبيهما، وأخذ عليّ بن الحسين عن أبيه. وهكذا كلّ إمام يأخذ العلم عن إمام. ولم يرو أصحاب السِّير والتواريخ أنّ أحداً من الأئمّة الاثني عشر أخذ عن صحابيّ أو تابعيّ أو غيره. فقد أخذ الناس العلم عنهم، ولم يأخذوه عن أحد.
قال الإمام الصادق عليه السلام: عَجَباً للنَّاسِ يَقُولُون: أخَذُوا عِلْمُهُمْ كُلَّهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ، فَعَلِمُوا واهْتَدُوا، ويَرونَ أنَّا أهْلُ بَيْتٍ لَمْ نَأخُذْ عِلْمَهُ ولَمْ نَهْتَدِ بِهِ، ونَحْنُ أهْلُهُ وذُرِّيَّتَهُ؛ في مَنَازِلِنَا انْزِلَ الوَحْيُ، ومِنْ عِنْدِنَا خَرَجَ العِلْمُ إلَى النَّاسِ، أفَتَرَاهُمْ عَلِمُوا واهْتَدُوا، وجَهِلْنَا وضَلَلْنَا؟!
وقال الإمام الباقر عليه السلام: لَوْ كُنَّا نُحَدِّثُ النَّاسَ بِرَأيِنَا وهَوَانَا لَهَلْكَنا؛ ولَكِنَّا نُحَدِّثُهُمْ بِأحَادِيثَ نَكْنِزُهَا عَنْ رَسُولِ اللهِ، كَمَا يَكْنِزُ هَؤْلَاءِ ذَهَبَهُمْ وفِضَّتَهُمْ.
وبهذا يتبيّن الجهل، أو الدسّ في قول من قال بأنّ الشيعة يزعمون أنّ علم الأئمّة إلهاميّ، وليس بكسبيّ؛ وترقّى بعضهم فنسب إلى الشيعة القول بنزول الوحي على الأئمّة. ويردّ هذا الزعم مضافاً إلى ما نقلناه من أحاديث الأئمّة الأطهار ما قاله الشيخ المفيد في كتاب «أوائل المقالات»: قَامَ الاتِّفاقُ عَلَى أنَّ مَنْ يَزْعَمُ أنَّ أحَداً بَعْدَ نَبِيِّنَا يُوحَى إلَيْهِ فَقَدْ أخْطَأ وَكَفَرَ.[52]
كان هذا كلام مغنية الذي كتبه حول علم الإمام من وحي حبّه ودفاعه عن حريم التشيّع. ولكن ينبغي أن لا يُفضي هذا الحبّ والإشفاق إلى نسيان بعض المزايا والفضائل الأصيلة التي كان يتّصف بها الأئمّة، دفعاً لكلام أهل السنّة وإخماداً لنائرة غوغائهم وافتعالهم المواقف وشغبهم.
إن الكلام الذي نقله مغنية عن الأعلام- وله بيان حوله- بعضه صحيح، وبعضه الآخر غير صحيح، وذلك للأسباب الآتية: أوّلًا: على الرغم من أنّ الأئمّة قد توارثوا علمهم عن آبائهم، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وكانوا ذوي علم كسبيّ، بَيدَ أنّ هذا العلم مقترن مع علمهم الوجدانيّ الباطنيّ اللدنّيّ بلا ريب، وما لم يشرق ذلك العلم النوريّ الباطنيّ في القلب، فإنّ العلم الكسبيّ وحده لا يحقّق الهدف.
إنّهم بشرٌ في غرائزهم وطبائعهم، ولكنّ بشريّتهم لا تحول دون تفتّق قابليّاتهم الذاتيّة وعلمهم الحقيقيّ النابع من الأعماق. ولا تمنع من أن يكونوا- اختياراً لا اضطراراً وإجباراً- أولى ملكاتٍ وعلوم لا ينالها كلّ أحدٍ من الناس. وهي الاطّلاع على المغيبات، وكشف الأسرار، والعلم بالضمائر والنيّات ووقوع الحوادث، وأمثال ذلك.
وعند ما نشاهد مثل هذه العلوم لدى العلماء بالله وبأمر الله، وهم بين ظهرانينا، فهل يليق بنا أن ننكر ذلك على أهل البيت، لا لذنبٍ إلّا لأنّهم أهل البيت، وقد أخذوا علومهم بعضهم عن بعض؟!
إن أخذ كلّ إمام علومه من الإمام السابق له أمر ثابت لا ريب فيه؛ ولكن هذا لا يعني أنّ الإمام السابق قد بيّن للإمام اللاحق جميع الفروع الجزئيّة اعتباراً من أوّل كتاب الطهارة إلى آخر كتاب الديات، أو عدّ له جزئيّات العلوم العقليّة والمعارف الإلهيّة.
بل يعني أنّ الإمام السابق أعطى الإمام اللاحق الكلّيّات والاصول. أمّا تفرّع الفروع، وشرحها وبسطها وتوسيعها حسب حالاتها المختلفة، ووفقاً للبيئة المناسبة والامّة الجديرة المستعدّة، وتمشّياً مع متطلّبات الزمان والمكان، فذلك كلُّه يعود إلى الإمام اللاحق.
في ضوء ذلك، فإنّ الوصول إلى الجزئيّات من كلّيّات الكتاب والسنّة يتطلّب منهم ممارسة القوّة العقليّة والإدراك القلبيّ. وهو ما يُعَبَّر عنه بالمشاهدات الغيبيّة، وهم يستأثرون به دون غيرهم.[53]
نحن لا نقول: إنّ هذا محال على سائر الناس، ولكن نقول: إنّ غالب الناس بل معظمهم لا يطوون هذا الطريق، وإنّ استعداداتهم القلبيّة لكشف الغيب تظلّ خافية، بَيدَ أنّ الأئمّة عليهم السلام طووا هذا الطريق وتصدّروا فحازوا مقام الإمامة والقيادة. وإذا ما أراد الآخرون أن يطووا هذا الطريق فإنّ صراط الله مفتوح أمامهم، وسيصلون إلى المكان الذي وصل إليه الأئمّة، مع أنّ مقام الإمامة والريادة لهم دون غيرهم، وهو غير قابل للزوال والتغيير والتبديل.
وأمّا ما نقله عن ابن قتيبة وقلّده فيه كما هو الشأن في أكثر هذه التقوّلات التي يودعونها كتبهم، فيقلّد فيها اللاحق السابق من دون تحقيق ولا تمحيص. فقوله: «إنّهم ادّعوا أنّه كتب لهم الإمام فيه كلّ ما يحتاجون إلى علمه... إلى آخره» غير صحيح، إذ لم يدّع أحد منهم ذلك. وإنّما رويت روايات مسندة، ومرّ طرف منها تتضمّن وجود ذلك عند أمير المؤمنين والأئمّة من ولده عليه وعليهم السلام، فنقلوها كما رويت لهم ونقلها علماء أهل السُّنّة وأيّدوها كما سمعت عن «كشف الظنون» وابن خلدون!
ولكن الشِّنشِنَةَ الأخزَميَّةَ فيما إذا ورد شيء فيه كرامة لأهل البيت عليهم السلام أبت أن تقبل ذلك أو تسكت عنه أو تتناوله بغير التكذيب أو الاستبعاد أو القدح أو نحو ذلك. فحملت الرافعيّ على أن يقول: وعندنا أنّ كلّ ذلك موضوع وباطل ... إلى آخره، مُعرضاً عن كلّ ما نقله العلماء، وأيّده ابن خلدون ممّا ليس قابلًا للدفع ممّا عرفتَ.
ولا يظنّ الرافعيّ أنّ علم ما كان ويكون يسعه أو يسع الرمز إليه جلد ثور كأنّه يريد جميع ما يحدث في الكون حتى النفخ في الرماد، ولا يكتفي بالرمز إلى مهمّات الامور. لا يظنّ الرافعيّ ذلك، لأنّه منقول عن أهل البيت، مفاتيح باب مدينة العلم. ويقول في حاشية كتابه المذكور بعد هذا الكلام بلا فاصل ما حاصله أنّ الملك نور الدين محمود بن زنكي عمل منبراً لبيت المقدس قبل فتحه بنيّف وعشرين سنة. وأنّ صاحب الروضتين ذكر أنّ هذا قد يكون كرامة. وأنّه اطّلع على ما ذكره أبو الحكم ابن برجان الأندلسيّ في تفسيره، فإنّه أخبر عن فتح القدس في سنة كذا، وعمر نور الدين إحدى عشرة سنة، فكان كما أخبر؛ وأنّه من عجائب ما اتّفق لهذه الامّة المرحومة.
كلّ هذا يعتقده الرافعيّ ويجزم به. ولا يظنّ أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم يمكن أن يُملي على ابن عمّه وباب مدينة علمه علم ما كان وما يكون في جلد ثور. وما أحسن ما قال المعرّيّ: إن جميع الموضوعات التي ذكرناها من أوّل الصفحة إلى هنا نقلناها عن كتاب «أعيان الشيعة» لآية الله السيّد محسن الأمين العامليّ، ج 1، ص 338 إلى 350، الطبعة الثانية، سنة 1363 هـ، مطبعة ابن زيدون بدمشق. وكانت هذه الطبعة في حياة ذلك العالم الجليل وبإشرافه ومباشرته.
بَيْدَ أنّنا نلحظ في الطبعة الرابعة التي تمّت سنة 1380 هـ في مطبعة الإنصاف ببيروت بمسؤوليّة نجله السيّد حسن الأمين بعد وفاة والده، أنّ السيّد حسن حصر تلك الموضوعات في صفحة وقسم قليل من صفحة ثانية، أي: من آخر ص 244 إلى أوائل 246، من الجزء الأوّل. وطالت يد التحريف تلك الموضوعات إلى درجة أنّنا لا نتصوّر أنّها هي نفسها.
أوّلًا: حذف السيّد حسن في أوّل الموضوع، ص 338، عبارة المحقّق الشريف في «شرح المواقف»، إذ يقول: إن الجفر والجامعة كتابان لعلي عليه السلام قد ذكر فيهما على طريقة علم الحروف الحوادث إلى انقضاء العالم، وكان الأئمة المعروفون من أولاده يعرفونهما ويحكمون بهما- انتهى. في حين أنّ كلامه هنا مهمّ جدّاً وله قيمته التامّة من حيث الاستناد إليه.
ثانياً: أسقط جميع الأحاديث الواردة التي نُقلت من «بصائر الدرجات» للاستشهاد بها على الموضوع، وهي التي استوعبت الصفحات 339 إلى 343 ما عدا ص 340 التي يقول فيها: ومنها ما يدلّ على أنّه جلد ثَوْر ... إلى آخره.
ثالثاً: حذف عبارته في أواخر ص 343: بعضها على أنّه جلد شاةٍ أو جلد بعير، إلى ما يقرب من نصف صفحة.
رابعاً: أسقط كلام صاحب «كشف الظنون»، وكلام ابن خلدون في مقدّمته، في حين أنّه شغل ثلاث صفحات تامّة من الكتاب. وكلّه تصديق بالعلوم الغيبيّة والمكاشفات الإلهيّة للأئمّة الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين. ويُعدّ دليلًا قويّاً ثابتاً يتوكّأ عليه الشيعة للردّ على كلام العامّة.
خامساً: حذف كلام مصطفى صادق الرافعيّ المصريّ في كتاب «بلاغة القرآن» الذي تجرّأ فيه على الشيعة، وعدّ تفاسيرهم مستوحاة من الجفر، وذكر سبطَ النبيّ الأكرم الإمام الحسن المجتبى عليه السلام بالاستخفاف والامتهان، وكان المرحوم والده آية الله السيّد محسن الأمين قد فنّد كلامه بعد ذكره، وأخزاه في ثلاث صفحاتٍ تامّة، وكشف عن مختلقاته وأحابيله وأباطيله كما لاحظنا ذلك في سطور متقدّمة، ولقد دافع عن ساحة الولاية وحريم التشيّع حقّاً.
وصفوة القول أنّه بتر موضوعات المرحوم والده البالغة اثنتي عشرة صفحة تامّة، واختزلها في صفحة وعدد من السطور، بل مَثّل بها إن صحّ التعبير.
ولا مُسوّغ لهذا العمل إلّا خيانة الحقّ والحقيقة، وتحريف كلام الأب، ولمز التشيّع، والانحياز إلى جانب المخالفين. وهل يمكننا أن نتصوّر شيئاً غير هذا؟!
ولم يزوّر هذا الموضوع فحسب، بل زوّر جميع مباحث المرحوم السيّد محسن الأمين في كتاب «أعيان الشيعة» بأجزائه كلّها. وحذف المطالب النفيسة التي تصون معقل التشيّع، وتذبّ عنه هجمات المناوئين. حتى نلحظ أنّه بدّل وغيّر بعض العبارات، ولا يُحْمَل ذلك إلّا على التحريف والتصحيف الصريح.
والأنكى من ذلك كلّه والأعجب والأفظع هو تجرّؤه على إسقاط اسم الإمام المهديّ عليه السلام. وقد حذف بحث المرحوم والده حول الإمام المهديّ عليه السلام من كتاب «أعيان الشيعة» بشكل صريح وواضح. وعدّ الأئمّة عليهم السلام أحد عشر إماماً، إذ ختم باب الإمامة في كلام أبيه بالإمام الحسن العسكريّ عليه السلام.
وكان المرحوم السيّد محسن الأمين قد جعل الجزء الرابع من كتابه قسمين: الأوّل: في سيرة الحسن، والحسين، وزين العابدين، والباقر، والصادق عليهم السلام. الثاني: في سيرة الأئمّة الآخرين اعتباراً من الإمام الكاظم حتى الإمام المهديّ صاحب الزمان سلام الله عليهم أجمعين.
ويتحدّث القسم الثاني الذي يبدأ من الصفحة الأولى حتى الصفحة 325، عن سيرة الإمام موسى بن جعفر، والأئمّة من بعده حتى الإمام العسكريّ عليهم السلام جميعاً. وقد استوعب الصفحة 326 حتى آخر الكتاب حيث الصفحة 540 من الطبعة الأولى سنة 1356 هـ بمطبعة ابن زيدون بدمشق. وطبع الكتاب بهذه المواصفات في زمن المرحوم السيّد الأمين.
أمّا بعد وفاته، فإنّ نجله السيّد حسن الذي أعاد طبع الكتاب، قد حذف البحث الذي يدور حول الإمام المهديّ عليه السلام بأكمله، وختم الكتاب بسيرة الإمام الحسن العسكريّ عليه السلام.
ولمّا كان ينبغي أن تُحذف (215) صفحة من القسم الثاني من الجزء الرابع، ممّا سيجعل الكتاب صغيراً عندئذٍ، فإنّه أورد مقداراً من القسم الأوّل في القسم الثاني لئلّا يشعر أحد بالمقدار المحذوف.
في ضوء ذلك نلحظ في الطبعة الثالثة للكتاب التي تمّت بعد وفاة المؤلّف أنّ القسم الأوّل من الجزء الرابع يحوم حول سيرة الحسن، والحسين، وزين العابدين عليهم السلام. أمّا القسم الثاني فإنّه يدور حول سيرة سائر الأئمّة اعتباراً من الباقر حتى العسكريّ عليهم السلام.
ولهذا نجد في الطبعة المذكورة التي أنجزتها مطبعة الإنصاف ببيروت سنة 1380 هـ أنّ السيّد حسن ختم القسم الثاني من الجزء الرابع، ص 194 بسيرة الإمام العسكريّ عليه السلام. وذكر في هذه الصفحة قصّة سرقة حرم الإمامين العسكريّين عليهما السلام. وفيها كانت خاتمة الكتاب.
إنّها لخيانة عظمى وذنب لا يغتفر، إذ يتلاعب الإنسان بكتابٍ صنّفه عالم جليل، ويطبعه باسمه وبإملائه. ثمّ لمّا كان هذا الإنسان لا يقرّ بإمام العصر والزمان، فإنّه ينسب ذلك إلى أبيه العالم الشيعيّ المجاهد المعاني المتوفّى العاجز عن الكلام، ويختم الإمامة بالعسكريّ على لسانه وقلمه، ويعرّف العالم بأبيه على أنّه أحَدَ عَشَرِيّ (يؤمن بأحد عشر إماماً).
هل تعلم أنّ هذه القضيّة في منتهى الأهمّيّة؟! ولا أخال أنّ جريمة تفوق هذه الجريمة شدّة ونُكراً!
أوه يا عزيزي! إذا كنتَ لا تقرّ بإمام العصر والزمان، فلا تقرّ به! طوبى لك! وإن كانت عينك لا تبصر، فلتكن كذلك! واعلم أنّ أحداً لا يريد منك ومن أمثالك المتغرّبين أن تفهموا ذلك وتعوه؛ ولكن لما ذا تنسب ذلك إلى عالم جليل، ومرجع عظيم، ومؤلّف مشهور من مؤلّفي الشيعة، ورجل قد كابد وعاني وتجاوز عمره الثمانين بين الكتب والمكتبات والتصنيف والعبادات والزيارات و...؟!
لما ذا تحذف اسم الإمام المهديّ مفترياً ذلك على لسانه وقلمه؟! ولما ذا تشطب على ذلك باطلًا؟! انكر ما شئت في المؤتمرات واللقاءات التي تجمعك مع أترابك البيروتيّين والجامعيّين المتفرنجين المتغرّبين! وألِّف باسمك كتاباً ودائرة معارف ولا تذكر اسم الإمام! فلن يؤاخذك ولم يتعرّض لك أحد. ولِمَ ذاك؟ لأنّنا شهدنا هذا وأمثاله من ضروب الهتك والامتهان حتى أنّ الإنسان ليخجل من متابعة ذلك والجواب عنه ومحاججته بسبب عزّة وجوده، وشرف عمره ووقته.
بَيدَ أنْ نسبته إلى السيّد محسن الأمين صاحب «أعيان الشيعة» ذلك المجتهد الجليل الواعي، وتحريف كلامه، وحذف 225 صفحة من كتابه وهي التي تحوم حول قائم آل محمّد، والحطّ من شأن هذه الموسوعة الأصيلة التي خطّها يراعه، وتعريفه للعالم على أنّه أحد عشريّ، كلّ ذلك ذنب لا يغتفر. وأيم الله إنّها خيانة عظمى.
ومن الطبيعيّ أنّي لا أظنّ انفرادي بالاطّلاع على هذه الامور بعد سنين طويلة من الفحص والتتبّع والمقابلة بين طبعات صاحب «الأعيان» وطبعات وَلَدِهِ. فكتاب «أعيان الشيعة» كتاب عالميّ، يُعدّ من امّهات المصادر الشيعيّة، فلا ريب في أنّ الكثيرين قد اطّلعوا على هذه الجريمة، ومارسوا ضغوطهم على مُعيد طبع الكتاب ليرى نفسه مضطراً إلى الحديث عن سيرة الإمام المهديّ صاحب الزمان عليه السلام. ولكنّه لمّا كان قد ختم القسم الثاني من الجزء الرابع بسيرة الإمام الحسن العسكريّ عليه السلام. فإنّه جعل هذا البحث في القسم الثالث من الجزء المذكور مقصوراً على ذلك. وطبعه في مطبعة دار التعارف للمطبوعات ببيروت تحت عنوان: القسم الثالث من الجزء الرابع بلا تأريخ. بَيدَ أنّه حذف وغيّر وبدّل أيضاً. وهذه حقيقة ملحوظة من خلال تطبيق هذا القسم مع الأصل. وطبع هذا القسم في كتاب ذي 155 صفحة وخُتم بتوقيع المؤلِّف في الهامش الأخير.
جريمة جديدة مبتكرة: يبدو أنّ عقدة السيّد حسن الأمين من إنكار إمام العصر والزمان ظلّت ملازمة له حتى مع طبعه الاضطراريّ لسيرة الإمام؛ لهذا قام بتدوين دائرة معارف مستقلّة باسمه، لا باسم أبيه. وإنّي أقتني الطبعة الأولى لهذه الموسوعة البالغة ثمانية أجزاء وعنوانها: «دائرة المعارف الإسلاميّة الشيعيّة». واعيد طبع الجزء الأوّل في بيروت سنة 1393 هـ، والجزء الثامن فيها أيضاً سنة 1394 هـ.
وقد خصّص الجزء الثاني كلّه[54] لسيرة الأئمّة عليهم السلام، وقال في أوّله: هذا هو الجزء الثاني من «دائرة المعارف الإسلاميّة الشيعيّة» يتضمّن بقيّة سِيَر الأئمّة ثمّ نبتدئ البحوث مرتَّبةً على حروف المعجم.
ثمّ بدأ يتحدّث عن سيرة الزهراء عليها السلام، فالحسن المجتبى، فالأئمّة من بعده حتى الإمام العسكريّ عليهم السلام جميعاً. وتشتمل كلّ صفحة على ثلاثة أعمدة. وختم سيرة الأئمّة عليهم السلام بالإمام العسكريّ عليه السلام في ص 94، ولم يذكر كلمة واحده عن إمام العصر والزمان وبعد أن تحدّث عن السيّد محمّد باقر الصدر تحت عنوان: دور الأئمّة في الحياة الإسلاميّة، وختم حديثه في الصفحة 97، فإنّه شرع بالحديث من ص 98 حسب حروف المعجم، وجعل أوّل حرف من حروف المعجم: «آب حيات». ثمّ واصل كلامه وفقاً لترتيب حروف المعجم.
أجل، إنّه لم يذكر اسم بقيّة الله الأعظم، وختم حديثه عن أئمّة الشيعة بالإمام العسكريّ عليه السلام في أنّ عنوان كتابه: «دائرة المعارف الشيعيّة»، وهو للتعريف بمذهب الشيعة، والقصد من الشيعة هنا هم الشيعة الاثنا عشريّة لا الأحد عشريّة.
هل من الصحيح أن يؤلّف الإنسان دائرة معارف باسم طائفة من الطوائف. ثمّ يتصرّف في معتقداتها من عنده، ثمّ ينسب ذلك إليها؟!
إن كلامنا مع هذا الرجل بل كلام كلّ إنسان عاديّ عاميّ معه هو: لا تعتقد بوجود إمام العصر والزمان! لكن لما ذا تنسب ذلك إلى الشيعة؟! وتختم كلامك في التعريف بأئمّة الشيعة عليهم السلام بالإمام العسكريّ عليه السلام؟!
نحن لا نقول لك: كن شيعيّاً اثني عشريّاً! ولا نقول: كن مسلماً! نفرض أنّك يهوديّ أو نصرانيّ لا يعتقد بالرسالة الإسلاميّة أبداً، فضلًا عن الاعتقاد بولاية وخاتميّة بقيّة الله الأعظم عجّل الله تعالى فرجه المبارك، فإنّ اليهوديّ أو النصرانيّ إذا أراد أن يكتب عن عقيدة قوم ما، فإنّه لا يستطيع أن يُدخل عقائده الخاصّة فيها، ويعدّ عقيدتهم مزيجاً منها ومن عقيدته، ومن ثم يقدّمها إلى المجتمع. وعلى الشعوب المختلفة أن تراعي هذه القاعدة الصحيحة في التفتيش عن عقائد كلّ قوم وتقاليدهم.
ولا وزن للمستشرقين الذين قاموا ببحث عقائد الشرقيّين وتحريرها وتقريرها وتدوينها فأضافوا إليها أشياء من عندهم أو نقّصوا منها أو غيّروا في بيانها. فأمثال هؤلاء بلا هويّة ولا شخصيّة في دنيا العِلم. ويأتي مستشرق آخر فيبطل كلام المستشرق الذي سبقه، ويدلّ على مواضع تحريفه. أمّا المستشرقون الاصلاء- وهم قليلون جدّاً- فإنّهم لا يدعون البحث والتنقيب، وما لم يوقنوا في استقرائهم وفحصهم، فلا ينسبون شيئاً إلى قومٍ ما، ويتّخذون موقف الحياد تماماً، ولا يضيفون إلى عقائد الآخرين شيئاً من آرائهم وأفكارهم وأهوائهم، ولا يمزجون عقائدهم بها؛ فكيف بشخصٍ إذا كانت له شخصيّته وسمعته فبفضل أبيه العظيم الذي لو قُطِّع إرباً إرباً لَما أنكر صاحب الأمر والزمان؟! ثمّ يأتي هذا الشخص، فيحطّم أصل ذلك وركنه ودعامته في دائرة معارفه الشيعيّة، ويزعم أنّ الشيعة بُتر لا وليّ لهم ولا قيِّم يقيم شئونهم ولا صاحب اختيار يتولّى أمرهم خلافاً للنصوص الصريحة المأثورة عن رسول الله والأئمّة واحداً بعد الآخر، وعلى عكس مشاهدة أصحاب اليقين ولقائهم، ثمّ ينسب هذه العقيدة إليهم. إنّ هذا المنطق عند أولى البصائر منطق عفن برائحة التجدّد والتغرّب والانسلاخ عن الأصالة العائليّة، وملوّث بالآراء السخيفة لزعانف ضيّقى الافق.
ويبدو أيضاً أنّ السيّد حسن الأمين شعر أنّه سيواجه انتقادات بسبب حذفه اسم بقيّة الله الأعظم من دائرة معارفه، فذكر سبعة أسطر قصيرة عن الإمام ليصون نفسه من هجمات المهاجمين، وكان ذلك في الطبعة المعادَة الواقعة في ثلاثة مجلّدات ضخمة تشمل اثني عشر جزءاً، ويستوعب المجلّد الأوّل منها أربعة أجزاء من الطبعة الأولى. وهذه الطبعة هي الطبعة الثالثة التي أنجزتها دار التعارف ببيروت سنة 1401 هـ. وذكر السيّد ذلك في المجلّد الأوّل، القسم الثاني بعد أن أورد نفس المعلومات الموجودة في الطبعة الأولى عن الأئمّة عليهم السلام حتى الإمام الحسن العسكريّ عليه السلام. وختمها في ص 62. ثمّ قال بعدها ما نصّه: مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ المَهْدِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ
«ولد سنة 255 هـ بسامرّاء في أيّام المعتمد، ولم يخلّف أبوه ولداً غيره وكانت سنّه عند وفاة أبيه خمس سنين. وكان سفراؤه في الغيبة الصغرى عثمان بن سعيد، ثمّ ابنه محمّد بن عثمان، ثمّ الحسين بن روح، ثمّ عليّ بن محمّد السَّمُريّ. وكان مولده وانقطاع السفارة أربع وسبعين سنة».
ويُلاحَظ في هذا الكلام أنّ المؤلّف لم يذكر فيه لقب صاحب الأمر أو صاحب الزمان أو بقيّة الله وأمثالها، ولم يُشِرْ إلى حياته وطول عمره وما وقع له، وغير ذلك في حين نجد أنّه ملأ المجلّدات الثلاثة الضخمة لدائرة معارفه البالغة اثني عشر جزءاً من الطبعة الأولى بشتّى الموضوعات.
أجل، إنّ قصدنا من ذكر هذا الموضوع هو أن يعلم الأصدقاء والأحبّة من طلّاب العلوم الدينيّة الأعزّاء أنّ طبعات كتاب «أعيان الشيعة» التي أنجزها السيّد حسن كلّها محرّفة ولا اعتبار لها. وعليهم أن يراجعوا الطبعات الأولى التي تمّت في حياة المرحوم والده من أجل دراساتهم وتحقيقاتهم، ويتّخذوها مصدراً لأبحاثهم العلميّة.
ويجب أن لا نتوقّع من السيّد حسن الأمين أكثر من هذا، وهو الذي صدّر الكتاب بصورته التي يُشاهَد فيها هندامه الغربيّ، وذقنه الحليق، ورباطه النصرانيّ. وينبغي التثبّت من موضوعاته المنقولة ومقايستها بموضوعات صاحب «أعيان الشيعة»، وإلّا فهي كلّها لا وزن لها. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ.[55]
لقد ذكر الشيخ محمّد جواد مغنية الجَفر في كتاب «الشيعة والتشيّع» فقال: جاء في بعض مؤلّفات السُّنّة والشيعة أنّ عند أهل البيت عِلم الجفر، وأنّهم يتوارثونه إماماً عن إمام إلى جدّهم الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله. ومِن كُتب السنّة التي جاء فيها ذكر الجفر: «المواقف» للإيجيّ، وشرحه للجرجانيّ الحنفيّ، و«الفصول المهمّة» لابن الصبّاغ المالكيّ.
(ونقل المرحوم مغنية بيتَي الشاعر المذكور، وكنّا قد أوردناهما سابقاً عن «أعيان الشيعة»، ثمّ قال بعد ذلك:) ونفى أفراد من السنّة والشيعة ذلك، ولم يعتقدوا بشيء يسمّى الجفر عند أهل البيت، ولا عند غيرهم.
ما هو علم الجفر؟ واختلف القائلون بوجود الجفر في تفسير معناه: فمن قائل بأنّه نوع من علم الحروف تُستخرج به معرفة ما يقع من الحوادث في المستقبل. ومن قائل بأنّه كتاب من جلد،[56] فيه بيان الحلال والحرام، واصول ما يحتاج إليه الناس من الأحكام التي فيها صلاح دينهم ودنياهم.[57] وعلى هذا فلا يمتّ الجفر إلى الغيب بصلة.
ومن الطريف أن يقول عالم كبير من علماء الأحناف، وهو الشريف الجرجانيّ بالأوّل، وأنّ الجفر الذي عند أهل البيت تُستخرج منه الحوادث الغيبيّة، وأن يخالفه في ذلك عالم كبير من الإماميّة، وهو السيّد محسن الأمين، ويقول بالثاني، وإنّه علم الحلال والحرام فقط.
قال الجرجانيّ في كتاب «المواقف» وشرحه، ج 6، ص 22، ما نصّه بالحرف: «الجفر» و«الجامعة» كتابان لعليّ رضي الله عنه، وقد ذكر فيهما على طريقة علم الحروف الحوادث إلى انقراض العالم. وكان الأئمّة المعروفون من أولاده يعرفونهما ويحكمون بهما.
وقال السيّد محسن الأمين في كتاب «نقض الوشيعة» ص 295: ليس الجفر علماً من العلوم وإن توهّم ذلك كثيرون، ولا هو مبنيّ على جداول الحروف، ولا ورد به خبر ولا رواية- إلى أن قال:- ولكنّ الناس توسّعوا في تفسيره، وقالوا فيه أقاويل لا تستند إلى مستند. شأنهم في أمثال ذلك.
وقال في «أعيان الشيعة» القسم الأوّل، ج 1، ص 246، طبعة 1960 م: الظاهر من الأخبار أنّ الجفر كتاب فيه العلوم النبويّة من حلال وحرام، وما يحتاج إليه الناس في أحكام دينهم، وصلاح دنياهم.[58]
السيّد الأمين الذي تثق الإماميّة كافّة بعلمه ودينه ينفي الجفر بمعنى علم الغيب عن أهل البيت، ويثبته عَلَمٌ من أعلام الأحناف، ويقول: عِنْدَهُمْ عِلْمُ مَا يَحْدُثُ إلَى انْقِرَاضِ العَالَمِ.
وبهذا يتبيّن ما في قول الشيخ أبي زهرة وغيره من الذين جعلوا القول بالجفر من اختصاص الإماميّة، ونسبوا لهم الزعم بأنّ أهل البيت يستخرجون منه علم الغيب. إنّ غير الإماميّة من الفرق الإسلاميّة يدّعون أمثال ذلك، ثمّ ينسبونه إلى الإماميّة، لا لشيء إلّا ليشنّعوا، ويهوّشوا، وكذلك فعلوا في دعوى تحريف القرآن والنقص منه، ودعوى الإيحاء والإلهام.
هذا، إلّا أنّ مسألة الجفر ليست من اصول الدين ولا المذهب عند الإماميّة، وإنّما هي أمر نقليّ تماماً كمسألة الرجعة، يؤمن بها من تثبت عنده، ويرفضها إذا لم تثبت، وهو في الحالين مسلم سنّيّ إن كان سنّيّاً، ومسلم شيعيّ إن كان شيعيّاً.[59]
ونلاحظ في كلام آية الله السيّد محسن الأمين، والشيخ محمّد جواد مغنية نفي علم الجفر بمعنى خصوص علم الغيب بطريق الاستكشاف للحوادث المقبلة. علماً أنّنا عرفنا أنّ عبارة «الإخبار عن بعض الحوادث» قد اضيفت في «أعيان الشيعة» ولكنّها حُذفت في «نقض الوشيعة» على ما نقل مغنية. وفي هذا كلّه مواضع للتأمّل والإشكال. وقبل أن نستعرض تلك المواضع، نرى من الضروريّ أن نبيّن كلام مغنية في علوم الإمام، ثمّ نطرح الإشكالات المثارة عليه، ونعرّج بعد ذلك على الإشكال الدائر حول موضوع بحثنا المتمثّل بعلم الجفر.
قال مغنية في كتاب «الشيعة والتشيّع» بعد كلام موجز عن علوم الإمام: قال الشريف المرتضى في «الشافي» ص 188، ما نصّه بالحرف: معاذ الله أن نوجب للإمام من العلوم إلّا ما تقتضيه ولايته، واسند إليه من الأحكام الشرعيّة. وعلم الغيب خارج عن هذا.
وقال في ص 189: لا يجب أن يعلم الإمام بالحِرَف والمهن والصناعات، وما إلى ذاك ممّا لا تعلّق له بالشريعة. إنّ هذه يُرجَع فيها إلى أربابها، وإنّ الإمام يجب أن يعلم الأحكام، ويستقلّ بعلمه بها، ولا يحتاج إلى غيره في معرفتها، لأنّه وليّ إقامتها وتنفيذها.
وقال الطوسيّ في «تلخيص الشافي» المطبوع مع الكتاب المذكور، ص 321: «يجب أن يكون الإمام عالماً بما يلزم الحكم فيه، ولا يجب أن يكون عالماً بما لا يتعلّق بنظره» كالشؤون التي لا تخصّه ولا يُرجع إليه فيها.
وهذا يتّفق تماماً مع قول الشيعة الإماميّة بأنّ الإمام عبد من عباد الله، وبشر في طبيعته، وصفاته، وليس ملكاً، ولا نبيّاً. أمّا رئاسته العامّة للدين والدنيا فإنّها لا تستدعي أكثر من العلم بأحكام الشريعة، وسياسة الشؤون العامّة.
وكيف يُنسَب إلى الشيعة الإماميّة القول بأنّ أئمّتهم يعلمون الغيب، وهم يؤمنون بكتاب الله، ويتلون قوله تعالى حكاية عن نبيّه: ولَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ.[60] وقوله: إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ.[61] وقوله: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ والْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ.[62]
وقال الشيخ الطبرسيّ في «مجمع البيان» عند تفسير الآية 123، من السورة 11: هود: ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والْأَرْضِ: لقد ظلم الشيعة الإماميّة مَن نسب إليهم القول بأنّ الأئمّة يعلمون الغيب. ولا نعلم أحداً منهم استجاز الوصف بعلم الغيب لأحدٍ من الخلق. فأمّا ما نُقل عن أمير المؤمنين عليه السلام، ورواه عنه الخاصّ والعامّ من الأخبار بالغائبات في خطب الملاحم وغيرها، مثل الإيماء إلى صاحب الزنج، وإلى ما ستلقاه الامّة من بني مروان، وما إلى ذلك ممّا أخبر به هو وأئمّة الهدى من ولده. أمّا هذه الأخبار فإنّها متلقّاة عن النبيّ صلى الله عليه وآله ممّا أطلعه الله عليه. فلا معنى لنسبة من يروي عنهم هذه الأخبار المشهورة إلى أنّه يعتقد كونهم عالمين الغيب، وهل هذا إلا سب قبيح وتضليل لهم، بل تكفير، لا يرتضيه من هو بالمذاهب خبير، والله هو الحاكم وإليه المصير.
وإن افترض وجود خبر أو قول ينسب علم الغيب إلى الأئمّة، وجب طرحه باتّفاق المسلمين. قال الإمام الرضا عليه السلام: لَا تَقْبَلُوا عَلَيْنَا خِلَافَ القُرْآنِ؛ فَإنَّا إن تَحَدَّثْنَا حَدَّثْنَا بِمُوافَقَةِ القُرْآنِ ومُوافَقَةِ السُّنَّةِ. إنَّا عَنِ اللهِ وعَنْ رَسُولِهِ نُحَدِّثُ، ولَا نَقُولُ: قَالَ فُلَانٌ وفُلَانٌ.
فَإذَا أتَاكُمْ مَنْ يُحَدِّثُكُمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَرُدُّوهُ! إنَّ لِكَلَامِنَا حَقِيقَةً، وإنَّ عَلَيْهِ لَنُوراً؛ فَمَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ ولَا نُورَ عَلَيْهِ فَذَاكَ قَوْلُ الشَّيْطَانِ.
وبكلمة، إنّ علوم الأئمّة وتعاليمهم يحدّها- في عقيدة الشيعة- كتابُ الله وسنّة نبيّه. وإنّ كلّ إمام من الأوّل إلى الثاني عشر قد أحاط إحاطة شاملة كاملة بكلّ ما في هذين الأصلين من الألف إلى الياء، بحيث لا يشذّ عن علمهم معنى آية من أي الذِّكر الحكيم تنزيلًا وتأويلًا، ولا شيء من سنّة رسول الله قولًا وفعلًا وتقريراً، وكفى بمن أحاط بعلوم الكتاب والسُّنّة فضلًا وعلماً! إنّ هذه المنزلة لا تتسنّى ولن تتسنّى لأحدٍ غيرهم. ومن هنا كانوا قدوة الناس جميعاً بعد جدّهم الرسول.
وقد أخذ أهل البيت علوم الكتاب والسنّة وفهموها ووعوها عن رسول الله تماماً، كما أخذها ووعاها رسول الله عن جبرائيل، وكما وعاها جبرائيل عن الله، ولا فرق أبداً في شيءٍ إلّا بالواسطة فقط لا غير.
أخذ عليّ عن النبيّ، وأخذ الحسنان عن أبيهما، وأخذ عليّ بن الحسين عن أبيه. وهكذا كلّ إمام يأخذ العلم عن إمام. ولم يرو أصحاب السِّير والتواريخ أنّ أحداً من الأئمّة الاثني عشر أخذ عن صحابيّ أو تابعيّ أو غيره. فقد أخذ الناس العلم عنهم، ولم يأخذوه عن أحد.
قال الإمام الصادق عليه السلام: عَجَباً للنَّاسِ يَقُولُون: أخَذُوا عِلْمُهُمْ كُلَّهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ، فَعَلِمُوا واهْتَدُوا، ويَرونَ أنَّا أهْلُ بَيْتٍ لَمْ نَأخُذْ عِلْمَهُ ولَمْ نَهْتَدِ بِهِ، ونَحْنُ أهْلُهُ وذُرِّيَّتَهُ؛ في مَنَازِلِنَا انْزِلَ الوَحْيُ، ومِنْ عِنْدِنَا خَرَجَ العِلْمُ إلَى النَّاسِ، أفَتَرَاهُمْ عَلِمُوا واهْتَدُوا، وجَهِلْنَا وضَلَلْنَا؟!
وقال الإمام الباقر عليه السلام: لَوْ كُنَّا نُحَدِّثُ النَّاسَ بِرَأيِنَا وهَوَانَا لَهَلْكَنا؛ ولَكِنَّا نُحَدِّثُهُمْ بِأحَادِيثَ نَكْنِزُهَا عَنْ رَسُولِ اللهِ، كَمَا يَكْنِزُ هَؤْلَاءِ ذَهَبَهُمْ وفِضَّتَهُمْ.
وبهذا يتبيّن الجهل، أو الدسّ في قول من قال بأنّ الشيعة يزعمون أنّ علم الأئمّة إلهاميّ، وليس بكسبيّ؛ وترقّى بعضهم فنسب إلى الشيعة القول بنزول الوحي على الأئمّة. ويردّ هذا الزعم مضافاً إلى ما نقلناه من أحاديث الأئمّة الأطهار ما قاله الشيخ المفيد في كتاب «أوائل المقالات»: قَامَ الاتِّفاقُ عَلَى أنَّ مَنْ يَزْعَمُ أنَّ أحَداً بَعْدَ نَبِيِّنَا يُوحَى إلَيْهِ فَقَدْ أخْطَأ وَكَفَرَ.[63]
كان هذا كلام مغنية الذي كتبه حول علم الإمام من وحي حبّه ودفاعه عن حريم التشيّع. ولكن ينبغي أن لا يُفضي هذا الحبّ والإشفاق إلى نسيان بعض المزايا والفضائل الأصيلة التي كان يتّصف بها الأئمّة، دفعاً لكلام أهل السنّة وإخماداً لنائرة غوغائهم وافتعالهم المواقف وشغبهم.
إن الكلام الذي نقله مغنية عن الأعلام- وله بيان حوله- بعضه صحيح، وبعضه الآخر غير صحيح، وذلك للأسباب الآتية: أوّلًا: على الرغم من أنّ الأئمّة قد توارثوا علمهم عن آبائهم، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وكانوا ذوي علم كسبيّ، بَيدَ أنّ هذا العلم مقترن مع علمهم الوجدانيّ الباطنيّ اللدنّيّ بلا ريب، وما لم يشرق ذلك العلم النوريّ الباطنيّ في القلب، فإنّ العلم الكسبيّ وحده لا يحقّق الهدف.
إنّهم بشرٌ في غرائزهم وطبائعهم، ولكنّ بشريّتهم لا تحول دون تفتّق قابليّاتهم الذاتيّة وعلمهم الحقيقيّ النابع من الأعماق. ولا تمنع من أن يكونوا- اختياراً لا اضطراراً وإجباراً- أولى ملكاتٍ وعلوم لا ينالها كلّ أحدٍ من الناس. وهي الاطّلاع على المغيبات، وكشف الأسرار، والعلم بالضمائر والنيّات ووقوع الحوادث، وأمثال ذلك.
وعند ما نشاهد مثل هذه العلوم لدى العلماء بالله وبأمر الله، وهم بين ظهرانينا، فهل يليق بنا أن ننكر ذلك على أهل البيت، لا لذنبٍ إلّا لأنّهم أهل البيت، وقد أخذوا علومهم بعضهم عن بعض؟!
إن أخذ كلّ إمام علومه من الإمام السابق له أمر ثابت لا ريب فيه؛ ولكن هذا لا يعني أنّ الإمام السابق قد بيّن للإمام اللاحق جميع الفروع الجزئيّة اعتباراً من أوّل كتاب الطهارة إلى آخر كتاب الديات، أو عدّ له جزئيّات العلوم العقليّة والمعارف الإلهيّة.
بل يعني أنّ الإمام السابق أعطى الإمام اللاحق الكلّيّات والاصول. أمّا تفرّع الفروع، وشرحها وبسطها وتوسيعها حسب حالاتها المختلفة، ووفقاً للبيئة المناسبة والامّة الجديرة المستعدّة، وتمشّياً مع متطلّبات الزمان والمكان، فذلك كلُّه يعود إلى الإمام اللاحق.
في ضوء ذلك، فإنّ الوصول إلى الجزئيّات من كلّيّات الكتاب والسنّة يتطلّب منهم ممارسة القوّة العقليّة والإدراك القلبيّ. وهو ما يُعَبَّر عنه بالمشاهدات الغيبيّة، وهم يستأثرون به دون غيرهم.[64]
نحن لا نقول: إنّ هذا محال على سائر الناس، ولكن نقول: إنّ غالب الناس بل معظمهم لا يطوون هذا الطريق، وإنّ استعداداتهم القلبيّة لكشف الغيب تظلّ خافية، بَيدَ أنّ الأئمّة عليهم السلام طووا هذا الطريق وتصدّروا فحازوا مقام الإمامة والقيادة. وإذا ما أراد الآخرون أن يطووا هذا الطريق فإنّ صراط الله مفتوح أمامهم، وسيصلون إلى المكان الذي وصل إليه الأئمّة، مع أنّ مقام الإمامة والريادة لهم دون غيرهم، وهو غير قابل للزوال والتغيير والتبديل.
ثانياً: ما ذا تقولون في أئمّة تصدّوا للإمامة في سنّ الطفولة ولم يُمضوا أيّامهم ولياليهم الطويلة مع آبائهم الأماجد على امتداد أعمارهم؟! وما ذا تقولون في إمام العصر والزمان الذي فقد أباه وهو ابن أربع سنين؟! هل تقولون: إنّه كان يفضي إليه منذ ولادته إلى حين وفاته قوله: قال أبي عَنْ جَدِّي... عن رسول الله كذا؟! ولو عمّر الإمام مائتي سنة وكان ابنه حيّاً، فإنّ هذا المسائل الجزئيّة لا تنتهي عند حدٍّ معيّن.
ما ذا تقولون في الإمام الجواد عليه السلام؟! لقد كان ابن سبع أو تسع سنين عند وفاة أبيه الرضا عليه السلام، وأضيفوا إلى ذلك أنّ الإمام الرضا عليه السلام كان نائياً عنه قرابة عامين، ولم يكن هناك ارتباط ظاهريّ بينهما، فالإمام الجواد عليه السلام لم يدرك أباه إلّا خمس أو سبع سنين.
أنتم تقولون في جواب هذا: إنّ علومهم علوم لدنّيّة. وحضور الإمام وغيبته سواء فابن الأربع أو الخمس أو السبع سنين يمكن من خلال انكشاف حقائق التوحيد والمعرفة في قلبه أن يصبح إماماً للُامّة ومرجعاً لشيوخها الطاعنين في السنّ الذين ليست لهم تلك الدرجة من التوحيد والمعرفة والسعة والإحاطة الكلّيّة، وإلّا لتحقّق تقدّم المفضول على الأفضل، وسيفقد إشكالكم على ابن أبي الحديد القائل: الحَمْدُ لِلَّهِ الذي قَدَّمَ المَفْضُولَ عَلَى الأفْضَلِ. شأنه وأهمّيّته.
وهذا الجواب لا يختصّ بالإمام الجواد والإمام المهديّ عليهما أفضل الصلاة والسلام، بل هو كذلك بالنسبة إلى جميع الأئمّة. فالأئمّة عليهم السلام اولو علم كسبيّ ولدنّيّ غير اكتسابيّ.
ثالثاً: أنّ الآيات القرآنيّة التي تحصر علم الغيب بالله تعالى هي على حالها، بَيدَ أنّ المقصود هو الاستقلال. ولكن ما ضرّ لو أنّ الله أعطاه غيره على سبيل الظهور والمظهريّة دون أن يكون هناك استقلال في البين؟!
رابعاً: كان دأب الشيعة وأئمّتهم النظر في الآيات القرآنيّة مترابطةً، وملاحظة عامّها وخاصّها. فإنّ للآيات التي تحصر علم الغيب بالله عموميّتها، بَيدَ أنّ الآيات الكريمة: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً، إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ومِنْ خَلْفِهِ رَصَداً، لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً.[65] خاصّة وتخصّص عموميّتها، ومحصّلة ذلك: الله عالم الغيب ولا يُطلع أحداً على غيبه إلّا مَن ارتضى من رسول فإنّه يخبره بغيبه.
ولمّا كانت هذه الآية تتخصّص في كلّ رسولٍ وكلّ نبيّ، وأنتم تقولون: إنّ جميع صفات الأنبياء وعلوم المرسلين ثابتة للأئمّة الاثني عشر إلّا النبوّة كما في الحديث المجمع عليه بين الفريقين: أنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلَّا أنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي، فإنّ كافّة مقامات الأنبياء ودرجاتهم ثابتة لأمير المؤمنين عليه السلام إلّا النبوّة. وإنّ مزاياه وعلومه ودرجاته عليه السلام برمّتها ثابتة للأئمّة الطاهرين عليهم السلام من بعده كما أجمع على ذلك علماء الشيعة، وإنّ من أهمّ درجاته ومقاماته العلم بالغيب وكشف الأسرار الإلهيّة والاطّلاع على الخفايا والعلوم الربوبيّة التوحيديّة التي تستوعب سائر المكاشفات المثاليّة.
ولقد تحدّثنا في الجزء الحادي عشر، والثاني عشر من هذا الكتاب عن علم أمير المؤمنين عليه السلام فقط، واستوعب الجزء الثاني عشر كلّه علومه الغيبيّة. وذكرنا في الدرس 166 إلى الدرس 170 منه معلومات لا تُنكَر حول علومه الغيبيّة عليه أفضل صلوات المصلّين، وذلك عند تفسير الآية المباركة: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً، إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ.
هذا ما يعود إلى علوم الإمام وعلم أمير المؤمنين عليه السلام بشكل عامّ. وأمّا فيما يخصّ علم الجفر الذي حصره- تبعاً لصاحب «أعيان الشيعة»- في علم الحلال والحرام والمصالح الدنيويّة والامور الاخرويّة، وحذف منه المكاشفات الغيبيّة بلا دليل، فينبغي أن نقول في جوابه وجواب مؤلّف «أعيان الشيعة» اللذين ذُكر كلامهما مفصّلًا: لما ذا ننكر علم الجفر بمعنى الكشف عن حوادث المستقبل، والاطّلاع على المغيبات عبر بسط الحروف بالاسلوب الذي علّم فيه رسول الله صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين عليه السلام؟! ولِمَ لا نعدّه علماً مستقلّا وكاملًا- لا كالجفر المشهور اليوم؟!- أمّا في مقام الثبوت، فقاعدة إمكانه العقليّ تقوم على القانون الآتي: كلّما قَرَعَ سَمْعَك مِنَ الغَرَائِبِ فَذَرْهُ في بُقْعَةِ الإمْكَانِ مَا لَمْ يَذُدكَ عَنْهُ قَائِمُ البُرهَانِ.[66]
وأمّا في مقام الإثبات، أفلا تكفي الأدلّة النقليّة كلّها؟!
وألا يكفي كلام الإيجيّ- وهو من متكلّمي العامّة المحقّقين- في كتاب «المواقف»، وشهادة المحقّق الجليل المير السيّد شريف الجرجانيّ في «شرح المواقف»، إذ يقول بصراحة مذعناً: إنّ «الجفر» و«الجامعة» كتابان لعليّ عليه السلام قد ذكر فيهما على طريقة علم الحروف الحوادث التي تحدث إلى انقراض العالم، وكان الأئمّة المعروفون من أولاده يعرفونهما ويحكمون بهما- وكان هذا الرجل الكبير من متكلّمي العامّة، وله أفضل حاشية على كتاب «المطوّل» للتفتازانيّ تدلّ على تتبّعه واطّلاعه وباعه في اللغة العربيّة- إنّها شهادة رجل كان الشاعر الشيعيّ فخر الإسلام والتشيّع حافظ الشيرازيّ تلميذه، وكان يحضر درسه بانتظام.[67]
ألا تكفي شهادة ابن صبّاغ المالكيّ في كتابه النفيس القيِّم «الفصول المهمّة» الذي يعدّ أحد المصادر المهمّة التي ينقل عنها علماء الشيعة الكبار حتى الآن؟!
ألا يكفي دلالة نصف الأخبار الكثيرة الواردة في هذا المجال، ونحن ذكرناها عن «بصائر الدرجات» للصفّار نقلًا عن المجلسيّ، وهناك قال الإمام الرضا عليه السلام بصراحه: «إنّ الجفر والجامعة يدلّان على أنّ هذا الأمر (ولاية العهد) لا يتمّ»؟!
ألا يكفي الكلام المفصّل في «كشف الظنون» وهو لرجل سنّيّ، ونحن نقلناه بتمامه سابقاً؟!
ألا يكفي كلام محمّد بن طلحة الشافعيّ في كتاب «مطالب السؤول» وهو من أعاظم علماء السنّة، وكلامه ممّا يحتجّ به علماء الشيعة، إذ يُلحظ في مصنّفاتهم موضوعات عالية وقيِّمة منقولة عن كتابه المذكور؟!
ألا يكفي كلام ابن خلدون في مقدّمته، وقد عرضناه بنحو مفصّل. قال فيه: «و قد صحّ عنه (الإمام الصادق عليه السلام) أنّه كان يُحذّر بعض قرابته بوقائع تكون لهم فتصحّ كما يقول. وقد حذّر يحيى ابن عمّه زيد من مصرعه وعصاه فخرج وقتل بالجوزجان كما هو معروف». وذكر كلاماً مفصّلًا في شرح وقائع مثلها وقال ما معناه: لا شكّ في صدور مثل هذا عن أهل البيت؟! هذه كلّها من المصادر المهمّة المتقنة المعروفة المشهورة عند أهل السنّة. وكلامها حجّة للمؤرّخين وأهل السير والمتكلّمين، فضلًا عن مئات الكتب التي صنّفها علماء الشيعة، وذُكر فيها الجفر. ولم يرتابوا في انتسابه إلى أمير المؤمنين عليه السلام.
وقرأنا شعر أبي العلاء المعرّيّ ولاحظنا كيف بيّن الأمر ودلّ عليه دفاعاً عن أهل البيت، ورفعاً لتعجّب المشكّكين. وكلّنا نعرف أنّ أبا العلاء كان متشدّداً في البحث، ولم ينقاد بسرعةٍ لكلامٍ ما لم يقم عليه الدليل والبرهان.
وما أروع ما برهن عليه ابن خلدون في حديثه عن هذا الموضوع! فقال: وإذا كانت الكرامة تقع لغيرهم، فما ظنّك بهم علماً وديناً وآثاراً من النبوّة وعناية من الله بالأصل الكريم تشهد لفروعه الطيّبة؟ ووقع لجعفر وأمثاله من أهل البيت كثير من ذلك مستندهم فيه- والله أعلم- الكشف بما كانوا عليه من الولاية، وإذا كان مثله لا ينكر من غيرهم من الأولياء في ذويهم وأعقابهم.
وحينئذٍ ينبغي أن نقول لصاحب «أعيان الشيعة» ومَن يَحذُو حَذْوَهُ: إنّ استبعادكم في غير محلّه. ولو كنتم تحضرون درس العارف الكبير المرحوم الآخوند الملّا حسين قُلي الهمدانيّ في النجف كبعض تلامذته، لتَيسَّر عليكم تصديق هذه الامور ونظائرها، ولكن لستم أنتم فحسب، بل كلّ عالم لم يرتو من ذلك المشرب، وقنع بالفقه والاصول والحديث والتفسير، ولم يشرق قلبه بالأنوار الملكوتيّة، ولم يلمس عوالم الغيب شهوداً فإنّه يُمنى بهذا الألم.
اللهمّ إلّا أن يتعبكم بحث بعض علماء السنّة وكتاباتهم، فيقولون لكم من باب الجدل تبعاً لكلامكم: الدليل على أحقّيّتنا أنّ كثيراً ما شوهد بيننا عرفاء كبار كان لهم شهود وجدانيّ وعلوم غيبيّة، وأسماؤهم وسيرهم ومناهجهم مسطورة في الكتب، ومذهبهم موجود هذا اليوم. وأمّا أنتم فلا تؤمنون بالانكشافات الباطنيّة والعلوم الشهوديّة لأئمّتكم المعصومين الذين ترون أنّهم خلفاء رسول الله، فعلماؤنا الذين ساروا في طريق العرفان أفضل من أئمّتكم وأعلى شأناً منهم وعندئذٍ ترتبكون، وتبادرون إلى إثبات العلوم الغيبيّة لهم بما فيها علم الجفر بألف دليل ودليل لئلّا تتخلّفوا عن القافلة! أجل، إنّ هذا الضرب من الاستدلال لا يعطِّر النفوس. ويظلّ هذا الموضوع غامضاً على المؤمن الشيعيّ ما لم ينهج السلوك العمليّ، ولم يسر في طريق أئمّته عليهم السلام. من أجل أن يتوفّر على معرفتهم.
ولم يحضر المرحوم السيّد محسن الأمين درس الآخوند، وهو نفسه يأسف على ذلك. قال في الجزء الرابع من كتاب «معادن الجواهر» ص 77: ثمّ اكترينا داراً في محلّة الحويش، وانتقلنا إليها وشرعنا في الدرس والتدريس. وكان جارنا الشيخ ملّا حسين قلي الهمدانيّ الفقيه العارف الأخلاقيّ المشهور. فحضرتُ يومين في درسه الأخلاقيّ، ثمّ تركتُ وعكفتُ على دروس الاصول والفقه، ثمّ ندمتُ على أن لا أكون حضرتُ درسه الأخلاقيّ إلى آخر حياته. وقد توفّي ونحن في النجف الأشرف. وكان جُلَّ تلاميذه العرفاء الصالحون، وفيهم بعكس ذلك، لأنّ الحكمة كماء المطر إذا نزل على ما ثمره مُرٌّ ازداد مرارةً، وإذا نزل على ما ثمره حلوٌ ازداد حلاوةً.
لا نقصد هنا أنّ تلاميذ الآخوند أولى جفر يكشفون به المغيبات، بل نقصد أنّ تلاميذه الجيّدين الذين أحاطوا بعالم المثال والعقل كانت جميع الامور حاضرة في قلوبهم كلّ لحظة، وهي مشهودة أمام بصائرهم. وهذه منزلة لا يبلغها الجفر والرمل.
إن القصد هو أنّ تصديق الجفر وأمثاله عمل يسير على السالك في طريق الله الذي توفّرت له الإحاطة المثاليّة والعقليّة، فلا يطلب دليلًا متقناً دامغاً أبداً، لأنّ ثبوته له مسألة مفروغ منها في المراحل الأولى، إذ يكفيه المقدار الموجود من الأدلّة النقليّة لإثباته.
ومن الطريف أنّه زارني في مدينة مشهد هذه الأيّام أحد العلماء الأعاظم،[68] وذكر في سياق كلامه موضوعاً لا يُحمل إلّا على الاطّلاع على السرائر والامور الغيبيّة المثاليّة.
علماً أنّي اصبتُ بنوبة قلبيّة في شهر شوّال سنة 1413 هـ فرقدت أربع ليالٍ في غرفة الإنعاش (تحت المراقبة الخاصّة) وتسع ليالٍ في الردهة العامّة في مستشفى القائم بمدينة مشهد المقدّسة، ثمّ أذِنَ لي الأطبّاء بالخروج من المستشفى والحمد للّه، وجئتُ إلى البيت وها أنا أزاول أعمالى العلميّة نوعاً ما.
وذات يوم زارني أحد العلماء الكبار ومعه أحد الطلّاب، وكنت في البيت مع ولدي الأكبر الحاجّ السيّد محمّد صادق.
ومن نِعَمِ اللهِ عَلَيّ أنّي كنتُ مواظباً على إقامة الليل تهجّداً وعبادةً وذلك قبل إصابتي بالنوبة القلبيّة، ولكنّي حُرمتُ من هذه النعمة حين مرضي. وعند ما عدتُ إلى منزلي فإنّي تركتُ هذه العبادة مدّة لتثاقلي وفتور همّتي وحالة الأرق التي تلازمني لساعاتٍ متوالية من الليل. فقال لي الزائر الكريم بعد المجاملات المألوفة والسؤال والاستفسار عن صحّتي وأحوالي من دون تمهيد: رأيتُ في «بحار الأنوار» حديثاً من أحد الأئمّة، وفيه: قِيَامُ اللَّيْلِ أو صَلَاةُ اللَّيْلِ (لا أتذكّر بالضبط عبارته) مَطِيَّةُ اللَّيْلِ.[69]
فسكتُّ وكنت أستمع إليه فقط، ويبدو أنّي لم أتلقَّ ذلك إرشاداً لي، ولم أجد في عزماً على مواصلة صلاة الليل.
ودار الحديث حول موضوعاتٍ شتّى، فأعاد كلامه: رأيتُ في «بحار الأنوار»: قِيَامُ اللَّيْلِ أو صَلَاةُ اللَّيْلِ مَطِيَّةُ اللَّيْلِ. وقال تعالى في كتابه العزيز: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وأَقْوَمُ قِيلًا.[70]
ولمّا كنتُ أعلم أنّ ولدي كان من أهل التهجّد، فعرفت أنّ ذلك الكلام كان موجّهاً لي من أجل تنبيهي وإيقاظي، إذ ينبغي أن لا نترك هذه الصلاة المهمّة، وينبغي ألّا نزهد عنها وننظر إليها باستخفاف حتى لو كنّا في حال المرض والتوعّك.
فهل يحسن بنا أن نشكّ في علم الأئمّة الطاهرين بالغيب والاطّلاع على السرائر والخفايا كالجفر الذي هو أمرٌ معلوم، في حين أنّنا ننظر هذا الموضوع وأمثاله بامّ أعيننا؟
ومن المناسب هنا- ونحن نختم بحثنا عن كتاب «الجفر» لأمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلّين- أن نذكر كلام المستشار عبد الحليم الجنديّ في هذا المجال: قال: أمّا كتاب الجفر المنسوب إلى الإمام الصادق، فيقول عنه ابن خلدون (732- 806 هـ) (1332- 1406 م): واعلم أنّ كتاب الجفر كان أصله أنّ هارون بن سعيد البجليّ- وهو رأس الزيديّة- كان له كتاب يرويه عن جعفر الصادق. وفيه علم ما سيقع لأهل البيت على العموم ولبعض الأشخاص منهم على الخصوص. وقع ذلك لجعفر ونظائره من رجالاتهم على طريق الكرامة والكشف الذي يقع لمثلهم.
وكان مكتوباً عند جعفر في جلد ثور صغير فرواه عنه هارون البجليّ وكتبه وسمّاه الجفر باسم الجلد الذي كُتب عليه، لأنّ الجفر في اللغة هو الصغير. (و لمّا كان قد كتب على جلد ثور صغير، لذا سُمّي الجفر). وصار هذا الاسم عَلَماً على الكتاب عندهم. وكان فيه تفسير القرآن وما في باطنه من غرائب المعانيّ مرويّةً عن جعفر الصادق. وهذا الكتاب لم تتّصل روايته ولا عرف عينه. وإنّما يظهر منه شواذّ من الكلمات لا يصحبها دليل. ولو صحّ السند إلى جعفر الصادق لكان نِعْم المستند من نفسه أو من رجال قومه. فهم أهل الكرامات. وقد صحّ عنه أنّه كان يحذّر بعض قرابته بوقائع تكون لهم فتصبح كما يقول. والروايات متضافرة على أنّ «الجفر» غير «الجامعة». والبعض يقول: إنّ الجفر من مؤلّفات عليّ أملاه عليه النبيّ.
وهو جفران: الأبيض وهو وعاء من أدم فيه علوم الأنبياء والوصيّين والذين مضوا من علماء بني إسرائيل. والأحمر فيه علم الحوادث والحروب.[71]
من الطبيعيّ أنّ المؤلّف المحترم يرى أنّ كتاب الجفر للإمام الصادق عليه السلام. ونسبه إلى أمير المؤمنين عليه السلام على قول خاصّ. ولكن كما رأينا هو لأمير المؤمنين عليه السلام. وورثه الإمام الصادق عليه السلام كسائر المواريث.
ومن الجدير ذكره أنّ «صحيفة الجفر» هي غير الصحيفة التي كانت عند الإمام الصادق عليه السلام، وفيها أسماء الشيعة كلّهم كما أشار إلى ذلك صاحب «سفينة البحار».[72] وروى المجلسيّ في «بحار الأنوار» عن كتاب «الاختصاص» للشيخ المفيد، عن محمّد بن عليّ، عن ابن المتوكّل، عن عليّ بن إبراهيم، عن اليقطينيّ، عن أبي أحمد الأزديّ، عن عبد الله بن فضل الهاشميّ أنّه قال: كنتُ عند الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام إذ دخل المفضَّل بن عمر. فلمّا بصر به ضحك إليه، ثمّ قال: إلَيّ يا مفضّل! فَوَ رَبِّي إنِّي لُاحِبُّكَ واحِبُّ مَنْ يُحِبُّكَ! يَا مُفَضَّلُ! لَوْ عَرَفَ جَمِيعُ أصْحَابِي مَا تَعْرِفُ مَا اخْتَلَفَ اثْنَانِ!
قال المفضّل: يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ! لَقَدْ حَسِبْتُ أنْ أكُونَ قَدْ انْزِلْتُ فَوْقَ مَنْزِلَتِي.
فقال: بَلْ انْزِلْتَ المَنْزِلَةَ التي أنْزَلَكَ اللهُ بِهَا.
فقال: يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ! فَمَا مَنْزِلَةُ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ مِنْكُمْ؟!
قال: مَنْزِلَةُ سَلْمَانَ مِنْ رَسُولِ اللهِ.
فقال: فَمَا مَنْزِلَةُ دَاوُدَ بْنِ كَثِيرٍ الرَّقِّيّ مِنْكُمْ؟!
قال: مَنْزِلَةُ المِقْدَادِ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ.
قال: ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيّ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ بْنِ الفَضْلِ! إنَّ اللهَ تَبَارَكَ وتعالى خَلَقَنَا مِنْ نُورِ عَظَمَتِهِ، وصَنَعَنَا بِرَحْمَتِهِ، وخَلَقَ أرْواحَكُم مِنَّا. فَنَحْنُ نَحِنُّ إلَيْكُمْ وأنْتُمْ تَحِنُّونَ إلَيْنَا! واللهِ لَوْ جَهَدَ أهْلُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ أن يَزِيدُوا في شِيعَتِنَا رَجُلًا ويَنْقُصُوا مِنْهُمْ رَجُلًا مَا قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ، وإنَّهُمْ لَمَكْتُوبُونَ عِنْدَنَا بِأسْمَائِهِمْ وأسْمَاءِ آبَائِهِمْ وعَشَائِرِهِمْ وأنْسَابِهِمْ يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ الفَضْلِ! لَوْ شِئْتَ لأرَيْتُكَ اسْمَكَ في صَحِيفَتِنَا؟!
قَالَ: ثُمَّ دَعَا بِصَحِيفَةٍ فَنَشَرَهَا فَوَجَدْتُهَا بَيْضَاءَ لَيْسَ فِيهَا أثَرُ الكِتَابَةِ! فَقُلْتُ يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ! مَا أرَى فِيهَا أثَرَ الكِتَابَةِ!
قَالَ: فَمَسَحَ يَدَهُ عَلَيْهَا فَوَجَدْتُهَا مَكْتُوبَةً ووَجَدْتُ في أسْفَلِهَا اسْمِي، فَسَجَدْتُ لِلَّهِ شُكْراً.[73]
3- كتاب «الديات» أو «صحيفة الديات»
وهو أحد الكتب التي ألّفها أمير المؤمنين عليه السلام. كان معلّقاً بسيفه دائماً. وفيه مقدار الديات المختلفة للجرائم المتنوّعة.
واعِدَّ هذا الكتاب- على ما قاله الإمام في مواطن عديدة- بإملاء رسول الله، وخطّه (خطّ الإمام) عليهما الصلاة والسلام. وعند ما كان يُسأل الإمام في حالات مختلفة: هل نزل عليك الوحي؟! كان يجيب: لا! ليس عندنا إلّا هذا المصحف، وهذه الصحيفة المعلّقة بذؤابة السيف، إلّا أن يمنّ الله على عبده بفهم كتابه.
قال السيّد حسن الصدر في كتاب «تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام»: وله عليه السلام كتاب سمّاه «الصحيفة» كان في الديات، وكان يعلّقه بسيفه. وعندي منه نسخة. وقد روى البخاريّ في صحيحه عنه في باب كتابة العلم، وباب إثم مَن تَبَرَّأ مِنْ مَوَالِيهِ.[74]
وقال الخطيب البغداديّ: ذِكْرُ الرِّوايَةِ عَنْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيّ بْنِ أبِي طَالِبٍ في ذَلِكَ (في لزوم الكتابة وتقييد العلم). ثمّ روى بسنده عن إبراهيم، عن أبيه أنّه قال: خَطَبَنَا عَلِيّ فَقَالَ: مَنْ زَعَمَ أنَّ عِنْدَنَا شَيْئاً نَقْرأهُ لَيْسَ في كِتَابِ اللهِ تعالى وهَذِهِ الصَّحِيفَةُ- قَالَ: صَحِيفَةٌ مُعَلَّقَةٌ في سَيْفِهِ فِيهَا أسْنَانُ الإبِلِ وشَيءٌ مِنَ الجِرَاحَات-[75] فَقَدْ كَذَبَ.
وفيها: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ: المَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إلَى ثَوْرٍ، فَمَنْ أحْدَثَ فيهَا حَدَثاً، أو آوَى مُحْدِثاً[76] فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ والملَائِكَةِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفاً ولَا عَدْلًا.[77]
وَمَنِ ادَّعَى إلى غَيْرِ أبِيهِ، أوِ انْتَمَى إلى غَيْرِ مَوَالِيهِ[78] فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ
وَالمَلَائِكَةِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفاً ولَا عَدْلًا.
وَذِمَّةُ المُسْلِمِينَ واحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أدْنَاهُمْ. فَمَنْ أخْفَرَ مُسْلِماً فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ والمَلَائِكَةِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفاً ولَا عَدلًا.[79]
وكذلك روى الخطيب بسنده عن طارق أنّه قال: رأيتُ عليّاً عليه السلام على المنبر يقول: مَا عِنْدَنَا كِتَابٌ نَقْرَأهُ عَلَيْكُمْ. إلَّا كِتَابُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وهَذِهِ «الصَّحِيفَةُ». وصَحِيفَةٌ مُعَلَّقَةٌ في سَيْفٍ، عَلَيْهِ حَلْقَةُ حَدِيدٍ، وبَكَرَاتُهُ حَدِيدٌ، فِيهَا فَرَائِضُ الصَّدَقَةِ[80] قَدْ أخَذَهَا مِن رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ.[81]
وتحدّث الشيخ محمود أبو ريّة مفصّلًا عن هذا الكتاب تحت عنوان حديثُ «صَحِيفَةِ عَلِيّ رَضِي اللهُ عَنْهُ»، قال فيه: هذا الحديث رواه الجماعة: أحمد، والشيخان، وأصحاب السُّنن بألفاظٍ مختلفة.
أمّا البخاريّ فقد رواه عن أبي جحيفة في كتاب العلم بلفظ:
قُلْتُ لِعَلِيّ: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟! قَالَ: لَا، إلَّا كِتَابُ اللهِ، أوْ فَهْماً أعْطَاهُ رَجُلًا مُسْلِماً، أوْ مَا في هَذِهِ «الصَّحِيفَةِ»! قُلْتُ: ومَا في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ»؟! قَالَ: العَقْلُ، وفِكَاكُ الأسِيرِ، ولَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ.[82]
ورواية الكشْميهَنيّ: وأنْ لَا يُقْتَلَ... إلى آخره. وفي كتاب الجهاد بلفظ: قُلْتُ لِعَلِيّ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِنَ الوَحي؟ إلَّا مَا في كِتَابِ اللهِ؟!
قَالَ: لَا، والذي فَلَقَ الحَبَّةَ، وبَرَأ النَّسَمَةَ، مَا أعْلَمُهُ إلَّا فَهْمَاً يُعْطِيهِ اللهُ رَجُلًا في القُرْآنِ ومَا في هَذِهِ «الصَّحِيفَةِ»؟!
قُلْتُ: ومَا في هَذِهِ «الصَّحِيفَةِ»؟!
قَالَ: العَقْلُ، وفِكَاكُ الأسِيرِ، وأنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ!
وفي باب الديات: سَألْتُ عَلِيَّاً رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيءٌ مِمَّا لَيْسَ في القُرْآنِ؟!
فَقَالَ: والذي فَلَقَ الحَبَّةَ وبَرَأ النَّسَمَةَ، مَا عِنْدَنَا إلَّا مَا في هَذَا القُرْآنِ، إلَّا فَهْماً يُعْطَي رَجُلٌ في كِتَابِهِ، ومَا في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ!
قُلْتُ: ومَا في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟! قَالَ: العَقْلُ، وفِكَاكُ الأسِيرِ... إلى آخره.
وفي باب حرم المدينة من كتاب الحجّ عن إبراهيم التيميّ، عن أبيه بلفظ: مَا عِنْدَنَا شَيءٌ إلَّا كِتَابُ اللهِ وهَذِهِ «الصَّحِيفَةُ» عَنِ النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ.
المَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَائِرٍ إلَى كَذَا. مَنْ أحْدَثَ فِيهَا حَدَثاً، أوْ آوَى مُحْدِثاً، فَعَلَيْهِ لَعْنُةُ اللهِ والمَلَائِكَةِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ ولَا عَدْلٌ.
وَقَالَ: ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ واحِدَةٌ؛ فَمَنْ أخْفَرَ مُسْلِماً فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ والمَلَائِكَةِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ ولَا عَدْلٌ.
وفي باب ذمّة المسلمين من كتاب الجزية بلفظ: خَطَبَنَا عَلِيّ فَقَالَ: مَا عِنْدَنَا كِتَابٌ نَقْرَأهُ إلَّا كِتَابُ اللهِ ومَا في هَذِهِ «الصَّحِيفَةِ». قَالُوا: ومَا في هَذِهِ «الصَّحِيفَة»؟!
فَقَالَ: فِيهَا الجِرَاحَاتُ، وأسْنَانُ الإبِلِ، والمَدِينَةُ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إلَى كَذَا. فَمَنْ أحْدَثَ فِيهَا حَدَثاً أوْ آوَى مُحْدِثاً فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ والمَلائِكَةِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ ولَا عَدْلٌ.
وَمَن تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ مِثْلُ ذَلِكَ. وذِمَّةُ المُسْلِمِينَ واحِدَةٌ، فَمَنْ أخْفَرَ مُسْلِماً فَعَلَيْهِ مِثْلُ ذَلِكَ.
وفي باب إثْمُ مَنْ عَاهَدَ ثُمَّ غَدَرَ بلفظ: عَنْ عَلِيّ قَالَ: مَا كَتبْنَا عَنِ النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ إلَّا القُرْآنَ ومَا في هَذِهِ «الصَّحِيفَةِ»: قَالَ النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ: المَدِينَةُ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عَائِرٍ إلَى كَذَا، فَمَنْ أحْدَثَ حَدَثاً أوْ آوَى مُحْدِثاً فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ والمَلَائِكَةِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ ولَا عَدْلٌ.
وَذِمَّةُ المُسْلِمِينَ واحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أدْنَاهُمْ. فَمَنْ أخْفَرَ مُسْلِماً فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ والمَلَائِكَةِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ ولَا عَدْلٌ. ومَن والَى قَوْماً بِغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ والمَلَائِكَةِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ ولَا عَدْلٌ.
وفي باب إثْمُ مَن تَبَرَّأ مِنْ مَوالِيهِ بلفظ: مَا عِنْدَنَا كِتَابٌ نَقْرَأهُ إلَّا كِتَابُ اللهِ وغَيْرُ هَذِهِ «الصَّحِيفَة»؛ وأخْرَجَهَا فَإذا فِيهَا أشْيَاءُ مِنَ الجِرَاحَاتِ، وأسْنَانِ الإبِلِ. وفِيهَا: المَدِينَةُ حَرَامٌ... إلى آخره. وذكر مسألة الولاء فمسألة الذمّة بمثل ما تقدّم.
وفي باب كراهة التعمّق والتنازع والغلوّ في الدين من كتاب الاعتصام بلفظ: خَطَبَنَا عَلِيّ عَلَى مِنْبَرٍ مِنْ آجُرٍ فَقَالَ: واللهِ مَا عِنْدَنَا مِنْ كِتَابٍ يُقْرَا إلَّا كِتَابُ اللهِ ومَا في هَذِهِ «الصَّحِيفَةِ»، فَنَشَرَهَا فَإذا فِيهَا: أسْنَانُ الإبِلِ؛ وإذا فِيهَا المَدِينَةُ حَرَمٌ مِنْ عَيْرٌ إلَى كَذَا، فَمَنْ أحْدَثَ فِيهَا حَدَثاً فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ... وذِمَّةُ المُسْلِمِينَ واحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أدْنَاهُمْ فَمَنْ أخْفَرَ فَعَلَيْهِ... وَإذا فِيهَا: مَنْ والَى قَوْماً بِغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ .... (إلَّا أنَّهُ قَالَ): لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفاً ولَا عَدْلًا.
هذه روايات البخاريّ (صاحب «الصحيح» في هذا المجال).
ثمّ قال الشيخ محمود أبو ريّة: وروايات مسلم وأصحاب السُّنن بمعنى روايات البخاريّ. وصرّح مسلم بِحَدَّي المدينة، وهما: عير وثور (جبلان).
وقال الحافظ ابن حجر في الكلام على حديث عليّ رضي الله عنه من طريق إبراهيم التيميّ، عن أبيه: إنّ «الصحيفة» كانت مشتملة على كلّ ما ورد. أي: فكان يذكر كلّ راوٍ منها شيئاً، إمّا لاقتضاء الحال ذكره دون غيره، وإمّا لأنّ بعضهم لم يحفظ كلّ ما فيها، أو لم يسمعه؛ ولا شكّ أنّهم نقلوا ما نقلوه بالمعنى دون التزام اللفظ كلّه، ولذلك وقع الخلاف في ألفاظهم؛ ولم يقل الرواة: «إنّه قرأها عليهم» برمّتها فحفظوها أو كتبوها عنه، بل تدلّ ألفاظهم على أنّه كان يذكر ما فيها أو بعضه من حفظه، ومن قرأها لهم كلّها أو بعضها لم يكتبوها، بل حدّثوا بما حفظوا.
ومنه ما هو من لفظ الرسول صلى الله عليه وآله، ومنه ما هو إجمال للمعنى كقوله: «العقل، وفكاك الأسير»، فإنّ المراد بالعقل دية القتل. وسمّيت عقل لأنّ الأصل فيها أن تكون إبلًا تُعقَلُ، أي: تربط بالعقل في فناء دار المقتول أو عصبته المستحقّين لها. وقوله: «أسنان الإبل» في بعض الروايات، معناه ما يشترط في أسنان إبل الدية أو الصدقة... إلى آخره.
وجمله القول: إنّنا لا نعلم أنّ أحداً كَتَب عن أمير المؤمنين ما كان في تلك «الصحيفة» بنصّه، ولا أنّه هو كتبها بأمر النبيّ صلى الله عليه وآله، لأنّه قال في رواية قتادة عن أبي حسان: إنّه سمع شيئاً فكتبه.
وإذا كان لنا من كلمة نعلّق بها على أمر هذه «الصحيفة» المنسوبة إلى عليّ رضي الله عنه، وما جاء فيها من روايات مختلفة في كتب الحديث، فهي أنّنا لا نطمئنّ إلى ما جاء فيها من روايات مهما كان رواتها. وحسبك أن تجد ابن حجر قد قال في هذه الروايات ما قال.
ومردّ شكّنا إلى أنّ عليّاً رضي الله عنه إذا كان قد أراد أن يكتب عن رسول الله ما يراه نافعاً للدين وللمسلمين، فلا تكفيه مثل هذه «الصحيفة» التي كان يضعها كما يقولون في قراب سيفه؛ وإنّما كان يكتب آلاف الأحاديث في جميع ما يهمّ المسلمين، وهو صادقٌ في كلّ ما يكتب إذا أراد.
على أنّنا قد أفدنا من أخبار هذه «الصحيفة» فائدة كبيرة، إذ أثبتت لنا كيف تفعل الرواية بالمعنى فعلها، وأنّها كانت ضرراً على الدين وعلى اللغة والأدب، كما سنبيّنه قريباً إن شاء الله.[83]
إنّنا نهدف من وراء ذكر هذه الأحاديث الكثيرة التي نقلها هذا العالم السنّيّ الواعي من «صحيح البخاريّ» إلى بيان نقطة مهمّة، وهي: أنّ أصل تحقّق هذه «الصحيفة»، بناء على ما رواه المخالفون من الأحاديث الكثيرة، سندٌ للشيعة في كتابة وتدوين أمير المؤمنين عليه السلام. وأمّا قدحه بالنحو الملحوظ، فلا وجه له، لأنّ كلّ راوٍ ذكر طرفاً منه. وكان هذا في مسائل حدود الديات والجراحات ونظائرها. وأمّا جميع المسائل في الشؤون المهمّة المختلفة فقد كانت في كتاب «الجامعة» الذي مرّ شرحه وتفصيله. كما صرّح به أبو ريّة نفسه في قوله: إنّ الشيعة يقولون: إنّ أوّل من جمع الحديث ورتّبه على الأبواب أبو رافع مولى رسول الله.[84] وله كتاب «السُّنن والأحكام والقضايا». وقالوا: فلا أقدم منه في ترتيب الحديث وجمعه في الأبواب.[85]
وقال العالم الكبير محمّد الحسين آل كاشف الغطاء النجفيّ في كتاب «المطالعات والمراجعات والردود»:[86] إنّ أوّل من دوّن الحديث ابن أبي رافع كاتب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، خازنه على بيت المال، بل الحقّ أنّ أوّل من دوّنه هو نفس أمير المؤمنين عليه السلام كما يدلّ عليه خبر «الصحيفة» في الصحيحين (صحيح البخاريّ ومسلم).[87]
ومن كلام أبو ريّة على صحيفة أمير المؤمنين عليه السلام مطلب نقله عن السيّد رشيد رضا. قال: نَخْتِمُ هَذَا الموْضُوعَ بِكَلِمَةٍ قَيِّمَةٍ لِلْعَلَامَةِ السَّيِّدِ رَشِيدِ رِضَا رَحِمَهُ اللهُ: إن بعض أحاديث الآحاد تكون حجّة على من تثبت عنده واطمأنّ قلبه بها، ولا تكون حجّة على غيره يلزم العمل بها. ولذلك لم يكن الصحابة يكتبون جميع ما سمعوا من الأحاديث ويدعون إليها؛ مع دعوتهم إلى اتّباع القرآن والعمل به وبالسُنّة العمليّة المتّبعة المبيّنة له إلّا قليلًا من بيان السنّة كـ «صحيفة عليّ رضي الله عنه» المشتملة على بعض الأحكام كالدية، وفكاك الأسير، وتحريم المدينة كمكّة ... إلى آخره.[88]
أجل، لأبي ريّة الحقّ، لأنّه أخرج هذه الأحاديث من مصادر العامّة كالبخاريّ ومسلم؛ وبلغ عنادهم في حذف حديث أمير المؤمنين عليه السلام، أو بتره، أو تحريفه، أو إسقاطه درجة صار معهاً غير خافٍ على أحدٍ، بل لا يخفى على كثير من علماء السنّة المنصفين.
ولو راجع أبو ريّة كُتُب الشيعة في هذا المجال، لكان الأمر واضحاً كالشَّمْسِ في السَّمَاءِ الضَّاحِيَةِ. ولأقرّ بهذه الحقيقة. كما روى رئيس المحدِّثين صاحب دائرة المعارف الشيعيّة الكبرى، أعني جَدُّنَا الأعلى من جانب امِّ الوالِد: محمّد باقر المجلسيّ قدّس سرّه في كتاب «بحار الأنوار»، عن كتاب «بصائر الدرجات»، عن محمّد بن الحسين، عن جعفر بن بشير، عن محمّد بن الفضيل، عن بكر بن كَرَب الصَّيرفيّ قال: سمعتُ أبا عبد الله (الإمام الصادق) عليه السلام يقول: مَا لَهُمْ ولَكُمْ؟ ومَا يُريدُونَ مِنْكُمْ ومَا يَعِيُبونَكُمْ؟! يَقُولُونَ: الرَّافِضَةُ! نَعَمْ واللهِ رَفَضْتُمْ الكَذِبِ واتَّبَعْتُمُ الحَقَّ.
أمَا واللهِ إنَّ عِنْدَنَا مَا لَا نَحْتَاجُ إلَى أحَدٍ، والنَّاسُ يَحْتَاجُونَ إلَيْنَا. إنَّ عِنْدَنَا الكِتَابَ بِإمْلَاءِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وخَطِّ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِيَدِهِ، صَحِيفَةٌ طُولُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً، فِيهَا كُلُّ حَلَالٍ وحَرَامٍ.[89]
وفي «بصائر الدرجات» أيضاً بسنده المتّصل عن أبي أراكة أنّه قال: كنّا مع عليّ عليه السلام بمسكن فحدّثنا أنّ عليّاً عليه السلام ورث من رسول الله صلى الله عليه وآله السيف، وبعض يقول: البغلة، وبعض يقول: ورث صحيفة في حمائل السيف، إذ خرج عليّ عليه السلام ونحن في حديثه، فقال: وأيْمُ اللهِ لَوْ انْشَطُ ويُؤْذَنُ لَحَدَّثْتُكُمْ حتى يَحُولَ الحَوْلُ لَا اعِيدُ حَرْفاً.
وَأيْمُ اللهِ إنَّ عِنْدِي لَصُحُفاً كَثِيرَةً قَطَائِعُ[90] رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ، وإنَّ فِيهَا لَصَحِيفَةً يُقَالُ لَهَا: العِيطَةُ[91]، ومَا وَرَدَ عَلَى العَرَبِ أشَدَّ عَلَيْهِمْ مِنْهَا، وإنَّ فِيهَا لَسِتِّينَ قَبِيلَةً مِنَ العَرَبِ بَهْرَجَةً مَا لَهَا في دِينِ اللهِ مِنْ نَصِيبٍ.
ونقل المجلسيّ في بيانه عن «القاموس» قائلًا: البهرج: الباطل الرديء. والبهرجة أن يعدل بالشيء عن الجادّة القاصدة إلى غيرها. والمُبهرج من المياه: المهمل الذي لا يمنع عنه. ومن الدماء: المهدر[92].
4- «صَحِيفَةُ الفَرِائِضِ» أو «صَحِيفَةُ كِتَابِ الفَرَائِضِ» أو «فرائضُ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ»
روى المجلسيّ رضي الله عنه في «بحار الأنوار» عن «بصائر الدرجات»، عن محمّد بن الحسين، عن جعفر بن بشير، عن الحسين، عن أبي مخلّد، عن عبد الملك قال: دَعَا أبُو جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِكِتَابِ عَلِيّ فَجَاءَ بِهِ جَعْفَرٌ مِثْلَ فَخِذِ الرَّجُلِ مَطْوِيّ، فَإذَا فِيهِ: إنَّ النِّسَاءَ لَيْسَ لَهُنَّ مِنْ عِقَارِ الرَّجُلِ إذا هُوَ تُوُفِّيَ عَنْهَا شَيءٌ. فَقَالَ أبُو جَعْفرٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: هَذَا واللهِ خَطُّ عَلِيّ بِيَدِهِ وإمْلَاءُ رَسُولِ اللهِ![93]
قال آية الله السيّد محسن الأمين العامليّ: «صحيفة الفرائض» أو «صحيفة كتاب الفرائض» أو فرائض عليّ عليه السلام كما وقع التعبير بذلك كلّه عنها في الأخبار. ويحتمل أن تكون هي المراد بكتاب عليّ الوارد في بعض الأخبار؛ ويحتمل غيره. وهذه أيضاً كانت عند الأئمّة عليهم السلام ورآها عندهم ثقات أصحابهم. ونُقِلَ كثير من محتوياتها في كتب الشيعة برواية الثقات عن الثقات إلى اليوم.
فكانت عند الباقر عليه السلام. روى الشيخ أبو جعفر محمّد بن يعقوب الكلينيّ في «الكافي» عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن حديد، عن جميل بن دُرَّاج، عن زرارة قال: أمر أبو جعفر أبا عبد الله فأقرأني «صحيفة الفرائض» فرأيتُ جلّ ما فيها على أربعة أسهم.
وروى الكلينيّ أيضاً عن أبي عليّ الأشعريّ، عن عمر بن اذينة، عن محمّد بن مسلم قال: أقْرَأنِي أبُو جَعْفَرٍ «صَحِيفَةَ كِتَابِ الفَرَائِضِ» التي هي إمْلَاءُ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وخَطُّ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِيَدِهِ وإذا فِيهَا: إنَّ السِّهَامَ لَا تَعُولُ.
ورواها الصدوق محمّد بن عليّ بن بابويه بإسناده. وروى الكلينيّ هذا المضمون بسندين آخرين. وكذلك رواه الشيخ أبو جعفر الطوسيّ بسند آخر.
وكانت بعد الإمام الباقر عند ولده الإمام جعفر الصادق عليهما السلام.
وروى الشيخ أبو جعفر الطوسيّ بإسناده عن عليّ بن الحسن بن فضّال، عن عليّ بن أسباط، عن محمّد بن عمران، عن زرارة قال: أرانِي أبُو عَبْدِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ «صَحِيفَةَ الفَرَائِضِ» فَإذَا فِيهَا (الحديث).
والظاهر أنّها هي «الصحيفة» التي كانت عند الباقر عليه السلام.
روى الكلينيّ عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيّوب، عن محمّد بن مسلم قال: نَشَرَ أبُو جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَحِيفَةً فَأوَّلُ مَا تَلَقَّانِي فِيهَا: ابْنُ أخٍ وجَدٍّ المَالُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ (إلى أن قال) فَقَالَ: إنَّ هَذَا بِخَطِّ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وإمْلَاءِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ.
ورواها الكلينيّ بسند آخر. وقال في آخرها: فَقَالَ أبُو جَعْفَر: أمَا إنَّهُ إمْلَاءُ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنْ فِيهِ وخَطُّ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِيَدِهِ!
وروى الصفّار في «بصائر الدرجات» بسنده عن سليمان بن خالد، عن الصادق عليه السلام (إلى أن قال:) فَلْيُخْرِجُوا قَضَايا عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وفَرَائِضَهُ إنْ كَانُوا صَادِقِينَ (الحديث).
والظاهر أنّ المراد بنو الحسن عليه السلام؛ والمراد بالقضايا إمّا قضاياه في الفرائض والمواريث أو مطلق قضاياه، فتكون قد دوّنت في ذلك الزمان ووجدت عند آله عليهم السلام.[94]
5- «كتاب السِّتِّين»
ذكر آية الله السيّد محسن الأمين العامليّ رضي الله عنه كتاباً أملى فيه أمير المومنين عليه السلام ستّين نوعاً من أنواع علوم القرآن؛ وذكر لكلّ نوع مثالًا يخصّه. وهو الأصل لكلّ مَن كتب في أنواع علوم القرآن.
وهذا الكتاب أورده المجلسيّ في بحاره نقلًا عن أبي عبد الله محمّد بن إبراهيم بن جعفر النعمانيّ في تفسيره للقرآن، ورواه النعمانيّ عن الحافظ ابن عقدة بسنده المتّصل إلى الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام أنّه نسبه إلى أمير المؤمنين عليه السلام. ويبلغ ثلاث عشرة ورقة إلّا ربع بالقطع الكامل كلّ صفحة منها 27 سطراً، كلّ سطر 23 كلمة.
وأشار إلى هذا الكتاب الرافعيّ في كتابه «إعجاز القرآن» فقال: وتزعم الشيعة أنّ عليّاً أملى ستّين نوعاً من أنواع علوم القرآن. وذكر لكلّ نوع منها مثالًا يخصّه. وأنّ ذلك في كتاب يروونه عنه من طرق عدّة، وهو في أيديهم إلى اليوم. وذلك وإن كان قريباً فيما يعطيه ظاهره غَيْرَ أنَّهُ بِالحِيلَةِ عَلَى تَقْرِيبِهِ صَارَ أبْعَدَ مِنْهَا وأمْحَضَ في الزَّعْمِ- انتهى.
ونخاله يُشير بذلك إلى ما في كتاب «الشيعة وفنون الإسلام» المذكور فيه هذه العبارة في موضعين، ولكن نفسه لم تطاوعه على الاعتراف بهذا الكتاب والإذعان بأنّ عليّاً عليه السلام باب مدينة علم المصطفى صلى الله عليه وآله أملى ستّين نوعاً من أنواع علوم القرآن في كتاب ترويه الشيعة بأسانيدها وهو في أيديها إلى اليوم، وجعل ذلك حيلة على تقريبه من الحقيقة.
يَا سُبْحَانَ اللهِ! كيف يمكن أن يصدر مثل هذا الكتاب من أمير المؤمنين وسيّد العلماء والموحّدين ووارث علوم خير النبيّين صلى الله عليه وآله، ومَن قال في حقّه رسول الله صلى الله عليه وآله: أنَا مَدِينَةُ العِلْمِ وعَلِيّ بَابُهَا؟!
وكيف يمكن أن يصدّق به الرافعيّ ورواته من الشيعة وهو بأيديهم، بل هو بالحيلة على تقريبه من الحقيقة صار أبعد منها؟!
لا يصدّق الرافعيّ بهذا ويقول في حاشية كتابه المذكور: إنّ لبعض المحقّقين من مشايخ الصوفيّة دقائق في التفسير لا تتّفق لغيرهم لسموّ أرواحهم ونور بواطنهم، ومنهم كان الإمام السلطان الحنفيّ صاحب المقام المشهور في القاهرة. سمعه يوماً شيخ الإسلام البلقينيّ يفسِّر آية، فقال: لقد طالعتُ أربعين تفسيراً فما وجدت فيها شيئاً من تلك الدقائق- انتهى.
وحكى الرافعيّ في حاشية كتابه المذكور عن بعض العلماء أنّه استخرج من القرآن الكريم أنّ قوله تعالى: ألَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا،[95] إشارة إلى التصوير الشمسيّ.
وأنّ قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وهِيَ دُخانٌ،[96] إشارة إلى أنّ مادّة الكون هي الأثير.
وأنّ قوله تعالى في السماوات والأرض: كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما،[97] إشارة إلى أنّ الأرض انفتقت من النظام الشمسيّ.
وأنّ قوله تعالى: وجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ،[98] إشارة إلى أنّ للجمادات حياة قائمة بماء التبلور.
وأنّ قوله تعالى: فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى،[99] دالّ على تلاقح النبات، إلى غير ذلك.
وهذا ليس ببعيد عمّا حواه القرآن من العلوم. وإن فيه تبيان كل شيء.[100] ولكن مَن يصدّق بذلك كيف يعظم عليه أن يصدّق بأنّ عليّاً أمير المؤمنين عليه السلام أملى ستّين نوعاً من علوم القرآن؟
وقال آية الله الأمين العامليّ هنا: وقد رأينا من المناسب أن نذكر هنا سندنا إلى هذا الكتاب الذي نرويه به إجازة عن مشايخنا، المتّصل إلى أهل بيت النبوّة عليهم السلام، ثمّ قال: لنا عدّة طرق إلى ابن عقدة راوي هذا الكتاب بسنده إلى الإمام جعفر الصادق عليه السلام الذي أسنده إلى أمير المؤمنين عليه السلام. نذكر منها هنا طريقاً واحداً لاتّصال السند به.
ويروي المرحوم الأمين هنا بسلسلة سنده المتّصل إلى ابن عقدة، وعنه إلى إسماعيل بن جابر، عن الإمام الصادق عليه السلام. ويذكر بالتفصيل أسماء العلماء الواردة في سلسلة الرواية معنعناً؛ إلى أن يصل إلى قول الصادق أبي عبد الله جعفر بن محمّد عليهما السلام: إنَّ اللهَ تَبَارَكَ وتعالى بَعَثَ مَحمَّد صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ فَخَتَمَ بِهِ الأنْبِيَاءَ فَلَا نَبِيّ بَعْدَهُ، وأنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَاباً فَخَتَمَ بِهِ الكُتُبَ فَلَا كِتَابَ بَعْدَهُ. أحَلّ فِيهِ حَلَالًا وحَرَّمَ حَرَاماً. فَحَلَالُهُ حَلَالٌ إلَى يَوْمِ القيَامَةِ، وحَرَامُهُ حَرَامٌ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ.
ويذكر المرحوم الأمين هنا جميع الأنواع الستّين بإيجاز بعضها حسب ألفاظ الرواية. ثمّ يورد بعد ذلك الآيات الخاصّة بالناسخ والمنسوخ، المبيَّنة في هذه الرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام. ومن ذلك حكم زنا المرأة في الجاهليّة حيث كانت تُحبس حتى يأتيها الموت، وزنا الرجل حيث كان يُشتَم ويؤذَي ويُعَيَّر ويُنفي عن المجالس. ونُسخ ذلك بآية إقامة حدّ الزنا على الرجل والمرأة في القرآن الكريم.
ومن ذلك العدّة كانت في الجاهليّة على المرأة سنة كاملة، ثمّ نُسخت بالآية التي جعلتها أربعة أشهر وعشرة أيّام.
ومن ذلك حكم مداراة المشركين وتحمُّل أذاهم، ثمّ نُسخ بآيات الجهاد.
ومن ذلك فرض القتال على المسلمين، إذ جُعل على الرجل الواحد منهم أن يقاتل عشرة من المشركين. ثمّ نُسخ ذلك بآية فرض القتال إذا كان واحد من المسلمين فإنّه يقاتل اثنين من الكافرين.
ومن ذلك حكم الإرث بين المسلمين على أساس الاخوّة في الدين، ونسخ ذلك بحكمه على أساس القرابة والرحم.
ومن ذلك آيات وجوب الصلاة إلى البيت الحرام، حيث نَسَخَتْ آيات وجوبها إلى بيت المقدس. ومنه آيات القصاص التي نسخت حكم التوراة. ومنه نسخ الأحكام الشاقّة التي كانت على بني إسرائيل. ومنه نسخ الحكم بوجوب الامتناع عن مباشرة النساء والأكل والشرب في ليالي شهر رمضان المبارك بالآية التي تبيح الأكل والشرب ومباشرة النساء فيها حتى طلوع الفجر الصادق.
وكثير من الآيات المنسوخة بأحكام قرآنيّة جديدة.
ثمّ ذكر أمثلة من المحكم والمتشابه؛ وأمثلة من الآيات التي ظاهرها العموم، ومعناها الخصوص؛ والآيات التي ظاهرها الخصوص ومعناها العموم؛ والآيات التي لفظها ماضٍ ومعناها مستقبل؛ وآيات العزائم والرخص، والاحتجاج على الملحدين، والردّ على عَبدَة الأصنام، والثنويّة، والزنادقة، والدهريّة، والنصارى، وغير ذلك ممّا فصّله صاحب كتاب «أعيان الشيعة». وهو يحتوي على موضوعات رائعة مركّزة. بَيدَ أنّا اكتفينا بذكر اصولها هنا مراعاة للإيجاز.[101]
6- كتاب الإمام عليه السلام إلى مالك الأشتر ومحمّد ابن الحنفيّة
هذان الكتابان المقطوع صدورهما عن الإمام، وأوّلهما في «نهج البلاغة»، والثاني ذكره صاحب «أعيان الشيعة» في ترجمة الأصبغ بن نُباتة، وسائر كتب الإمام الموجودة في «نهج البلاغة»، وغيره يمكن أن نعدّها بمجموعها من مدوّنات الإمام ومصنّفاته، ذلك أنّها رسائل خطّها يراعه المبارك.
وقد أحصى المرحوم الأمين هذه كلّها، وبعض الكتب التي دوّنها الإسلام في الفقه، كلًّا على حدة، فبلغت مع «مصحف فاطمة» اثني عشر أثراً. ولكنّا راعينا الإيجاز هنا فاجتزأنا بهذا المقدار بسبب إدغام بعضها في بعض، وعدم ذكر البعض.
7- «مصحف فاطمة عليها السلام»
أو «كتاب فاطمة»
الذي هو من الكتب المعتبرة الموثوقة التي كتبها الإمام نفسه آخر كتبه المدوّنة المصنّفة في العدّ والإحصاء، بِحَوْلِهِ وقوّته ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم.
ونقل المجلسيّ في «بحار الأنوار» روايات كثيرة عن «بصائر الدرجات» تذكر أنّ للإمام كتاباً عنوانه «مصحف فاطمة»، وكان بخطّه عليه السلام؛ وجاء في كثير من هذه الأخبار أنّ هذا «المصحف» ليس فيه شيء من القرآن.
منها أنّه روى عنه، عن عبّاد بن سليمان، عن سعد، عن عليّ بن أبي حمزة. عن العبد الصالح عليه السلام أنّه قال: عِنْدِي «مُصْحَفُ فَاطِمَة» لَيْسَ فِيهِ شَيءٌ مِنَ القُرْآنِ.[102]
وفي بعضها: أنّه كلام جبرئيل عليه السلام وكان أمير المؤمنين عليه السلام يكتبه؛ كما في رواية «البصائر» عن الإمام الصادق عليه السلام، ومنها: قَالَ لَهُ: فَمُصْحَف فَاطِمَةَ؟! فَسَكَتَ طَويلًا ثُمَّ قَالَ: إنَّكُمْ لَتَبْحَثُونَ عَمَّا تُرِيدُونَ وعَمَّا لَا تُرِيدُونَ! إنَّ فَاطِمَةَ مَكَثَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ خَمْسَةً وسَبْعِينَ يَوْماً، وقَدْ كَانَ دَخَلَهَا حُزْنٌ شَدِيدٌ عَلَى أبِيهَا، وكَانَ جَبْرَئِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَأتِيهَا فَيُحْسِنُ عَزَاءَهَا عَلَى أبِيهَا ويُطَيِّبُ نَفْسَهَا ويُخْبِرُهَا عَنْ أبِيهَا ومَكَانِهِ ويُخْبِرُهَا بِمَا يَكُونُ بَعْدَهَا في ذُرِّيَّتِهَا، وكَانَ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَكْتُبُ ذَلِكَ. فَهَذَا مُصْحَفُ فَاطِمَةَ عَلَيْهِا السَّلَامُ.[103]
وفي بعضها: أنّ الله تعالى كان يرسل إليها ملكاً وأمير المؤمنين عليه السلام يكتب. كما في رواية المجلسيّ عن «بصائر الدرجات»، عن أحمد بن محمّد، عن عمران بن عبد العزيز، عن حمّاد بن عثمان أنّه قال: سمعتُ أبا عبد الله عليه السلام يقول:
تَظْهَرُ الزَّنَادِقَةُ سَنَةَ ثَمَانِيَةٍ وعِشْرِينَ ومِائَةٍ وذَلِكَ لأنِّي نَظَرْتُ في مُصْحَفِ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ. قَالَ: فَقُلْتُ: ومَا «مُصْحَفُ فَاطِمَة»؟!
فَقَالَ: إنَّ اللهَ تَبَارَكَ وتعالى لَمَّا قَبَضَ نَبِيَّهُ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ مِنْ وَفَاتِهِ مِنَ الحُزْنِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللهُ عَزَّ وجَلَّ. فَأرْسَلَ إلَيْهَا مَلَكاً يُسَلِّي عَنْهَا ويُحَدِّثُهَا.
فَشَكَتْ ذَلِكَ إلى أمِير المُؤْمنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. فَقَالَ لَهَا: إذا أحْسَسْتِ بِذَلِكَ وسَمِعْتِ الصَّوْتَ قُولِي لي. فَأعْلَمَتَهُ، فَجَعَلَ يَكْتُبُ كُلَّ مَا سَمِعَ حتى أثْبَتَ مِنْ ذَلِكَ مُصْحَفاً.
قَالَ: ثُمَّ قَالَ: أمَا إنَّهُ لَيْسَ مِنَ الحَلَالِ والحَرَامِ، ولَكِنْ فِيهِ عِلْمُ مَا يَكُونُ.
قال المجلسيّ في بيانه: قال في «القاموس»: أحْسَسْتُ وأحْسَيْتُ وأحَسْتُ بسين واحدة، وهو من شواذّ التخفيف: ظَنَنْتُ ووَجَدْتُ وأبْصَرْتُ وعَلِمتُ. والشَّيْءَ: وَجَدْتَ حِسَّهُ.[104]
و في بعضها أنّ ذلك المصحف كلام الله أنزله على فاطمة، وكان رسول الله يمليه، وأمير المؤمنين عليهم الصلاة والسلام أجمعين يكتبه. كما روى ذلك المجلسيّ عن «بصائر الدرجات» بسنده المتّصل عن محمّد بن مسلم أنّه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام لأقوام كانوا يأتونه ويسألونه عمّا خلّف رسول الله صلى الله عليه وآله ودفعه إلى عليّ عليه السلام، وعمّا خلّف عليّ عليه السلام ودفع إلى الحسن عليه السلام: وَلَقَدْ خَلَّفَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ عِنْدَنَا جِلْداً مَا هُوَ جِلْدُ جِمَالٍ ولَا ثَوْرٍ ولَا جِلْدَ بَقَرَةٍ إلَّا إهَابَ شَاةٍ، فِيهَا كُلُّ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ حتى أرْشُ الخَدْشِ والظُّفْرِ.
وَخَلَّفَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلَامُ مُصْحَفاً مَا هُوَ قُرْآنٌ، ولَكِنَّهُ كَلَامٌ مِنْ كَلَامِ اللهِ أنْزَلَهُ عَلَيْهَا، إمْلَاءُ رَسُولِ اللهِ وخَطُّ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
قال المجلسيّ في بيانه: قال الفيروزآباديّ: إهَاب ككتاب: الجلد أو ما لم يُدبغ. والمراد برسول الله جبرئيل عليه السلام.[105]
هذا من جهة المُملي لمصحف فاطمة؛ وأمّا من جهة المتن والمفاد، فقد رأينا في الروايات الواردة أنّه ليس قرآناً، وليس من الحلال والحرام، وإنّما يشتمل على الحوادث والوقائع التي ستحدث في المستقبل. كما أنّ فيه ما يُسلّي سيّدة نساء العالمين ويطيّب نفسها المقدّسة ويخفّف عنها.
كما روى المجلسيّ عن «بصائر الدرجات» بسنده عن الوليد بن صبيح أنّه قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: يَا وَلِيدُ! إنِّي نَظَرْتُ في مُصْحَفِ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ قُبَيْلَ فَلَمْ أجِدْ لِبَنِي فُلَانٍ فِيهَا إلَّا كَغُبَارِ النَّعْلِ.[106]
وقال آية الله السيّد محسن الأمين العامليّ في مصحف فاطمة عليها السلام: تكرّر ذكره في أخبار أهل البيت عليهم السلام. فعن «الإرشاد» و«الاحتجاج» في حديث:
كَانَ الصَّادِقُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ: وإنَّ عِنْدَنَا الجَفْرَ الأحْمَرَ والجَفْرَ الأبْيَضَ ومُصْحَفَ فَاطِمَةَ (إلى أن قال:) وأمَّا مُصْحَفُ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ فَفِيهِ مَا يَكُونُ مِنْ حَادِثٍ وأسْمَاءُ مَنْ يَمْلِكُ إلَى أنْ تَقُومَ السَّاعَةُ (الحديث).
ونقل المرحوم الأمين هنا الأخبار الواردة حول هذا المصحف مفصّلًا، وذلك عن «بصائر الدرجات» وغيره. وذكر في آخرها الروايات الآتية: عن «البصائر» بسنده عن أبي بصير قال: سمعتُ أبا عبد الله عليه السلام يقول: مَا مَاتَ أبُو جَعْفَرٍ البَاقِر عَلَيْهِ السَّلَامُ حتى قَبَضَ مُصْحَفَ فَاطِمَةَ.
وعنه، عن عبد الله بن جعفر، عن موسى بن جعفر، عن الوشّاء، عن أبي حمزة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: مُصْحَفُ فَاطِمَةَ مَا فِيهِ شَيءٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ وإنَّمَا هُوَ شَيءٌ ألْقِيَ عَلَيْهَا بَعْدَ مَوْتَ أبِيهَا صلى اللهُ عَلَيْهِمَا.
ولا يخفى أنّه تكرّر في هذه الأحاديث نفي أن يكون فيه شيء من القرآن مؤكّداً بالقسم. والظاهر أنّه لكون تسميته بمصحف فاطمة يوهم أنّه أحد نُسخ المصاحف الشريفة، فنفي هذا الإيهام.
وجلّها ساكت عمّا حواه ذلك المصحف. وفي بعضها أنّه: لَيْسَ فِيهِ مِنَ الحَلَالِ والحَرَامِ، ولَكِنَّ فِيهِ عِلْمَ مَا يَكُونُ. فهو مفسِّر لها. وفي بعضها: إنَّ فِيهِ وَصِيَّتَها، ولعلّها أحد محتوياته. ثمّ إنّ بعضها دالّ على أنّه من إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وخطّ عليّ عليه السلام. وبعضها دالّ على أنّه ممّا نزل به جبرئيل بعد موت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم. وفي «البحار» أنّ المراد برسول الله هو جبرئيل.
وقال المرحوم الأمين هنا: فيرتفع التنافي، ولكن هذا بعيد ولم تجر عادة أن يُعبّر عن جبرئيل برسول الله، وإن كان من جملة رسل الله. والأولى أن يقال إنّهما مصحفان: أحدهما: من إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، وخطّ عليّ عليه السلام. والآخر: من حديث جبرئيل عليه السلام.
وأنا أقول: ما ضرَّ لو كان مصحفاً واحداً بخطّ عليّ عليه السلام؟ غاية الأمر أنّ مقداراً منه كان بإملاء الرسول الأكرم في حياته، ومقداراً كان من حديث جبرئيل بعد مماته. ويبدو أنّ هذا التقريب أنسب لوجوه معيّنة.
ثمّ قال المرحوم الأمين: لا استبعاد ولا استنكار في أن يحدّث جبرئيل الزهراء عليها السلام، ويسمع ذلك عليّ عليه السلام، ويكتبه في كتاب يطلق عليه «مصحف فاطمة» بعد ما روى ذلك عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام ثقات أصحابهم.
وكأنّي بمن يستنكر ذلك أو يستبعده أو يعدّه غلوّاً، وهذا خارج عن الإنصاف. فهل يشكّ في قدرته تعالى، أو في أنّ البضعة الزهراء أهل لمثل هذه الكرامة، أو في صحّة ذلك، بعد ما رواه الثقات عن أئمّة الهدى من ذرّيّتها؟ وقد وقع من الكرامة العظيمة لآصف بن برخيا وزير سليمان عليه السلام، وهو ليس بأكرم على الله من آل محمّد، ولا سليمان أكرم عليه من محمّد صلى الله عليه وآله وسلّم ما أخبر عنه القرآن الكريم.
وأخبر الكتاب العزيز عن امّ موسى بقوله: وأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ[107] (الآية). وقال ابن خلدون: إنّه روى عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم: إنَّ فِيكُمْ مُحَدَّثِينَ. وروى صاحب «إرشاد الساري» عن بعض الصحابة: كُنْتُ احَدَّثُ حتى اكْتَوَيْتُ.[108]
وأنّه رأى بعض الصالحين الخضر يسدّد عمر بن عبد العزيز ولا يراه سائر الناس كما مرّت الإشارة إلى ذلك كلّه وهو من طريق غير الشيعة.
وروى صاحب «السيرة الحلبيّة» وغيره ما يدلّ على أنّ أهل البيت عليهم السلام جاءتهم التعزية من جبرئيل بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم يسمعون الصوت ولا يرون الشخص. أفلا يرفع هذا استبعاد صدور الكرامات من بَضْعَةِ النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وسَيِّدَة نِسَاءِ العَالَمِينَ، ومِنْ سَائِرِ العِتْرَةِ الطَّاهِرَةِ؟![109]
ونقل شيخ الإسلام إبراهيم بن محمّد بن مؤيّد الحمّوئيّ في كتابه النفيس الثمين رواية تنطبق على ما يحويه مصحف فاطمة سلام الله عليها؛ فلهذا نذكرها فيما يأتي لمناسبة حديثنا عن ذلك المصحف الشريف: قال تحت عنوان: أمْرُ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلِيَّاً بِكِتَابَةِ مَا يُمْلِيهِ عَلَيْهِ ثُمَّ بَيَانِ بَرَكَاتِ الأئمّة مِنْ وُلْدِهِ وأنَّ أوَّلَهُمْ هُوَ الإمَامُ الحَسَنُ وبَعْدَهُ الحُسَيْنُ وأنَّ الأئمّةَ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ وُلْدِهِ: 527- أخبرني السيّد النسّابة جلال الدين عبد الحميد، عن ابنه الإمام شمس الدين شيخ الشرف فخّار بن مَعْد الموسويّ، عن شاذان بن جبرئيل القمّيّ، عن جعفر بن محمّد الدوريستيّ، عن أبيه، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ بن بابويه[110] قال: أنبأنا أبي قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن حَمَّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عُمَر اليمانيّ، عن أبي الطفيل: عَن أبي جعفر عليه السلام قَالَ: قَالَ النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لأمِيرِ المؤُمِنِينَ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: اكْتُبْ مَا امْلِي عَلَيْكَ!
قَالَ: يَا نَبِيّ اللهِ وتَخَافُ عَلَى النِّسْيَانَ؟!
فَقَالَ: لَسْتُ أخَافُ عَلَيْكَ النِّسْيَانَ وقَدْ دَعَوْتُ اللهَ عَزَّ وجلَّ لَكَ أنْ يُحَفِّظَكَ ولَا يُنْسِيَكَ[111] ولَكِنِ اكْتُبْ لِشُرَكَائِكَ!
قَالَ: قُلْتُ: ومَنْ شُرَكَائِي يَا نَبِيّ اللهِ؟!
قَالَ: الأئمَّةُ مِنْ وُلْدِكَ، بهِمْ يُسْقَى امَّتِي الغَيْثَ، وبِهِمْ يُسْتَجَابُ دُعَاؤُهُمْ، وبِهِمْ يَصْرِفُ اللهُ عَنْهُمُ البَلَاءَ، وبِهِمْ تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ مِنَ السَّمَاءِ.
وَهَذَا أوَّلُهُمْ- وأوْمَأ بِيَدِهِ إلَى الحَسَنِ، ثُمَّ أوْمَأ بِيَدِهِ إلَى الحُسَيْنِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ- ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ وآلِهِ السَّلَامُ: الأئمَّةُ مِنْ وُلْدِهِ.[112]
ولمّا كان كتاب «الجامعة» يدور حول أحكام الحلال والحرام غالباً، وكتاب «الجفر» يحوم حول استخراج الوقائع بالرموز الكلّيّة، و«مصحف فاطمة» يشتمل على ذكر الوقائع والحوادث التي ستكون في المستقبل تسلية للسيّدة الزهراء سلام الله عليها، فيمكن أن نخمِّن بأنّ هذه الموضوعات كتبها أمير المؤمنين عليه السلام في مصحف فاطمة عليها السلام بأمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم.
وتحدّث الشيخ محمّد جواد مغنية حول «مصحف فاطمة» مفصّلًا. ونلحظ في حديثه أنّه ممتعض جدّاً من تقوّلات بعض علماء العامّة وافتراءاتهم على الشيعة، واستغلالهم التشابه الاسميّ للمصحف، إذ نسبوا إلى الشيعة قولهم إنّ المراد من «مصحف فاطمة» قرآنٌ غير هذا القرآن المتداول. وأثبت الشيخ أنّ القول بتحريف القرآن ولو في كلمة واحدة أو حرف واحد زيادة كان أو نقصاناً أو تغييراً مدانٌ من قِبَل الشيعة وعلمائهم.
ونجد الشيخ يخاطب في كلامه العالِم السنّيّ المصريّ المعاصر له الشيخ أبو زُهرة بخاصّة، ويدفع تهمه مستدلًّا ومبرهناً. وقال في ختام كلامه الموجّه إليه: بل إنّ أبا زهرة صرّح في كتاب «المذاهب الإسلاميّة» ص 21، بأنّ الخلاف الذي نتج عن الاستنباط كان محمود العاقبة حسن النتيجة. فهل هذا الحسن يختصّ بعلماء طائفة دون اخرى؟
وقال بعد ذلك: وبعد هذه الوقفة القصيرة مع الشيخ أبي زهرة، نعود إلى الحديث عن «مصحف فاطمة»، وقد جاء ذكره في أخبار أهل البيت مع تفسيره، وأنّه كان من إملاء رسول الله على عليّ.
قال الإمام الصادق عليه السلام: عِنْدَنَا «مُصْحَفُ فَاطِمَةَ»، أمَا واللهِ مَا فِيهِ حَرْفٌ مِنَ القُرْآنِ، ولَكِنَّهُ مِن إمْلَاءِ رَسُولِ اللهِ وخَطِّ عَلِيّ.
قال السيّد محسن الأمين في «الأعيان»، القسم الأوّل من ج 1، ص 248: إنّ نفي الإمام الصادق أن يكون فيه شيء من القرآن لكون تسميته بـ «مصحف فاطمة» يوهم أنّه أحد النسخ الشريفة، فنفى هذا الإيهام.
وفي كتاب «الكافي» أنّ المنصور كتب يسأل فقهاء أهل المدينة عن مسألة في الزكاة، فما أجابه عنها إلّا الإمام الصادق. ولمّا سئل من أين أخذ هذا؟ قال: من «كِتاب فاطمة».[113]
إذَن، «مصحف فاطمة» كتاب مستقلّ وليس بقرآن. فنسبة التحريف إلى الإماميّة على أساس قولهم بـ «مصحف فاطمة» جهل وافتراء.
والأولى نسبة هذا القول إلى الذين زعموا بأنّ لعائشة قرآناً، فيه زيادات عن هذا القرآن. قال جلال الدين السيوطيّ في كتاب «الإتقان» ج 2، ص 25، طبعة حجازي بالقاهرة، ما نصّه بالحرف: قَالَتْ حَمِيدَةُ بِنْتُ أبِي يُونُسَ: قَرَأ أبِي وهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً في «مُصحَفِ عَائِشَةَ»: «إنَّ اللهَ ومَلَائِكَتُهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيّ يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا» وعلى الَّذِينَ يُصَلُّونَ الصُّفُوفَ الأولى.[114]
أرأيت كيف يتّهمون غيرهم بما هم به أولى، تماماً كما فعلوا في مسألة الجفر، ومسألة الإيحاء، وغيرها؟!
ومن ثمّ، فإنّ غرضي من هذا الفصل، وما سبق من الفصول أن أثبت بالأرقام أنّه لا شيء عند الإماميّة إلّا ويوجد له أصل عند السنّة تفصيلًا أو إجمالًا، منطوقاً أو مفهوماً، وعليه فلا وجه لطعن أبي زُهرة، ومن تقدّم، أو تأخّر. اللهمّ إلّا التعصّب وتأكيد الانقسام والافتراق.
وهنا قال المرحوم مغنية في الهامش: وقع في يدي كتاب، وأنا احرّر هذا الفصل، وكنت أبحث وافتّش في المكتبات التجاريّة وغيرها عن المصادر، واسم الكتاب «حَرَكَاتُ الشِّيعَةِ المُتَطَرِّفِينَ وأثَرُهُمْ في الحَيَاةِ الاجْتِمَاعِيَّةِ والأدَبِيَّةِ لِمُدُنِ العِرَاقِ إبَّانَ العَصْرِ العَبَّاسِّي الأوَّل» لمحمّد جابر عبد العال، مدير الشؤون الاجتماعيّة بجامعة القاهرة، خبط فيه كاتبه خبط عشواء، وشحنه بالكذب والافتراء، شأنه في ذلك شأن أسلافه الكثيرين، ولكن كلمة حقّ ظهرت على فلتات قلمه، وهو يكتب مقدّمة الكتاب من حيث يريد أو لا يريد، قال: إنَّنَا نَعْلَمُ أنَّ بَيْنَ أهْلِ السُّنَّةِ مَنْ تَعَصَّبَ عَلَى الشِّيعَةِ، وأمْعَنَ في ذَلِكَ إمْعَاناً جَعَلَهُ يَرْمِيهِمْ دُونَ تَثَبُّتٍ بِاتِّهَامَاتٍ يَتَبَيَّنُ لِذِي العَيْنِ البَصِيرَةِ أنَّهَا بَاطِلَةُ، أمْلَاهَا التَّعَصُّبُ والتَّشَاحُنُ المَذْهَبِيّ.[115]
وقال المستشار عبد الحليم الجنديّ أيضاً: ومن التراث العلميّ عند الشيعة ما يسمّى «مصحف فاطمة». حدّثوا عن الصادق، إذ سئل عنه: إنَّ فَاطِمَةَ مَكَثَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ خَمْسَةً وسَبْعِينَ يَوْماً، وكَانَ قَدْ دَخَلَهَا حُزنٌ عَلَى أبِيهَا. وكَان جِبرِئيل يَأتِيَها فَيُحْسِنُ عَزاءَهَا ويُطَيِّبُ نَفْسَهَا. ويُخْبِرُهَا بِمَا يَكُونُ بَعْدَهَا في ذُرِّيَّتَهَا. وكَانَ عَلِيّ يَكْتُبُ ذَلِكَ. فَهَذَا «مُصْحَفُ فَاطِمَةَ»!
فليس هذا مصحفاً بالمعنى الخاصّ بكتاب الله تعالى وإنّما هو أحد المدوّنات.[116]
وليعلم أنّ مصحف فاطمة عليها السلام غير لوح فاطمة عليها السلام. ف- «لوح فاطمة» لم يكن بإملاء رسول الله وخطّ أمير المؤمنين عليهما الصلاة والسلام، بل كان لوحاً زمرّداً نزل من السماء وفيه أسماء الأئمّة الطاهرين عليهم السلام ومواصفاتهم.
وورد ذكره مفصّلًا في «فرائد السمطين» كالآتي: في حديث اللوح الذي كتب الله فيه- أو أمر بعض كرام الكاتبين بأن يكتب فيه- أسماء أوصياء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم. ثمّ أهداه إلى نبيّه فأهداه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم إلى امّ الأوصياء صلوات الله عليها.
432- أنبأني المشايخ الكرام: السيّد الإمام جمال الدين رضي الإسلام أحمد بن طاووس الحسنيّ، والسيّد الإمام النسّابة جلال الدين عبد الحميد بن فخّار بن مَعْد بن فخّار الموسويّ، وعلّامة زمانه نجم الدين أبو القاسم جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد الحلّيّون رحمهم الله كتابةً عن السيّد الإمام شمس الدين شيخ الشرف فخّار بن معد بن فخّار الموسويّ، عن شاذان بن جبرئيل القمّيّ، عن جعفر بن محمّد الدوريستيّ، عن أبيه، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّيّ[117] رضي الله عنهم، قال: حدّثني أبي ومحمّد بن الحسن رضي الله عنهما، قالا: حدّثنا سعد بن عبد الله وعبد الله بن جعفر الحميريّ جميعاً عن أبي الخير[118] صالح بن أبي حمّاد والحسن بن طريف جميعاً، عن بكر بن صالح.
وحدّثنا أبي ومحمّد بن موسى بن المتوكّل ومحمّد بن عليّ ماجيلويه وأحمد بن عليّ بن ماجيلويه وأحمد بن عليّ بن إبراهيم، والحسن بن إبراهيم بن ناتانة[119] وأحمد بن زياد الهمدانيّ رضي الله عنهم. قالوا: حدّثنا عليّ بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن بكر بن صالح، عن عبد الرحمن بن سالم، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أبي عليه السلام لجابر بن عبد الله الأنصاريّ: إنّ لي إليك حاجة فمتى يخفّ عليك أن أخلو بك فأسألك عنها؟! فقال له جابر: في أيّ الأوقات شئتَ، فخلا به أبي عليه السلام فقال له: يَا جَابِرُ! أخْبِرْنِي عَنِ اللَّوْحِ الذي رَأيْتَهُ في يَدَيْ امِّي فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ومَا أخْبَرَتْكَ بِهِ أنَّ في ذَلِكَ اللَّوْحِ مَكْتُوباً!
قال جابر: أشهد بالله أنّي دخلتُ على امّك فاطمة في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم اهنّئها بولادة الحسين، فرأيتُ في يدها لوحاً أخضر ظننتُ أنّه زمرّد، ورأيتُ فيه كتاباً أبيض شبه نور الشمس، فقلتُ لها: بأبي وامّي يا بنت رسول الله، ما هذا اللوح؟! فقالت: هذا اللوح أهداه الله جلّ جلاله إلى رسوله صلى الله عليه وآله فيه اسم أبي، واسم بَعْلِي، واسم ابنَيّ، وأسماء الأوصياء من ولدي. فأعطانيه أبي ليبشّرني بذلك.[120]
قال جابر: فأعطتنيه امّك فاطمة فقرأته وانتسخته. فقال له أبي: فهل لك يا جابر أن تعرضه علَيّ؟! قال: نعم. فمشى معه أبي حتى انتهى إلى منزل جابر، وأخرج إلى أبي صحيفة من رَقّ.
فقال له أبي: يَا جَابِرُ! انْظُرْ إلَى كِتَابِكَ لأقْرَأ عَلَيْكَ! فَنَظَرَ جَابِرٌ في نُسْخَتِهِ، فَقَرأهُ أبِي، فَمَا خَالَفَ حَرْفٌ حَرْفاً.[121] فَقَالَ: قَالَ جَابِرٌ: فَأشْهَدُ بِاللهِ أنِّي رَأيْتُهُ هَكَذَا في اللَّوْحِ مَكْتُوباً: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. هَذَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ لِمُحَمَّدٍ نُورِهِ وسَفِيرِهِ وحِجَابِهِ ودَلِيلِهِ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينِ مِنْ عِنْدِ رَبِّ العَالَمِينَ.
عَظِّمْ يَا مُحَمَّدُ أسْمَائِي، واشْكُرْ نَعْمَائِي، ولَا تَجْحَدْ آلَائِي، فَإنِّي أنَا اللهُ لَا إلَهَ إلَّا أنَا، قَاصِمُ الجَبَّارِينَ، ومُذِلُّ الظَّالِمِينَ وَمُبِيرُ المتكَبِّرِينَ ودَيَّانُ الدِّينِ.
إنِّي أنَا اللهُ لَا إلَهَ إلَّا أنَا، فَمَنْ رَجَا غَيْرَ فَضْلِي أوخَافَ غَيْرَ عَدْلِي عَذَّبْتُهُ عَذَاباً لَا اعَذِّبْهُ أحَداً مِنَ العَالَمِينَ. فَإيَّايَ فَاعْبُدْ، وعَلَيّ فَتَوكَّلْ، إنِّي لَمْ أبْعَثْ نَبِيَّاً فَأكْمَلْتُ أيَّامَهُ وانْقَضَتْ مُدَّتُهُ إلَّا جَعَلْتُ لَهُ وَصِيّاً! وَإنِّي فَضَّلْتُكَ عَلَى الأنْبِيَاءِ، وفَضَّلْتُ وَصِيَّكَ عَلَى الأوْصِيَاءِ، وأكْرَمْتُكَ بِشِبْلَيْكَ بَعْدَهُ وسِبْطَيْكَ حَسَنٍ وحُسَيْنٍ! فَجَعَلْتُ حَسَناً مَعْدِنَ عِلْمِي بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ أبِيهِ. وَجَعَلْتُ حُسْيناً خَازِنَ وَحْيِي وأكْرَمْتُهُ بِالشَّهَادَةِ، وخَتَمْتُ لَهُ بِالسَّعَادَةِ، فَهُوَ أفْضَلُ مَنِ اسْتُشْهِدَ، وأرْفَعُ الشَّهَادَةِ دَرَجَةً. جَعَلْتُ كَلِمَتِي التَّامَّةُ مَعَهُ والحُجَّةُ البَالِغَةَ عِنْدَهُ. بِعِتْرَتِهِ اثِيبُ واعَاقِبُ.
أوَّلُهُمْ عَلِيّ سَيِّدُ العَابِدِينَ وزَيْنُ أوْلِيَاءِ المَاضِينَ (كذا).
وَابْنُهُ شَبِيهُ[122] جَدِّهِ المَحْمُودُ مُحَمَّدٌ البَاقِرُ لِعِلْمِي والمَعْدِنُ لِحُكْمِي.[123]
سَيَهلِكُ المُرتَابُونَ في جَعْفَرٍ؛ الرَّادُّ عَلَيْهِ كَالرَّادِّ عَلَيّ، حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأكْرِمَنَّ مَثْوَى جَعْفَرٍ، ولأُسَرَّنَّهُ في أشْيَاعِهِ وأنْصَارِهِ وأولِيَائِهِ.
وَانْتَجَبْتُ بَعْدَهُ موسى، ولُاتِيحَنَّ بَعْدَهُ فِتْنَةً عَمْيَاءَ حِنْدِسَ،[124] لأنَّ خَيْطَ فَرْضِي لَا يَنْقَطِعُ، وحُجَّتِي لَا تَخْفَى، وأنَّ أوْلِيَائِي لَا يَشْقُّونَ.
ألَا ومَنْ جَحَدَ واحِداً مِنهُمْ فَقَدْ جَحَدَ نِعْمَتِي، ومَنْ غَيَّرَ آيَةً مِنْ كِتَابِي فَقَدِ افْتَرَى عَلَيّ.
وَوَيْلٌ لِلْمُفْتَرِينَ الجَاحِدِينَ عِنْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ عَبْدِي موسى وحَبِيبِي وخِيَرَتِي. إنَّ المُكَذِّبَ بِالثَّامِنِ مُكَذِّبٌ بِجَمِيع أوْلِيَائِي.[125]
وَعَلِيّ وَلِيّ ونَاصِرِي، ومَنْ أضَعُ عَلَى عَاتِقِه أعْبَاءَ النُّبُوَّةِ، وأمْنَحُهُ بإلاضْطِلَاعِ بِهَا،[126] يَقْتُلُهُ عِفْرِيتٌ[127] مُسْتَكْبِرٌ، يُدْفَنُ بِالمَدِينَةِ التي بَنَاهَا العَبْدُ الصَّالِحُ ذُو القَرْنَيْنِ إلَى جَنْبِ شَرِّ خَلْقِي.
حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لُاقِرَّنَّ عَيْنَهُ بِمُحَمَّدٍ ابْنِهِ وخَلِفَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ، فَهُوَ وارِثُ عِلْمِي ومَعْدِنُ حُكْمِي،[128] ومَوْضِعُ سِرِّي وحُجَّتِي عَلَى خَلْقِي.
فَجَعَلْتُ الجَنَّةَ مَأواهُ، وشَفَّعْتُهُ في سَبْعِينَ مِنْ أهْلِ بَيْتِهِ كُلُّهُمْ قَدِ اسْتوجَبُوا النَّارَ.[129]
وَأخْتِمُ بِالسَّعَادَةِ لِابْنِهِ عَلِيّ وَلِيِّي ونَاصِري والشَّاهِدِ في خَلْقِي وأمِينِي عَلَى وَحْيِي.
وَاخْرِجُ مِنْهُ الدَّاعِيَ إلَى سَبِيلِي، والخَازِنَ لِعِلْمِي الحَسَنَ.
ثُمَّ اكْمِلُ ذَلِكَ بِابْنِهِ رَحْمَةً لِلعَالَمِينَ، عَلَيْهِ كَمَالُ موسى وبِهَاءَ عيسى وصَبْرُ أيُّوبَ.
وَسَيَذِلُّ أوْلِيَائِي في زَمَانِهِ، ويَتَهادَون رؤوسَهُمْ كَمَا يَتَهَادَون رؤوسَ التُّرْكِ والدَّيْلَمِ،[130] فَيُقْتَلُونَ ويُحَرَقُونَ ويَكُونُونَ خَائِفِينَ مَرْعُوبِينَ وَجِلِينَ، تُصْبَغُ الأرْضُ بِدِمَائِهِمْ وَيَنْشَأ الوَيْلُ والرَّنِينُ في نِسَائِهِم.[131]
أولئِكَ أوْلِيَائِي حَقَّاً، بِهِمْ أدْفَعُ كُلَّ فِتْنَةٍ عَمْيَاءَ حِنْدِسَ (كذا)، وبِهِمْ أكْشِفُ الزَّلازِلَ، وأرْفَعُ الآصَارَ والأغلَالَ.[132]
اولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ واولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ.
قال عبد الرحمن بن سالم: قال أبو بصير: لو لم تسمع في دهرك إلّا هذا الحديث لكفاك، فَصُنْهُ إلّا عن أهله.[133]
ورواه المجلسيّ رضي الله عنه عن «إكمال الدين وإتمام النعمة»، و«عيون أخبار الرضا» وهما للشيخ الصدوق.
ثمّ روى مثله عن «الاحتجاج» للطبرسيّ،[134] و«الاختصاص» للمفيد بسند آخر،[135] و«الغيبة» للشيخ الطوسيّ بسند آخر أيضاً،[136] و«الغيبة» للنعمانيّ أيضاً بسند آخر.[137] له بعد ذلك بيان مفصّل في حلّ بعض ما أشكل منه.[138]
وروى المجلسيّ أيضاً في «بحار الأنوار» عن «إكمال الدين»، و«عيون أخبار الرضا»، عن الطالقانيّ، عن الحسن بن إسماعيل، عن سعيد بن محمّد القطان، عن الرويانيّ، عن عبد العظيم الحسنيّ، عن عليّ بن الحسين بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب قال: حدّثني عبد الله بن محمّد بن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه عليهما السلام أنّ محمّد بن عليّ باقر العلوم جمع ولده، وفيهم عمّهم زيد بن عليّ عليه السلام. ثمّ أخرج إليهم كتاباً بخطّ عليّ عليه السلام وإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، مكتوب فيه: هَذَا كِتَابٌ من الله العزيز العليم- حديث اللوح إلى الموضع الذي يقول فيه:- واولئكَ هُم المهتدون. ثمّ قال في آخره: قال عبد العظيم: العَجَبُ كُلُّ العجب لمحمّد بن جعفر وخروجه وقد سمع أباه يقول هذا ويحكيه؛ ثمّ قال: هذا سرّ الله ودينه ودين ملائكته، فصُنه إلّا عن أهله وأوليائه.[139] وكذلك رواه الكلينيّ،[140] والشيخ الطبرسيّ.[141]
وذكر إبراهيم بن محمّد بن مؤيّد الحمّوئيّ حديثاً بعد الحديث الأوّل الذي نقلناه عنه سابقاً، وقال: وبالسند المتقدّم قال ابن بابويه: وحدّثنا عليّ بن الحسين شاذويه المؤدِّب، وأحمد بن هارون الفاميّ رضي الله عنهما قالا: حدّثنا محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميريّ عن أبيه، عن جعفر بن محمّد بن مالك الفزاريّ الكوفيّ، عن مالك السلوليّ، عن دُرُسْت، عن عبد الحميد، عن عبد الله بن القاسم، عن عبد الله بن جبلة، عن أبي السَّفَاتج، عن جابر الجُعفيّ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام، عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ قال: دخلتُ على مولاتي فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وسَلَّمَ قُدَّامَهَا لَوْحٌ يَكَادُ ضَوْؤُهُ يَغْشَي الأبْصَارَ. فِيهِ اثْنَا عَشَرَ اسْماً: ثَلَاثَةٌ في ظَاهِرِهِ، وثَلَاثَةٌ في بَاطِنِهِ، وثلَاثَةُ أسْمَاءٍ في آخِرِهِ، وثَلَاثَةُ أسْمَاءٍ في طَرَفِهِ. فَعَدَّدْتُهَا فإذَا هي اثْنَا عَشَرَ.
فَقُلْتُ: أسْمَاءُ مَنْ هَذَا؟!
قَالَتْ: هَذِهِ أسْمَاءُ الأوْصِيَاءِ: أوَّلُهُمْ ابْنُ عَمِّي وأحَدَ عَشَرَ وُلْدِي، آخِرُهُمُ القَائِمُ!
قَالَ جَابِرٌ: فَرَأيْتُ فِيهَا مُحَمَّداً مُحَمَّداً مَحَمَّداً في ثَلَاثَةِ مَوَاضِعِ، وعَلِيَّاً وَعَلَيَّاً وَعَلِيَّاً وَعَلِيَّاً في أرْبَعَةِ مَواضِعَ.[142]
ورواه المجلسيّ بالسند نفسه عن كتاب «إكمال الدين»، و«عيون أخبار الرضا».[143]
ورواه الحمّوئيّ أيضاً عن الشيخ الصدوق بالنحو الآتي: و قال أيضاً: وحدّثنا أحمد بن محمّد بن يحيى العطّار رحمه الله، قال: حدّثنا أبي عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن الحسن بن محبوب، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام، عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ قال: دخلتُ على فاطمة عليها السلام، وبَيْنَ يَدَيْهَا لَوْحٌ فِيهِ أسْمَاءُ الأوْصِيَاءِ: فَعَدَّدْتُ اثْنَي عَشَرَ آخِرُهُمُ القَائِمُ. ثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ مُحَمَّدٌ، وأرْبَعَةٌ مِنْهُمْ عَلِيّ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِمْ.[144]
ورواه المجلسيّ أيضاً بالسند ذاته عن «إكمال الدين»، و«عيون أخبار الرضا».[145]
وكذلك رواه عن خصال الصدوق بسند آخر،[146] وعن «إكمال الدين» بسندين،[147] وعن «عيون» بسند آخر،[148] وعن «الغَيبة» للشيخ الطوسيّ بسند آخر.[149]
ومن الجدير ذكره أنّ الحمّوئيّ روى حديثاً رابعاً تحت التسلسل 435 عن الشيخ الصدوق بعد الأحاديث الثلاثة المتقدّمة. ومضمونه مفصّل رائع. روى فيه أسماء الأئمّة وكُناهم، وأسماء امّهاتهم عن جابر، في لوح فاطمة عليها السلام.[150] ورواه المجلسيّ في «بحار الأنوار» بسند الحمّوئيّ نفسه عن الشيخ الصدوق.[151]
ومن الحريّ بالذكر أيضاً أنّ الأخبار الواردة عن الرسائل السماويّة المختومة بشأن ولاية أمير المؤمنين وإمامة الأئمّة الاثني عشر بأسمائهم وعلاماتهم، التي كان يأتي بها جبرئيل كلًّا على حدة، هي غير الأخبار الواردة عن اللوح، مع أنّ المجلسيّ رضي الله عنه ذكرها كلّها في باب واحد لاشتراكها في المفاد والمضمون. ونتبرّك فيما يأتي بذكر عدد من أحاديث الخواتيم لمزيد البصيرة.
روى المجلسيّ رحمه الله عن «إكمال الدين»، و«الأمالي» للشيخ الصدوق عن ابن الوليد، عن ابن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن محمّد بن الحسين الكنانيّ، عن جدّه، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام، قَالَ: إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أنْزَلَ عَلَى نَبِيِّهِ كِتَاباً قَبْلَ أنْ يَأتِيَهُ المَوْتُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! هَذَا الكِتَابُ وَصِيَّتُكَ إلَى النَّجِيبِ مِنْ أهْلِ بَيْتِكَ!
فَقَالَ: ومَنِ النَّجِيبُ مِنْ أهْلِي يَا جَبْرَئِيلُ؟!
فَقَالَ: عَلِيّ بْنُ أبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وكَانَ عَلَى الكِتَابِ خَوَاتِيمُ[152] مِنْ ذَهَبٍ. فَدَفَعَهُ النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيِهِ وآلِهِ إلَى عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وأمَرَهُ أنْ يَفُكَّ خَاتَماً مِنْهَا ويَعْمَلَ بِمَا فِيهِ.
فَفَكَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَاتَماً وعَمِلَ بِمَا فِيهِ. ثُمَّ دَفَعَهُ إلَى ابْنِهِ الحَسَنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَفَكَّ خَاتَماً وعَمِلَ بِمَا فِيهِ.
ثُمَّ دَفَعَهُ إلَى الحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَفَكَّ خَاتَماً فَوَجَدَ فِيهِ: أنِ اخْرُجْ بِقَوْمٍ إلَى الشَّهَادَةِ، فَلَا شَهَادَةَ لَهُمْ إلَّا مَعَكَ، واشْرِ نَفْسَكَ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَفَعَلَ.
ثُمَّ دَفَعَهُ إلى عَلِيّ بْنِ الحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَفَكَّ خَاتَماً فَوَجَدَ فِيهِ: اصْمُتْ والزَمْ مَنْزِلَكَ، واعْبُد رَبَّكَ حتى يَأتِيَكَ اليَقِينُ، فَفَعَلَ.
ثُمَّ دَفَعَهُ إلَى مُحَمَّدُ بْنِ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَفَكَّ خَاتَماً فَوَجَدَ فِيهِ: حَدِّثِ النَّاسَ وأفْتِهِمْ ولَا تَخَافَنَّ إلَّا اللهَ، فَإنَّهُ لَا سَبِيلَ لأحَدٍ عَلَيْكَ!
ثُمَّ دَفَعَهُ إلَيّ فَفَكَكْتُ خَاتَماً فَوَجَدْتُ فِيهِ: حَدِّثِ النَّاسَ وأفْتِهِمْ وانْشُرْ عُلُومَ أهْلِ بَيْتِكَ، وصَدِّقْ آبَاءَكَ الصَّالِحِينَ، ولَا تَخَافَنَّ أحَداً إلَّا اللهَ، وأنْتَ في حِرْزٍ وأمَانٍ؛ فَفَعَلْتُ.
ثُمَّ ادْفَعْهُ إلَى موسى بْنِ جَعْفَرٍ، وكَذَلِكَ يَدْفَعُهُ موسى إلَى الذي مِنْ بَعْدِهِ، ثُمَّ كَذَلِكَ أبَداً إلَى قِيَامِ المَهْدِيّ.[153]
وذكر مثله عن أمالي الشيخ الطوسيّ، عن الصدوق، عن ابن الوليد.[154] وروى المجلسيّ هذا المضمون أيضاً بسندٍ عن «علل الشرائع»[155]، وبسند آخر عن «إكمال الدين»[156] باختلاف يسير في اللفظ.[157]
ورواه باختلاف كبير في اللفظ واتّحاد المضمون عن «الغَيبة» للنعمانيّ[158]. وروى مضمونه أيضاً بسندين آخرين مختصرين عن الكتاب المذكور نفسه.[159]
أجل، تبيّن ممّا ذكرناه أنّ أوّل مدوِّنٍ في الإسلام هو أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام من خلال تدوين كتاب «الجامعة»، و«الجفر»، و«كتاب الستِّين» في علوم القرآن، وكتاب «الديات» وكتاب «الفرائض والمواريث»، و«مصحف فاطمة»، ومجموع رسائله وعهوده التي بعثها إلى ولاته على الأمصار، ومنها عهده إلى مالك الأشتر رضوان الله عليه حين ولّاه أمر مصر، فهو عليه السلام الحائز على المقام الأوّل في الكتابة والتأليف والتصنيف والتدوين حقّاً.
ويأتي بعده أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم الذي كان من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام المخلَصين، إذ زاول التدوين سواء في حياة النبيّ. أم بعد وفاته. وذكر المرحوم آية الله السيّد حسن الصدر ترجمته كما يأتي: أبو رافع مولى الرسول صلى الله عليه وآله: أوّل مَن دوّن الحديث
وأوّل من دوّن الحديث من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام بعده أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم. قال النجاشيّ في أوّل كتابه «فهرس أسماء المصنّفين من الشيعة» ما نصّه: الطبقة الأولى أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله. واسمه أسلم، كان للعبّاس بن عبد المطّلب رحمه الله فوهبه للنبيّ. فلمّا بُشِّر النبيّ بإسلام العبّاس، أعتقه. أسْلَمَ أبو رافع قديماً بمكّة، وهاجر إلى المدينة.
وشهد مع النبيّ مشاهده، ولزم أمير المؤمنين من بعده. وكان من خيار الشيعة، وشهد معه حروبه، وكان صاحب بيت ماله بالكوفة. وابناه عبيد الله وعليّ كاتبا أمير المؤمنين عليه السلام... إلى أن قال: ولأبي رافع كتاب «السُّنن والأحكام والقضايا»، ثمّ ذكر إسناده إليه باباً باباً: الصلاة، والصيام، والحجّ، والزكاة، والقضايا.
قال الحافظ ابن حجر في «التقريب»: أبو رافع القبطيّ مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: اسمه إبراهيم؛ وقيل: أسلم، أو ثابت، أو هرمز. مات في أوّل خلافة عليّ على الصحيح.
قلتُ: أوّل خلافة عليّ أمير المؤمنين سنة خمس وثلاثين من الهجرة، فلا أقدم من أبي رافع في التأليف بالضرورة.[160] وقال السيّد الصدر أيضاً: في أوّل مَن جمع الحديث؛ ورتّبه بالأبواب من الصحابة الشيعة هو أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم
قال النجاشيّ في كتاب «فهرس أسماء المصنّفين من الشيعة» ما لفظه: ولأبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم كتاب «السُّنن والأحكام والقضايا». ثمّ ذكر النجاشيّ إسناده إلى رواية الكتاب باباً باباً.
وذكر المرحوم الصدر هنا ما نقلناه سلفاً نصّاً. ثمّ قال: فلا أقدم منه في ترتيب الحديث وجمعه بالأبواب بالاتّفاق، لأنّ المذكورين في أوّل من جمع، كلّهم في أثناء المائة الثانية، كما في «التدريب» للسيوطيّ.
وحكى فيه عن ابن حجر في «فتح الباري» أنّ أوّل من دوّنه بأمر عمر بن عبد العزيز: ابن شهاب الزهريّ، فيكون في ابتداء رأس المائة، لأنّ خلافة عمر كانت سنة ثمان أو تسع وتسعين، ومات سنة إحدى ومائة. ولنا فيما أفاده ابن حجر إشكال ذكرناه في الأصل (كتاب «تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام»).[161]
وسار آية الله السيّد عبد الحسين شرف الدين العامليّ على هذا المنوال أيضاً، فقال في كتاب «الفصول المهمّة»: أبو رافع القبطيّ مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، واسمه أسلم، أو إبراهيم، وقيل: هرمز، وقيل: ثابت، وقيل غير ذلك. وله أولاد وأحفاد كلّهم خصّيصون بأهل البيت، ومنقطعون إليهم.
أمّا أولاده: فرافع، والحسن، والمغيرة، وعبيد الله (الذي أفرد كتاباً فيمن حضر صفّين مع عليّ بن أبي طالب عليه السلام من الصحابة، وقد نقل عنه صاحب «الإصابة» وغيره)، وعليّ الذي ألّف كتاباً في فنون الفقه على مذهب أهل البيت، وهو أوّل كتاب فقهيّ عُمل في الإسلام بعد «صحيفة عليّ عليه السلام».
وأمّا أحفاد أبي رافع: فالحسن، وصالح، وعبيد الله أولاد عليّ بن أبي رافع، والفضل بن عبيد الله بن أبي رافع، ولهم ذرّيّة كلّها صالحة.[162]
وأشار إلى هذه الحقيقة صديقنا الأكرم المرحوم آية الله السيّد محمّد عليّ القاضي الطباطبائيّ التبريزيّ قدّس سرّه في تعليقته على كتاب «جنّة المأوى» في آخر تعريفه وثنائه على «كتاب سُليم بن قيس الهلاليّ». وفيما يأتي نصّ كلامه: كتاب جليل معتمد، صنّفه سُليم بن قيس الهلاليّ المتوفّى حدود سنة 90 هـ. من أولياء أمير المؤمنين عليه السلام، وصاحبه، ومن خواصّه.
وكتابه من الاصول الشهيرة المعتمدة عند الخاصّة والعامّة. قال الإمام الكبير النعمانيّ رحمه الله في كتابه «الغَيبة» ما هذا لفظه: وليس بين جميع الشيعة ممّن حمل العلم ورواه عن الأئمّة عليهم السلام خلاف في أنّ «كتاب سُليم بن قيس الهلاليّ» أصل من أكبر كتب الاصول التي رواها أهل العلم وحملة حديث أهل البيت عليهم السلام وأقدمها، لأنّ جميع ما اشتمل عليه الأصل إنّما هو من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، وأمير المؤمنين عليه السلام، والمقداد، وسلمان الفارسيّ، وأبي ذرّ، ومن جرى مجراهم ممّن شهد رسول الله صلى الله عليه وآله، وأمير المؤمنين عليه السلام، وسمع منهما. وهو من الاصول التي ترجع الشيعة إليها وتعوّل عليها- انتهى.
وقال ابن النديم في «الفهرست»: هو أوّل كتاب ظهر للشيعة. ومراده أنّه أوّل كتاب ظهر فيه أمر الشيعة، كما اشير إليه في الحديث المرويّ عن الإمام الصادق عليه السلام في توصيفه بأنّه أبجد الشيعة.
قال عليه السلام: مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنْ شِيعَتِنَا ومُحِبِّينَا «كِتَابُ سُلَيْمِ ابْن قَيْسٍ الهِلَالِيّ» فَلَيْسَ عِنْدَهُ مِنْ أمْرِنَا شَيءٌ ولَا يَعْلَمُ مِنْ أسْبَابِنَا شَيْئاً؛ وهُوَ أبْجَدُ الشِّيعَةِ، وهُوَ سِرٌّ مِنْ أسْرَارِ آلِ مُحَمَّدٍ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ.
وقال القاضي بدر الدين السبكيّ المتوفّى سنة 769 هـ في كتابه: «محاسن الوسائل في معرفة الأوائل»: إنّ أوّل كتاب صنّف للشيعة هو «كتاب سُليم بن قيس الهلاليّ»- انتهى.
ولكن القارئ العزيز خبير أنّ «كتاب السُّنن» تصنيف أبي رافع المتوفّى في العقد الرابع[163] الذي اشترى معاوية داره بعد موته هو مقدّم عادةً على تصنيف سُليم المتوفّى سنة 90 هـ.[164]
وصرّح العالم الخبير السيّد محمّد صادق بحر العلوم بهذه الحقيقة في مقدّمة «كتاب سليم بن قيس»، ونقل نفس عبارات ابن النديم في «الفهرست» وعبارات القاضي بدر الدين السبكيّ، ثمّ أشار إلى تقدّم أبي رافع في التصنيف.[165]
واعترف محمّد عجّاج الخطيب بهذه الحقيقة طوعاً أم كرهاً، وهو الذي يُصرّ إصراراً تامّاً على تدوين الحديث عند أهل السُّنَّة. قال: وكان عند أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله (سنة 35 هـ)[166] كتاب فيه استفتاح الصلاة، دفعه إلى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث (سنة 94 هـ)[167] أحد الفقهاء السبعة[168].
[1] «جامع أحاديث الشيعة» ج 1، ص 72.
[2] الذراع من طرف المِرفق إلى طرف الإصبع الوسطي.
[3] «بحار الأنوار» من طبعة الكمبانيّ القديمة: ج 7، ص 279، ومن الطبعة الحديثة: ج 26، ص 18 إلى 20، المطبعة الحيدريّة، كتاب الإمامة، باب «جهات علومهم عليهم السلام، وما عندهم من الكتب، وأنّه ينقر في آذانهم وينكت في قلوبهم»؛ و«الإرشاد» للمفيد، ص 257؛ و«الاحتجاج» للطبرسيّ، ص 203.
[4] «بحار الأنوار» ج 7، ص 279، طبعة الكمبانيّ، ومن الطبعة الحديثة: ج 26، ص 20؛ و«بصائر الدرجات» ص 38.
[5] «بحار الأنوار» ج 7، ص 279، طبعة الكمبانيّ.
[6] «بحار الأنوار» ج 7، ص 279، طبعة الكمبانيّ؛ و«بصائر الدرجات» ص 38.
[7] «بحار الأنوار» في الطبعة القديمة (الكمبانيّ): ج 7، ص 280؛ وفي الطبعة الحيدريّة: ج 26، ص 21 إلى 23؛ و«بصائر الدرجات» ص 39. وقال آية الله السيّد محسن الأمين العامليّ في الجزء الأوّل من المجلّد الأوّل من كتاب «أعيان الشيعة» ص 332، الطبعة الثانية:... عن أبي عبد الله عليه السلام أنّه سئل عن «الجامعة» فقال: تلك صحيفة سبعون ذراعاً في عرض الأديم مثل فخذ الفالج، فيها كلّ ما يحتاج الناس إليه وليس من قضيّة إلّا وهي فيها حتى أرش الخدش. قال المؤلّف: الأديم: الجلد؛ والفالج: الجمل الضخم ذو السنامين يُحمَل من السند للفحل. ومعنى «في عرض الأديم» أنّها جلود دبغت وأبقيت بسعتها وضُمّ بعضها إلى بعض حتى صارت إذا لُفّت مثل فخذ الفالج، وكتب فيها. إلى أن قال في ص 338: فظهر من ملاحظة مجموع هذه الأخبار وضمّ بعضها إلى بعض أنّ «الجامعة» و«كتاب عليّ» على الإطلاق، والذي طوله سبعون ذراعاً، والذي مثل فخذ الرجل، ومثل فخد الفالج والكتاب الذي بإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وخطّ عليّ عليه السلام، والصحيفة التي طولها سبعون ذراعاً، والجلد الذي هو سبعون ذراعاً، والصحيفة العتيقة كلّها يراد بها كتاب واحد.
[8] «بحار الأنوار» ج 7، ص 280، طبعة الكمبانيّ.
[9] «بحار الأنوار» ج 7، ص 280، من الطبعة القديمة (الكمبانيّ)، و: ج 26، ص، 23، الطبعة الحيدريّة؛ و«بصائر الدرجات» ص 39.
[10] «بحار الأنوار» ج 7، ص 280، ومن الطبعة الحيدريّة: ج 26، ص 23 و24. وهذا التردّد من الراوي.
[11] «بحار الأنوار» ج 7، ص 280، طبعة الكمبانيّ، و: ج 26، ص 23 و24، الطبعة الحيدريّة؛ و«بصائر الدرجات» ص 39.
[12] «بحار الأنوار» ج 7، ص 280، طبعة الكمبانيّ، و: ج 26، ص 24 و25، الطبعة الحيدريّة؛ و«بصائر الدرجات» ص 40.
[13] «بحار الأنوار» ج 7، ص 283، طبعة الكمبانيّ، و: ج 26، ص 33، الطبعة الحيدريّة؛ و«بصائر الدرجات» ص 40.
[14] «بحار الأنوار» ج 7، ص 283، طبعة الكمبانيّ، وج 26، ص 34، الطبعة الحديثة؛ و«بصائر الدرجات» ص 40.
[15] قال السيّد محسن الأمين العامليّ في «أعيان الشيعة» الجزء الأوّل من المجلّد الأوّل، الطبعة الثانية، ص 330 و331: من مؤلّفات أمير المؤمنين عليه السلام «الجامعة» وهي كتاب طوله سبعون ذراعاً من إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وخطّ عليّ عليه السلام مكتوب على الجلد المسمّى بالرَّق (جلد رقيق يكتب فيه). وكان غالب الكتابة عليه في ذلك العصر لقلّة الورق في عرض الجلد. جمعت الجلود بعضها إلى بعض حتى بلغ طولها سبعين ذراعاً بذرع اليد الذي هو من المرفق إلى رؤوس الأصابع. وفي بعض الأخبار أنّها مثل فخذ البعير العظيم. وفي بعضها مثل فخذ الرجل. وعدّها من مؤلّفات عليّ عليه السلام باعتبار أنّه كتبها ورتّبها من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وإملائه. وهي أوّل كتاب جُمع فيه العلم على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم. وتكرّر ذكرها في أخبار الأئمّة عموماً وأخبار المواريث خصوصاً. وكانت عند الإمام أبي جعفر محمّد الباقر، وابنه الإمام أبي عبد الله جعفر الصادق عليهما السلام. رآها عندهما ثقات أصحابهما. وتوارثها الأئمّة من بعدهم. وفيما كتبه الرضا عليه السلام على ظهر العهد الذي عهد به إليه المأمون بولاية عهد المسلمين: والجامعة والجفر يدلّان على ضدّ ذلك. ويأتي لها ذكر عند ذكر الجفر. والظاهر أنّها هي المعبَّر عنها في جملة من الأخبار الآتية بكتاب عليّ عليه السلام، وبالكتاب الذي بإملاء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم وخطّ عليّ عليه السلام وبكتاب عليّ عليه السلام الذي هو سبعون ذراعاً وبالجلد الذي هو سبعون ذراعاً وبالصحيفة التي طولها سبعون ذراعاً وبالصحيفة التي فيها ما يحتاج إليه حتى أرش الخدش وبالصحيفة العتيقة من صحف عليّ عليه السلام وشبه ذلك. فممّن رأى الجامعة عند الباقر عليه السلام سويد بن أيّوب وأبو بصير. وممّن رآها عند الصادق عليه السلام أبو بصير.
[16] ذكر المستشار عبد الحليم الجنديّ هذا الحديث في كتاب «الإمام جعفر الصادق» ص 201.
[17] «تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام» ص 279 و284، الفصل الثامن: علم الحديث، تقدّم الشيعة في تأسيس علوم الحديث.
[18] «تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام» ص 279.
[19] «الطبقات الكبرى» ج 2، ص 15.
[20] «شيخ المضيرة» الطبعة الثانية. وقال في الهامش: هذا ما في البخاريّ، ومسلم. ولا نعلم شيئاً عن مقدار أحاديثه التي روتها الشيعة عنه. ولِكُلِّ قَومٍ سُنَّةٌ وإمَامُهَا.
[21] «سفينة البحار» ج 2، ص 15، مادّة صحف.
[22] «بحار الأنوار» كتاب الإمامة، أبواب علومهم عليهم السلام، باب جهات علومهم عليهم السلام وما عندهم من الكتب وأنّه ينقر في آذانهم وينكت في قلوبهم، ج 7، ص 283 من الطبعة القديمة (الكمبانيّ)، و: ج 26، ص 37، الرواية 68، الطبعة الحيدريّة؛ و«بصائر الدرجات» ص 41.
[23] محمّد بن عبد الله بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس من بني العبّاس ورأس السلالة العبّاسيّة. قال ذلك في وقت لم يبايعه أبو مسلم الخراسانيّ بالخلافة بعد.
[24] «بحار الأنوار» ج 7، ص 285 الطبعة القديمة (الكمبانيّ)، و: ج 26، ص 42، الحديث 74، الطبعة الحيدريّة؛ و«بصائر الدرجات»، ص 42 و43.
[25] «بحار الأنوار» ج 7، ص 285، طبعة الكمبانيّ، و: ج 26، ص 43، الطبعة الحيدريّة؛ و«بصائر الدرجات» ص 43. والسطر الأخير هو الآية الرابعة من سورة الأحقاف.
[26] «بحار الأنوار» ج 7، ص 286، و: ج 26، ص 45 و46، الطبعة الحيدريّة؛ و«بصائر الدرجات» ص 42.
[27] «بحار الأنوار» ج 7، ص 286، طبعة الكمبانيّ، و: ج 26، ص 46، الحديث 83، الطبعة الحيدريّة؛ و«بصائر الدرجات» ص 42.
[28] «بحار الأنوار» ج 7، ص 284، طبعة الكمبانيّ، و: ج 26: ص 38 و39، الحديث 70، الطبعة الحيدريّة؛ و«بصائر الدرجات» ص 41 و42. ونقل السيّد على خان المدنيّ الشيرازيّ هذا الحديث المرويّ عن أبي بصير- الذي أوردناه هنا مفصّلًا عن «بحار الأنوار»، عن «بصائر الدرجات»- عن ثقة الإسلام الكلينيّ («الكافي» ج 1، ص 238، الحديث 1) وذلك في كتابه «رياض السالكين» ص 14، «الطبعة الرحليّة، سنة 1317، و: ج 1، ص 110 و111، طبعة جماعة المدرّسين بعد تحقيق رائع في كيفيّة تعلّم علوم الأئمّة عليهم السلام حيث تتمثّل في اتّباع تعاليم الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله في المجاهدات والرياضات، مع ما يتمتّعون به من صفاء الباطن والغريزة الطاهرة، فتفاض عليهم من الله مباشرة بلا تدخّل من رسول الله. وقال في الهامش تحت عنوان: تنبيه: لا ينافي هذا التحقيق ما ورد عنهم عليهم السلام أنّ عندهم الجفر، والجامعة، ومصحف فاطمة عليها السلام. وإنّ في كلّ منها من العلوم ما لا يعلمه إلّا هم، وفيها علم ما يحتاج إليه، وعلم ما كان وما يكون، لأنّ علومهم عليهم السلام لم تكن مقصورة عليها ولا منحصرة فيها، بل علومهم اللدنيّة الكشفيّة غير ما تضمّنته هذه الكتب من العلوم.
[29] لا ريب أنّ ذلك كان من أجل أن يرى أبا بصير خلوّ الغرفة من شخص يسمع كلامه. فقال له: سل عمّا بدا لك.
[30] «بحار الأنوار» ج 7، ص 284، طبعة الكمبانيّ.
[31] «بحار الأنوار» ج 7، ص 286، الطبعة القديمة (الكمبانيّ)، و: ج 26، ص 45، الحديث 81، الطبعة الحيدريّة؛ و«بصائر الدرجات» ص 42.
[32] «بحار الأنوار» ج 7، ص 286، طبعة الكمبانيّ، و: ج 26، ص 46، الحديث 84، الطبعة الحيدريّة؛ و«بصائر الدرجات» ص 43.
[33] «بحار الأنوار» ج 7، ص 286، طبعة الكمبانيّ، و: ج 26، ص 47، الحديث 88، الطبعة الحيدريّة؛ و«بصائر الدرجات» ص 43.
[34] «بحار الأنوار» ج 7، ص 286، طبعة الكمبانيّ، و: ج 26، ص 48، الحديث 90، الطبعة الحيدريّة؛ و«بصائر الدرجات» ص 44.
[35] «بحار الأنوار» ج 7، ص 286، طبعة الكمبانيّ، و: ج 26، ص 48 و49، الحديث 92، الطبعة الحيدريّة؛ و«بصائر الدرجات» ص 44.
[36] هو المرحوم المغفور له آغا ميرزا أبو تراب عرفان رحمه الله.
[37] قال ابن خلدون في مقدّمته، ص 201: ثمّ انتقلت الإمامة من إسماعيل إلى ابنه محمّد المكتوم، قالوا: وبعد محمّد المكتوم ابنه جعفر الصادق، وبعده ابنه محمّد الحبيب، وبعده ابنه عبد الله المهديّ. وقال في تاريخه، ج 4، ص 34، طبعة بولاق: ولمّا توفّي محمّد الحبيب بن جعفر بن محمّد بن إسماعيل، عهد إلى ابنه عبيد الله وقال له: أنت المهديّ!
[38] حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة الإمام، 18جلد، دار المحجة البيضاءبيروتلبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.
[39] المراد من الفواطم ثلاث نساء يحملن هذا الاسم، أخذهنّ أمير المؤمنين عليه السلام معه إلى المدينة بعد هجرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله من مكّة إلى المدينة، وكان قد لبث في مكّة أيّاماً بأمر النبيّ ليؤدّي مواعيده. واستطاع الإمام عليه السلام أن يوصلهنّ إلى المدينة بعد أن اعترضته قريش في الطريق، إذ لم يرق لها خروجهنّ من مكّة. وقد تصدّى الإمام لهذه الجماعة المؤلّفة من عدّة رجال مسلّحين، فعقل الإبل إلى الأرض واستعدّ لمهاجمتهم، ففرّوا. واستطاع في آخر المطاف من إيصالهنّ إلى المدينة رغم الخوف الذي كان مستحوذاً عليهن، إذ لم يأمنَّ ملاحقة الكفّار أيّاهنّ حتى المدينة. وكانت هذه الصفوة مشغولة بذكر الله وتسبيحه على طول الطريق الذي كان يقدّر بتسعين فرسخاً تقريباً، بخاصّة في الليالي الظلماء التي كانت السماء فيها صافية مليئة بالنجوم والكواكب في تلك المناطق التي تتميّز بطبيعة رائعة باهرة. وبلغ من عبادة هذه الصفوة وإقامتها صلاة الليل، وقيامها وسجودها وذكرها وتلاوتها القرآن وتعلّقها بالله وولعها بالجمال الإلهيّ الأزليّ أنّ الله تعالى أخبر نبيّه الكريم بخبرها على لسان جبرئيل. وهي لم تصل إلى المدينة بعد. وقدّر لها الثواب البارز من خلال الآيات الكريمة في آخر سورة آل عمران. قال تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ والْأَرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وقُعُوداً وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ والْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ، رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ، رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ، رَبَّنا وآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ، فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وأُوذُوا فِي سَبِيلِي وقاتَلُوا وقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ ولَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ. (الآيات 190 إلى 195، من السورة 3: آل عمران).
قال سماحة استاذنا الأكرم آية الله المعظّم العلّامة الطباطبائيّ قدّس الله تربته المباركة في بحثه الروائيّ على هذه الآيات، في «تفسير الميزان» ج 4، ص 95 و96:
وورد من طرق الشيعة أنّ قوله: فَالَّذِينَ هاجَرُوا وأُخْرِجُوا إلى آخر الآية، نزلت في عليّ عليه السلام لمّا هاجر ومعه الفواطم: فاطمة بنت أسد، وفاطمة بنت محمّد صلى الله عليه وآله، وفاطمة بنت الزبير، ثمّ لحق بهم في ضجنان امّ أيمن ونفر من ضعاف المؤمنين فساروا وهم يذكرون الله في جميع أحوالهم حتى لحقوا بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم، وقد نزلت الآيات. وليعلم أنّ عبيد الله لمّا بنى المهديّة قال: بنيتُها ليعتصم بها الفواطم ساعة من نهار. وتكون ملجأً ومأمناً لهنّ في ليالي الهجرة والخوف والدهشة التي أمضينها في العبادة. نلحظ في العبارة نقاطاً بديعة كثيرة، أنّ فواطم جمع مؤنّث ومفردها فاطمة كطوالب وطالبة. وصار إطلاق الفواطم في التواريخ والسير على هؤلاء النساء الثلاث اللائي هاجرن من مكّة إلى المدينة، حتى يمكننا أن نقول: أصبح لهنّ علَماً بالغلبة. لهذا فإنّ عبيد الله الذي وضع أساس المهديّة وبناها أراد أن يبيّن أنّ ثورتهم على الأعداء نتيجة لهجرة رسول الله وفواطمه. وها هي الآن تتحقّق عمليّاً. وعند ما يُسكن ذراري رسول الله في هذه المدينة الجديدة فإنّ الفواطم المعذَّبة المهاجرة إلى المدينة الطيّبة التي تورّمت أقدامها تسكن فيها حقّاً فتسرّ أرواحهنّ وتَسْكُن. وهذا التعبير فيه نوع من الاستعارة. وإلّا لقال: فاطميّون جمع فاطميّ.
[40] جاء في «رياض السالكين» ص 24 و25، طبعة سنة 1317 هـ، و: ج 1، ص 171 و172، طبعة جماعة المدرّسين: مضمون هذا الحديث ورد من طرق العامّة أيضاً: قال الفخر الرازيّ في تفسيره الكبير: روى القاسم بن الفضل، عن عيسى بن ماذرة قال: قلتُ للحسن: يَا مُسَوِّدَ وُجُوه المؤمنين عَمَدْتَ إلى هذا الرجل فبايعته! يعني: معاوية، فقال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله ارى في منامه بني اميّة يطأون منبره واحداً بعد واحد. وفي رواية ينزون على منبره نزو القردة، فشقّ ذلك عليه، فأنزل الله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، إلى قوله: خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ. يعني: ملك بني اميّة. قال القاسم: فحسبنا ملك بني اميّة فإذا هو ألف شهر لا يزيد ولا ينقص- انتهى. قال الفخر الرازيّ: طعن القاضي في هذا الوجه فقال: ما ذكر من ألف شهر ليس في أيّام بني اميّة، لأنه تعالى لا يذكر فضلها بذكر ألف شهر مذمومة، وأيّام بني اميّة مذمومة. قال: وهذا الطعن باطل، لأنّ أيّام بني اميّة كانت أيّاماً عظيمة بحسب السعادات الدنيويّة، فلا يمتنع أن يقول الله تعالى: إنّي أعطيتك ليلة هي في السعادات الدينيّة أفضل من تلك الأيّام في السعادات الدنيويّة. («التفسير الكبير» للفخر الرازيّ، ج 32، ص 31، مع اختلاف يسير في العبارة).
[41] نقل السيّد على خان الكبير في شرحه على «الصحيفة السجّاديّة» ص 25، الطبعة الحجريّة، عن ابن الأثير في «جامع الاصول» أنّ مدّة ولاية بني اميّة كانت ألف شهر. وإنّما هي التي أراد الله تعالى بقوله: ليلة القدر خير من ألف شهر. وألف شهر هي: ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر. وكان أوّل استقلال بني اميّة وانفرادهم بالأمر منذ بيعة الحسن ابن عليّ عليهما السلام لمعاوية بن أبي سفيان، وذلك على رأس أربعين سنة من الهجرة. وكان انقضاء دولتهم على يد أبي مسلم الخراسانيّ في سنة اثنتين وثلاثين ومائة. وذلك اثنتان وتسعون سنة تسقط منها خلافة عبد الله بن الزبير، وهي ثمان سنين وثمانية أشهر، تبقى ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر، وهي ألف شهر. رؤيا النبيّ صلّى الله عليه وآله في حكومة الامويّين
[42] روى محمّد بن يعقوب الكلينيّ رضوان الله عليه في «روضة الكافي» ص 345، بسنده عن جميل بن درّاج، عن زُرارة، عن أحد الصادقين عليهما السلام قال: أصبَحَ رَسول الله صلى الله عليه وآله يوماً كئيباً حزيناً. فقال له عليّ عليه السلام: ما لي أراك يا رسول الله كئيباً حزيناً؟! فقال: وكيف لا أكون كذلك وقد رأيتُ في ليلتي هذه أنّ بني تيم وبني عديّ وبني اميّة يصعدون منبري هذا، يردّون الناس عن الإسلام القهقرى؟! فقلتُ: يا ربّ في حياتي أو بعد موتي؟! فقال: بعد موتك! وقال الحكيم المحقّق السيّد محمّد باقر المعروف بالميرداماد في شرحه على «الصحيفة السجّاديّة» ص 66، طبعة مهديّة مير داماد، إصفهان، بعد نقل هذه الرواية: وقد تضافرت الروايات البالغة حدّ التواتر من طرق العامّة والخاصّة أنّه صلى الله عليه وآله وسلّم بعد هذه الرؤيا أسرّ إلى أبي بكر، وعمر أمر بني اميّة، واستكتمهما على ذلك، فأفشى عمر عليه صلى الله عليه وآله سرّه وحكاه للحكم بن أبي العاص، وأسرّ إلى حفصة أمر أبي بكر، وعمر، وقال لها: إنّ أباكِ وأبا بكر يملكان أمر امّتي، فاكتمي عَلَيّ هَذا، فأفشت عليه صلى الله عليه وآله وسلّم، ونبّأت به عائشة. فجاء بذلك الوحي، ونزلت فيه سورة التحريم، ولذلك بَسْطٌ يضيق عنه درع المقام، فليطلب ممّا أخرجناه في مظانّهـ انتهى كلام الميرداماد. وجاء في «رياض السالكين» ص 23 و24، طبعة سنة 1317 هـ، و: ج 1، ص 163 إلى 166، طبعة جماعة المدرّسين: قوله: (يعني بني اميّة) تفسير للشجرة الملعونة. وعلى هذا فلا يخفى ما في قوله تعالى: فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً (الآية 60، من السورة 17: الإسراء) من اللطف. واعلم أنّ هذا الحديث ثابت الصحّة متواتر النقل بين الفريقين. أمّا من طريق أهل البيت عليهم السلام فقد ثبت عند الخاصّة من طرق كثيرة («الكافي» ج 4، ص 159، الحديث 10). وأمّا من طريق الجمهور، فقال الفخر الرازيّ في تفسيره الكبير: قال سعيد ابن المسيِّب: رأى رسول الله صلى الله عليه وآله بني اميّة ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك. («التفسير الكبير» للفخر الرازيّ، ج 20، ص 236). وقال البيضاويّ في تفسير الرؤيا: قيل: رأى قوماً من بني اميّة يرقون منبره، وينزون عليه نزو القردة، فقال: هذا حظّهم من الدُّنيا يعطونه بإسلامهم، وعلى هذا كان المراد بقوله: إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ما حدث في أيّامهم. («أنوار التنزيل» للبيضاويّ، ج 1، ص 590). وروى الحاكم في «المستدرك» عن مسلم الربعيّ، عن العلا، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله قال: اريتُ في منامي كأنّ بني الحكم بن أبي العاص ينزون على منبري كما تنزو القردة فما رُؤي النبيّ صلى الله عليه وآله مستجمعاً ضاحكاً حتى مات. («المستدرك على الصحيحين» للحاكم النيسابوريّ، ج 4، ص 480، مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ). ثمّ قال: صحيح الإسناد على شرط مسلم. ذكر ذلك الدميريّ في «حياة الحيوان». («حياة الحيوان» للدميريّ، ج 2، ص 245). وقال الرازيّ في تفسير الشجرة الملعونة: قال ابن عبّاس: الشجرة الملعونة في القرآن المراد بها: بنو اميّة، الحكم بن أبي العاص وولده، قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وآله في المنام أن وُلد مروان يتداولون منبره. فقصّ رؤياه على أبي بكر، وعمر، وقد خلا في بيته معهما. فلمّا تفرّقوا سمع رسول الله صلى الله عليه وآله الحكم يخبر برؤيا رسول الله فاشتدّ عليه ذلك، فاتّهم عمر في إفشاء سرّه. ثمّ ظهر أنّ الحكم كان يتسمّع إليهم، فنفاه رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: وممّا يؤكّد هذا التأويل قول عائشة لمروان: لَعَنَ الله أباكَ وأنتِ في صُلْبِهِ، فَأنتَ بَعْضُ مَنْ لَعَنَ اللهُ («التفسير الكبير» للفخر الرازيّ، ج 20، ص 237). وقال النيسابوريّ عن ابن عبّاس: الشجرة الملعونة: بنو اميّة. («غرائب القرآن» للنيسابوريّ، ج 2، ص 459). وفي الكتاب الذي كتبه المعتضد بالله العبّاسيّ حين عزم على لعن معاوية بن أبي سفيان على المنابر في سنة 284 هـ وذكر فيه بني اميّة، فقال: ثمّ أنزل الله كتاباً فيما أنزله على رسوله صلى الله عليه وآله يذكر فيه شأنهم وهو قوله تعالى: والشَّجرة الملعونة في القرآن. ولا خلاف بين أحدٍ أنّه تبارك وتعالى أراد بها بني اميّة. («تاريخ الطبريّ» ج 8، ص 85)- انتهى.
[43] وطبع هذا الجزء في بيروت أيضاً سنة 1393 هـ. ولم يذكر اسم المطبعة في الأجزاء كلّها.
[44] الآية 6، من السورة 49: الحجرات.
[45] قال في الهامش: الجفر في أصل اللغة وَلَدُ الشاة إذا عظم واستكرش، ثمّ اطلق على جلد الشاة.
[46] أضاف المرحوم السيّد محسن الأمين إليه قوله: «و الإخبار عن بعض الحوادث» وذلك في الطبعة الثانية من أعيانه المطبوع سنة 1363 هـ، ج 1، ص 347. وفيما يأتي نصّ كلامه: أقول: الظاهر من الأخبار أنّ الجفر كتاب فيه العلوم النبويّة من حلال وحرام وأحكام واصول ما يحتاج الناس إليه في أحكام دينهم وما يصلحهم في دنياهم والإخبار عن بعض الحوادث. فلا يتمّ حينئذٍ ما نقله مغنية عنه في «أعيان الشيعة».
[47] ولكنّا عرفنا في هامش قريب متقدّم أنّ قوله والإخبار عن بعض الحوادث، قد اضيف في «أعيان الشيعة» وأسقطه مغنية.
[48] كتاب «الشيعة في الميزان» قسم الشيعة والتشيّع، ص 56 و57، طبعة دار التعارف ببيروت. وفي الطبعة المستقلّة لكتاب «الشيعة والتشيّع» ص 57 و58، مكتبة المدرسة ودار الكتاب اللبنانيّ، بيروت.
[49] الآية 188، من السورة 7: الأعراف.
[50] الآية 20، من السورة 10: يونس. فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ.
[51] الآية 65، من السورة 27: النمل.
[52] كتاب «الشيعة في الميزان» قسم الشيعة والتشيّع، ص 42 إلى 45، طبعة دار التعارف بيروت، وفي الطبعة المستقلّة: ص 42 إلى 45 أيضاً.
[53] ما أجمل كلام السيّد على خان المدنيّ الشيرازيّ رضي الله عنه في توضيح هذه الحقيقة، إذ قال في شرحه على الصحيفة، ص 14، الطبعة الرحليّة، و: ج 1، ص 108 إلى 110، طبعة جماعة المدرّسين: قال بعض المحقّقين: اعلم أنّه ليس المراد [بقول يحيى بن زيد للمتوكّل بن هارون: ولكنّي أعلم أنّ قوله حقّ، أخذه عن آبائه وأنّه سيصحّ]، ما يفهمه الظاهريّون من الناس [أنّ الصادق عليه السلام أخذ علمه عن آبائه واحداً بعد آخر حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله] أنّ من شأنهم حفظ الأقوال خلفاً عن سلف حتى يكون فضلهم على سائر الناس بقوّة الحفظ للمسموعات أو بكثرة المحفوظات، بل المراد أنّ نفوسهم القدسيّة قد استكملت بنور العلم وقوّة العرفان بسبب اتّباع الرسول صلى الله عليه وآله بالمجاهدة والرياضة، مع زيادة استعداد أصليّ وصفاء وطهارة في الغريزة فصارت كمرآة مجلوّة يحاذي بها شطر الحقّ بواسطة مرآة اخرى أو بغير واسطة. ألا ترى أنّ المرايا المتعدّدة المتحاذية، أو المحاذية لمرآة اخرى هي بحذاء الشمس ينعكس ضوء الشمس إلى جميعها، فهكذا حال مَن اتّبع الرسول حقّ المتابعة يصير محبوب الحقّ كما قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ (الآية 31، من السورة 3: آل عمران)، ومن أحبّه الله تعالى أفاض الله عليه كما أفاض على حبيبه صلوات الله عليه، لكنّ الفرق ثابت بين المتبوع والتابع. وبالجملة، يجب أن يعلم أنّ علوم الأئمّة عليهم السلام ليست اجتهاديّة ولا سمعيّة من طرق الحواسّ، بل علومهم كشفيّة لدنّيّة تفيض على قلوبهم أنوار العلم والعرفان عن الله سبحانه، لا بواسطة أمر مباين من سماع، أو كتابة محسوسة، أو رواية. أو شيء من هذا القبيل. وممّا يدلّ على ما بيّنّاه وأوضحناه قول أمير المؤمنين عليه السلام: عَلَّمني رسول الله صلى الله عليه وآله ألف بابٍ من العلم فانفتح لي من كلّ باب ألف بابٍ. («تاريخ دمشق» لابن عساكر، تصحيح محمّد باقر المحموديّ، ج 2، ص 483؛ و«منتخب كنز العمّال» المطبوع بهامش «مسند أحمد بن حنبل» ج 5، ص 43). وقول الرسول صلى الله عليه وآله: اعطيتُ جوامِعَ الكَلِمِ («مسند أحمد بن حنبل» ج 2، ص 412؛ و«سنن الترمذيّ» ج 4، ص 123، الحديث 1553) واعطِيَ عليّ جوامع العلم («الأنوار النعمانيّة» ج 1، ص 32) ومعنى تعليم الرسول له عليه السلام هو إعداد نفسه الشريفة القابلة لأنوار الهداية على طول الصُّحبة ودوام الملازمة بتعليمه وإرشاده إلى كيفيّة السلوك إلى الله تعالى بتطويع النفس الحيوانيّة وقواها لما أمرها بها واستخدمها فيه الروح العقليّ الإلهيّ، وإشارته صلى الله عليه وآله إلى أسباب التطويع والرياضة حتى استعدّ عليه السلام للانتقاش بالامور الغيبيّة والإخبار عن المغيبات. وليس التعليم البشريّ، سواء كان المعلّم رسولًا أو غيره هو إيجاد العلم، وإن كان أمراً يلزمه الإيجاد والإفاضة من الله تعالى. وفي قوله صلى الله عليه وآله: واعطي عليّ جوامع العلم («الأنوار النعمانيّة» ج 1، ص 32) بصيغة البناء للمفعول دليل ظاهر على أنّ المعطي لعليّ جوامع العلم ليس هو النبيّ صلى الله عليه وآله، بل الذي أعطاه ذلك هو المعطي للنبيّ جوامع الكلم، وهو الحقّ سبحانه وتعالى، فافهم هذا المقام فإنّه من مزالّ الأقدام- انتهى كلام بعض المحقّقين.
[54] وطبع هذا الجزء في بيروت أيضاً سنة 1393 هـ. ولم يذكر اسم المطبعة في الأجزاء كلّها.
[55] الآية 6، من السورة 49: الحجرات.
[56] قال في الهامش: الجفر في أصل اللغة وَلَدُ الشاة إذا عظم واستكرش، ثمّ اطلق على جلد الشاة.
[57] أضاف المرحوم السيّد محسن الأمين إليه قوله: «و الإخبار عن بعض الحوادث» وذلك في الطبعة الثانية من أعيانه المطبوع سنة 1363 هـ، ج 1، ص 347. وفيما يأتي نصّ كلامه: أقول: الظاهر من الأخبار أنّ الجفر كتاب فيه العلوم النبويّة من حلال وحرام وأحكام واصول ما يحتاج الناس إليه في أحكام دينهم وما يصلحهم في دنياهم والإخبار عن بعض الحوادث. فلا يتمّ حينئذٍ ما نقله مغنية عنه في «أعيان الشيعة».
[58] ولكنّا عرفنا في هامش قريب متقدّم أنّ قوله والإخبار عن بعض الحوادث، قد اضيف في «أعيان الشيعة» وأسقطه مغنية.
[59] كتاب «الشيعة في الميزان» قسم الشيعة والتشيّع، ص 56 و57، طبعة دار التعارف ببيروت. وفي الطبعة المستقلّة لكتاب «الشيعة والتشيّع» ص 57 و58، مكتبة المدرسة ودار الكتاب اللبنانيّ، بيروت.
[60] الآية 188، من السورة 7: الأعراف.
[61] الآية 20، من السورة 10: يونس. فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ.
[62] الآية 65، من السورة 27: النمل.
[63] كتاب «الشيعة في الميزان» قسم الشيعة والتشيّع، ص 42 إلى 45، طبعة دار التعارف بيروت، وفي الطبعة المستقلّة: ص 42 إلى 45 أيضاً.
[64] ما أجمل كلام السيّد على خان المدنيّ الشيرازيّ رضي الله عنه في توضيح هذه الحقيقة، إذ قال في شرحه على الصحيفة، ص 14، الطبعة الرحليّة، و: ج 1، ص 108 إلى 110، طبعة جماعة المدرّسين: قال بعض المحقّقين: اعلم أنّه ليس المراد [بقول يحيى بن زيد للمتوكّل بن هارون: ولكنّي أعلم أنّ قوله حقّ، أخذه عن آبائه وأنّه سيصحّ]، ما يفهمه الظاهريّون من الناس [أنّ الصادق عليه السلام أخذ علمه عن آبائه واحداً بعد آخر حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله] أنّ من شأنهم حفظ الأقوال خلفاً عن سلف حتى يكون فضلهم على سائر الناس بقوّة الحفظ للمسموعات أو بكثرة المحفوظات، بل المراد أنّ نفوسهم القدسيّة قد استكملت بنور العلم وقوّة العرفان بسبب اتّباع الرسول صلى الله عليه وآله بالمجاهدة والرياضة، مع زيادة استعداد أصليّ وصفاء وطهارة في الغريزة فصارت كمرآة مجلوّة يحاذي بها شطر الحقّ بواسطة مرآة اخرى أو بغير واسطة. ألا ترى أنّ المرايا المتعدّدة المتحاذية، أو المحاذية لمرآة اخرى هي بحذاء الشمس ينعكس ضوء الشمس إلى جميعها، فهكذا حال مَن اتّبع الرسول حقّ المتابعة يصير محبوب الحقّ كما قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ (الآية 31، من السورة 3: آل عمران)، ومن أحبّه الله تعالى أفاض الله عليه كما أفاض على حبيبه صلوات الله عليه، لكنّ الفرق ثابت بين المتبوع والتابع. وبالجملة، يجب أن يعلم أنّ علوم الأئمّة عليهم السلام ليست اجتهاديّة ولا سمعيّة من طرق الحواسّ، بل علومهم كشفيّة لدنّيّة تفيض على قلوبهم أنوار العلم والعرفان عن الله سبحانه، لا بواسطة أمر مباين من سماع، أو كتابة محسوسة، أو رواية. أو شيء من هذا القبيل. وممّا يدلّ على ما بيّنّاه وأوضحناه قول أمير المؤمنين عليه السلام: عَلَّمني رسول الله صلى الله عليه وآله ألف بابٍ من العلم فانفتح لي من كلّ باب ألف بابٍ. («تاريخ دمشق» لابن عساكر، تصحيح محمّد باقر المحموديّ، ج 2، ص 483؛ و«منتخب كنز العمّال» المطبوع بهامش «مسند أحمد بن حنبل» ج 5، ص 43). وقول الرسول صلى الله عليه وآله: اعطيتُ جوامِعَ الكَلِمِ («مسند أحمد بن حنبل» ج 2، ص 412؛ و«سنن الترمذيّ» ج 4، ص 123، الحديث 1553) واعطِيَ عليّ جوامع العلم («الأنوار النعمانيّة» ج 1، ص 32) ومعنى تعليم الرسول له عليه السلام هو إعداد نفسه الشريفة القابلة لأنوار الهداية على طول الصُّحبة ودوام الملازمة بتعليمه وإرشاده إلى كيفيّة السلوك إلى الله تعالى بتطويع النفس الحيوانيّة وقواها لما أمرها بها واستخدمها فيه الروح العقليّ الإلهيّ، وإشارته صلى الله عليه وآله إلى أسباب التطويع والرياضة حتى استعدّ عليه السلام للانتقاش بالامور الغيبيّة والإخبار عن المغيبات. وليس التعليم البشريّ، سواء كان المعلّم رسولًا أو غيره هو إيجاد العلم، وإن كان أمراً يلزمه الإيجاد والإفاضة من الله تعالى. وفي قوله صلى الله عليه وآله: واعطي عليّ جوامع العلم («الأنوار النعمانيّة» ج 1، ص 32) بصيغة البناء للمفعول دليل ظاهر على أنّ المعطي لعليّ جوامع العلم ليس هو النبيّ صلى الله عليه وآله، بل الذي أعطاه ذلك هو المعطي للنبيّ جوامع الكلم، وهو الحقّ سبحانه وتعالى، فافهم هذا المقام فإنّه من مزالّ الأقدام- انتهى كلام بعض المحقّقين.
[65] الآيات 26 إلى 28، من السورة 72: الجنّ.
[66] مرّ الكلام حول هذا القانون في الجزء الأوّل من كتاب «معرفة المعاد»، القسم الثالث، المجلس الرابع. وجاء في الهامش: هذه العبارة المعروفة للشيخ الرئيس ابن سينا، ونقلت في كثير من كتبه. والمراد من الإمكان هنا الاحتمال العقليّ لا الإمكان الذاتيّ. وذكر الشيخ الرئيس في الصفحة الأخيرة من كتاب «الإشارات» الطبعة الحجريّة، وفي: ج 4، ص 159 و160، الطبعة الحديثة، الكلام الآتي تحت عنوان النصيحة: أيّاك أن يكون تكيُّسك وتبّرؤك عن العامّة هو أن تنبري منكراً لكلّ شيء. فذلك طيش وعجز. وليس الخرق في تكذيبك ما لم يستبن لك بعد جليّته دون الخرق في تصديقك ما لم يقم بين يديك بيّنة. بل عليك الاعتصام بحبل التوقّف. وإن أزعجك استنكار ما يوعاه سمعك ما لم تتبرهن استحالته لك، فالصواب أن تسرح أمثال ذلك إلى بقعة الإمكان ما لم يذدك عنه قائم البرهان.
[67] إنّ المحقّق الجرجانيّ المذكور في كثير من الكتب هو العالم الرفيع المنزلة المير السيّد عليّ بن محمّد بن عليّ الحسينيّ الأسترآباديّ. كان متكلّماً بارعاً وحكيماً ماهراً، وكان أفضل عصره في العربيّة. وهو صاحب المصنّفات والحواشي المعروفة، كشرحه على «الكشّاف»، و«الكافية»، و«الشمسيّة»، و«شرح المطالع»، و«شرح المواقف» للقاضي عضد الإيجيّ في علم اصول الكلام، وشرح «المطوّل» للتفتازانيّ على «مفتاح العلوم» للسكّاكيّ. ولد بشيراز سنة 816 هـ. ونقل العالم الجليل الكريم السيّد على خان في «رياض السالكين» ص 14، 15 من الطبعة الرحليّة سنة 1317، و: ج 1، ص 112، 113 من طبعة جماعة المدرّسين مطلباً حول علم الجفر والجامعة لأمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلّين. ومن المناسب أن نذكر فيما يأتي فقراته كلّها لإرشاد أهل النظر والفكر. يقول هذا العالم الكبير: تَتِمَّةٌ: قال المحقّق الشريف في «شرح المواقف» في مبحث تعلّق العلم الواحد بمعلومين: إنّ الجفر والجامعة كتابان لعليّ كرّم الله وجهه قد ذكر فيهما على طريقة علم الحروف الحوادث التي تحدث إلى انقراض العالم، وكان الأئمّة المعروفون من أولاده يعرفونهما ويحكمون بهما. وفي كتاب قبول العهد الذي كتبه عليّ بن موسى الرضا رضي الله عنهما إلى المأمون: إنّكَ قد عرفتَ من حقوقنا ما لم يعرفه آباؤك فقبلت منك عهدك إلّا أنّ الجفر والجامعة يدلّان على أنّه لا يتمّ. ولمشايخ المغاربة نصيب من علم الحروف ينتسبون فيه إلى أهل البيت. ورأيت بالشام نظماً اشير فيه بالرموز إلى أحوال ملوك مصر. وسمعتُ أنّه مستخرج من ذينك الكتابين. (إلى هنا كلام الشريف) وبعض العامّة ينسب الجفر إلى الصادق عليه السلام. قال ابن قتيبة في كتاب «أدب الكاتب»: وكتاب الجفر جلد جفر كتب فيه الإمام جعفر بن محمّد الصادق رضي الله عنهما لأهل البيت كلّ ما يحتاجون إلى علمه وكلّ ما يكون إلى يوم القيامة- (انتهى).
[68] هو سماحة آية الله الشيخ محمّد تقي بهجت الفومنيّ الرشتيّ دام ظلّه العالي. وكان من تلامذة سماحة آية الحقّ وسند التحقيق وعماد العرفان في العصر الأخير في النجف الأشرف المرحوم آية الله الميرزا السيّد على آغا القاضي الطباطبائيّ قدّس الله تربته الزكيّة. تلميذ له في العرفان والأخلاق. ولم يبق من طلّاب ذلك الفقيد إلّا هو وسماحة آية الله الشيخ على أكبر المرنديّ في مرند، وفضيلة حجّة الإسلام العلّامة الشيخ الأنصاريّ اللاهيجيّ المقيم حالياً في مشهد. أبقاهم الله ذخراً للإسلام وسنداً للمسلمين، ومتّعنا وجميع المؤمنين بدوام ظلّهم الممدود إلى يوم الورود. وذكرت ترجمة موجزة لسماحة آية الله بهجت الفومنيّ في الجزء الأوّل من كتاب «نور ملكوت القرآن» المطبوع، وهو من دورة أنوار الملكوت، القسم السادس من دورة العلوم والمعارف الإسلاميّة.
[69] أصل الحديث: إنّ الوصولَ إلى الله عزّ وجلّ سَفَرٌ لا يُدرَكُ إلّا بامتطاء الليل، من لم يحسن أن يمنع (طعاماً ونوماً) لم يُحسن أن يُعْطِيَ (ثمار إقامة الليل).
[70] الآية 6، من السورة 73: المزّمّل.
[71] كتاب «الإمام جعفر الصادق» ص 206 و207، طبعة جمهوريّة مصر العربيّة، المجلس الأعلى للشؤون الإسلاميّة، القاهرة، 1397 هـ.
[72] «سفينة البحار» ج 1، ص 15، مادّة صحف.
[73] «بحار الأنوار» ج 11، ص 224، أحوال الإمام الصادق عليه السلام، طبعة الكمبانيّ، وفي: ج 7، ص 307 أيضاً، أحوال الأئمّة عليهم السلام نقلًا عن كتاب «الاختصاص» للشيخ المفيد.
[74] آخر الصفحة 279.
[75] وما يوافق هذا الحديث راجع: البخاريّ، ج 1، ص 40؛ و«جامع بيان العلم» ج 1، ص 71. وشرح الحديث في «إرشاد الساري» ج 1، ص 166 و167؛ و«عمدة القاري» ج 1، ص 561 و562؛ و«فتح الباري» ج 1، ص 182؛ و«شرح الكرمانيّ للبخاريّ»، المكتبة الظاهريّة، الحديث 52، آخر النصف الأوّل.
[76] في «الطبقات الكبير» ج 6، ص 77، ما يشبه بعض فقراته ويخالف بعضها الآخر.
[77] مثله بلفظ قريب منه عن الأعمش في ذمّ الكلام. (الهرويّ، ص 163).
[78] في «تذكرة الحفّاظ» ج 4، ص 63، ما يشبه بعض عبارات الحديث ويخالف بعضها الآخر.
[79] مثله باختصار عن الأعمش في «تذكرة الحفّاظ» ج 1، ص 3. ونصّ عليه في «جامع البيان» ج 1، ص 71.
[80] مثله بلفظ متقارب عن شريك في ذمّ الكلام للهرويّ، ص 263، وفيه: وعليه سيف حليته من حديد. وفيه أيضاً خبر صحيفة اخرى كانت عند عليّ عليه السلام. (ردّ الدارميّ على بشر المريسيّ، ص 130)؛ و«توجيه النظر» ص 16 و17؛ وخبر كتاب قضاء عليّ في «توجيه النظر» ص 8. («تقييد العلم» ص 88 و89، الطبعة الثانية، نشر دار إحياء السنّة النبويّة).
[81] «تقييد العلم» ص 89.
[82] من العجب أنّ محمّد عجّاج الخطيب اعترف بهذه الحقيقة في كتاب «السّنة قبل التدوين» ص 345، وقال: وقد اشتهرت صحيفة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب التي كان يعلّقها في سيفه، فيها أسنان الإبل، وأشياء من الجراحات، وحرم المدينة، ولا يقتل مسلم بكافر. وقال في الهامش: انظر: «مسند الإمام أحمد» ج 2، ص 35، و44، و121، و131؛ و«فتح الباري» ج 7، ص 83؛ و«ردّ الدارميّ على بشر» ص 130. وقال صاحب تفسير «المنار» ج 6، ص 470، في سياق تفسير الآية: يا أيّها الرَّسُولُ بلِّغ ما انزل إليك من ربّك: ومن هذا الباب ما ثبت في الصحيحين والسُّنن من سؤال بعض الناس عليّاً المرتضى: هل خَصَّهُمُ الرسول بشيءٍ من الوحي أو علم الدين؟! يعني أهل البيت. ثمّ يسرد سؤال أبي جحيفة الإمام وجواب الإمام عنه على هذا المنوال.
[83] «أضواء على السنّة المحمّديّة، أو دفاع عن الحديث» ص 94 إلى 96، الطبعة الثالثة، دار المعارف بمصر.
[84] أبو رافع مولى رسول الله، واسمه أسلم. وكان للعبّاس بن عبد المطّلب فوهبه لرسول الله، وهو الذي عمل منبر رسول الله من أثل الغابة. وكانت سلمى مولاة رسول الله عند أبي رافع فولدت له عبيد الله بن أبي رافع كاتب أمير المؤمنين عليه السلام (الأثل شجر من فصيلة الطرفائيّات. خشبه صلب جيّد تصنع منه القصاع والجفان. والغابة الأجمة. أي: من الشجر المسمّى بالأثل والنابت في الغابة).
[85] ص 27 و28، عن كتاب «الشيعة وفنون الإسلام» لمؤلّفه السيّد حسن الصدر من علماء العراق، مطبعة العرفان بصيدا، سنة 1331.
[86] «المطالعات والمراجعات والردود» ص 56.
[87] «أضواء على السنّة المحمّديّة» ص 272 و379.
[88] «أضواء على السنّة المحمّديّة» ص 379.
[89] «بحار الأنوار» ج 7، ص 283، الطبعة القديمة (الكمبانيّ)، و: ج 26، ص 36، الحديث 66، طبعة المطبعة الحيدريّة؛ و«بصائر الدرجات» ص 41.
[90] القطيعة أرض الخراج وجمعها قطائع.
[91] في نسخة الكمبانيّ: عيطة؛ وفي الطبعة الحيدريّة: عبيطة.
[92] «بحار الأنوار» ج 7، ص 283، الطبعة القديمة (الكمبانيّ)، و: ج 26، ص 37، الحديث 67، طبعة المطبعة الحيدريّة؛ و«بصائر الدرجات» ص 41.
[93] «بحار الأنوار» ج 7، ص 287، الطبعة القديمة (الكمبانيّ)، و: ج 26، ص 51، الحديث 101، طبعة المطبعة الحيدريّة؛ و«بصائر الدرجات» ص 45.
[94] «أعيان الشيعة» الجزء الأوّل، القسم الأوّل، ص 350 إلى 352، الطبعة الثانية، سنة 1363 هـ، مطبعة ابن زيدون، دمشق.
[95] الآية 45، من السورة 25: الفرقان.
[96] الآية 11، من السورة 41: فصّلت.
[97] (3 و4)- الآية 30، من السورة 21: الأنبياء
[98] (3 و4)- الآية 30، من السورة 21: الأنبياء
[99] الآية 53، من السورة 20: طه.
[100] اقتباس من الآية 89، من السورة 16: النحل.
[101] «أعيان الشيعة» ج 1، ص 318 إلى 330، مطبعة ابن زيدون، دمشق، سنة 1363، الطبعة الثانية.
[102] «بحار الأنوار» ج 7، ص 285، طبعة الكمبانيّ، وفي طبعة المطبعة الحيدريّة؛ ج 26، ص 45، الحديث 79؛ و«بصائر الدرجات» ص 42.
[103] «بحار الأنوار» ج 7، ص 285، وفي طبعة المطبعة الحيدريّة: ج 26، ص 41، الحديث 72؛ و«بصائر الدرجات»، ص 42.
[104] «بحار الأنوار» ج 7، ص 285، طبعة الكمبانيّ، و: ج 26، ص 44، الحديث 77، طبعة المطبعة الحيدريّة؛ و«بصائر الدرجات» ص 43.
[105] «بحار الأنوار» ج 7، ص 285، طبعة الكمبانيّ، و: ج 26، ص 41 و42، الحديث 73، طبعة المطبعة الحيدريّة، و«بصائر الدرجات» ص 42.
[106] «بحار الأنوار» ج 7، ص 286، طبعة الكمبانيّ، و: ج 26، ص 48، الحديث 91، الطبعة الحيدريّة؛ و«بصائر الدرجات» ص 44.
[107] الآية 7، من السورة 28: القصص.
[108] اكْتَوَي: تَمَدَّح نفسه بما ليس فيه. تَمَدَّحَ: افتخر بما ليس عنده.
[109] «أعيان الشيعة» القسم الأوّل من ج 1، ص 353 إلى 358، الطبعة الثانية، مطبعة ابن زيدون، دمشق، سنة 1363.
[110] قال في الهامش: رواه الصدوق في الحديث الأوّل من المجلس 63 من أماليه، ص 359، طبعة الغري، وليس فيه قوله: «أنبأنا أبي».
[111] قال في الهامش: ولهذا الصدر شواهد كثيرة مذكورة في تفسير قوله تعالى: وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ، الآية 12، من السورة 69: الحاقّة، من كتاب «شواهد التنزيل» ج 2، ص 272؛ وفي الباب 69 من كتاب «غاية المرام» ص 366.
[112] «فرائد السمطين» للحمّوئيّ، من أعلام القرنين السابع والثامن. ولد سنة 644 هـ، وتوفّي سنة 730 هـ، ج 2، ص 259، الباب 50.
[113] ذكر المرحوم السيّد محسن الأمين كيفيّة محاسبة الإمام الصادق عليه السلام بخصائصها في «أعيان الشيعة» القسم الأوّل من ج 1، ص 358 و359، عن الكلينيّ في «الكافي». ولم نذكر هنا هذه المحاسبة المنطقيّة الدقيقة ضمن بيانه في تضاعيف «مصحف فاطمة» مراعاة للإيجاز.
[114] أقول: لا جَرَمَ أنّ هذه الآية من وضع عائشة عند ما عرفت أن لا نصيب لأبيها أبي بكر من الصلاة النازلة على النبيّ في القرآن بعد ما علمت بكيفيّتها وبإلحاق النبيّ الصلاة على آل محمّد بها. وما كان له أن يزيد عليها: وعلى أبِي بَكر الصدِّيق. فلهذا لمّا كان أبو بكر يصلّي في الصفّ الأوّل دائماً، عمّمت ابنته الصلاة على جميع المصلّين في الصفّ الأوّل ليكون لأبيها حظّ منها.
[115] «الشيعة في الميزان» القسم الأوّل: «الشيعة والتشيّع» ص 57 إلى 62، والطبعة المستقلّة لكتاب «الشيعة والتشيّع» ص 56 إلى 63.
[116] «الإمام جعفر الصادق» ص 200، طبعة القاهرة، سنة 1397، جمهورية مصر العربيّة، المجلس الأعلى للشؤون الإسلاميّة.
[117] قال المعلّق في الهامش: رواه في الباب 28 من كتاب «إكمال الدين» ص 179، ط 1، و: ص 301، ط 3؛ ورواه أيضاً في الحديث الثاني من الباب السادس من كتاب «عيون أخبار الرضا عليه السلام» ص 34؛ ورواه أيضاً الشيخ الطوسيّ بسند آخر في الجزء 11 من أماليه: ج 1، ص 297.
[118] ومثله في هامش الطبعة الأولى من كتاب «إكمال الدين»، ولكن عقّبه ب- «خ ل»، وفي متنه: «عن أبي الحسن صالح بن أبي حمّاد ...».
[119] كذا في نسخة السيّد على نقي، ومتن «إكمال الدين»، وفي هامشه عن «خ ل»، ومثله في نسخة طهران من «فرائد السمطين»: «و الحسين بن إبراهيم ناتانة».
[120] كذا في الأصل، وفي «إكمال الدين»: ليسرّني بذلك ... .
[121] كذا في الأصل عدا ما بين المعقوفات، وفي «إكمال الدين»: فقال له: يا جابر! انظر أنت في كتابك لأقرأه أنا عليك، فنظر جابر في نسخته، فقرأه عليه أبي عليه السلام. فو الله ما خالف حرف حرفاً. قال جابر: فإنّي أشهد بالله أنّي هكذا رأيته في اللوح مكتوباً.
[122] كذا في الأصل؛ وفي «إكمال الدين»: وابنه سميّ جدّه المحمود، وفي هامشه: وابنه شبه (خ ل).
[123] كذا في الأصل؛ وفي «إكمال الدين»: «لحكمتي».
[124] قال في الهامش: كذا في الأصل. وأقول: الحِنْدِس: الليل الشديد الظُّلمة. ج: حنادس؛ وفي «إكمال الدين»: وانتجبتُ بعدهُ فتاةً لأنّ حفظه فرضٌ لا ينقطع وحجَّة لا تخفي وأنّ أوليائي لا ينقطع أبداً.
[125] هذا هو الظاهر الموافق ل- «إكمال الدين» غير أنّ فيه: بكُلّ أوليائي؛ وفي أصلَي كليهما: إنَّ المكذِّبَ بالثلاثة ... .
[126] ومثله في متن «إكمال الدين»، وفي هامشه: وأمْتَحِنُهُ (خ ل).
[127] عفريت: خبيث منكر. النافذ في الأمر مع دهاء، سواء كان من الجنّ أم الإنس أم الشياطين. جمعه: عَفاريت، ومؤنّثه: عِفْرِيتَة.
[128] كذا في الأصلين؛ وفي «إكمال الدين»: حكمتي.
[129] هذا هو الظاهر الموافق ل- «إكمال الدين»، وفي الأصلين: فجعلتُ الجنَّةَ ... أهل بيتي. راجع: الحديث 2، الباب 6، «عيون الأخبار» ص 34، والجزء 11 من «أمالي الطوسيّ» ج 1، ص 297.
[130] كذا في الأصلين، وفي «إكمال الدين»: وستذلّ أوليائي في زمانه ويتهادون [و يتهادي (خ ل)] رؤوسهم كما تتهادي رؤوس الترك والديلم.
[131] ما بين المعقوفين هاهنا وما تقدّم من هذا الحديث مأخوذ من كتاب «إكمال الدين»، وفيه أيضاً: تصبغ الأرض من دمائهم ... .
[132] ومثله في «إكمال الدين»، ولكن في نسخة منهـ كما ذكرها في هامشه-: وأرفع القيود والأغلال.
[133] «فرائد السمطين» ج 2، ص 136 إلى 139، الباب 32.
[134] «الاحتجاج» ص 41 و42.
[135] «الاختصاص» ص 210 إلى 212.
[136] «الغَيبة» ص 101 إلى 103.
[137] «الغَيبة» ص 29 إلى 31.
[138] «بحار الأنوار» تاريخ أمير المؤمنين، باب 40، في نصوص الله على الأئمّة عليهم السلام من خبر اللوح والخواتيم، ج 9، ص 120 و121، طبعة الكمبانيّ؛ وفي طبعة المطبعة الحيدريّة: ج 36، ص 195 إلى 200؛ و«إكمال الدين» ص 179 و180؛ و«عيون أخبار الرضا» ص 25 إلى 27.
[139] «بحار الأنوار» ج 9، ص 121 و122، طبعة الكمبانيّ، و: ج 36، ص 201، الطبعة الحيدريّة. وذكر الشيخ القمّيّ إجمال هذا الحديث عن عبد العظيم الحسنيّ في ج 2، ص 516، من «سفينة البحار»، مادّة لوح.
[140] «اصول الكافي» ج 1، ص 527 و528.
[141] «إعلام الوري بأعلام الهدي» ص 371 إلى 373.
[142] «فرائد السمطين» ج 2، ص 139، الحديث 433.
[143] «بحار الأنوار» ج 9، ص 122، طبعة الكمبانيّ، و: ج 36، ص 201، الحديث 4، طبعة المطبعة الحيدريّة؛ و«إكمال الدين» ص 181؛ و«عيون أخبار الرضا» ص 28. وذكره الشيخ الطبرسيّ في «إعلام الوري» ص 373 و374.
[144] «فرائد السمطين» ج 2، ص 139، الحديث 434.
[145] «فرائد السمطين» ج 2، عن «بحار الأنوار»؛ و«إكمال الدين» ص 181؛ و«عيون الأخبار» ص 28.
[146] «الخصال» ج 2، ص 78.
[147] «إكمال الدين» ص 157.
[148] «عيون الأخبار» ص 28.
[149] «الغَيبة» ص 100.
[150] «فرائد السمطين» ج 2، ص 140 و141.
[151] «فرائد السمطين» عن «بحار الأنوار» ص 120، طبعة الكمبانيّ، و: ص 193 و194، طبعة المطبعة الحيدريّة؛ و«إكمال الدين» ص 178؛ و«عيون الأخبار» ص 24 و25.
[152] خاتَم (بفتح التاء): ما يُخْتَم به الشَّيءُ كالختم اليدويّ، أو فصّ الخاتم الذي يختم به في آخر الرسائل. ويقال للخاتم خاتم لأنّ ختم الإنسان عنده دائماً، وهو متيسّر في الغيبة والحضور لختم الرسائل والمعاهدات والمواثيق؛ لهذا كان يُسجّل اسم صاحب الخاتم على الفصّ مع اسم الله وأسمائه الحسنى. ويُنزَع الخاتم من اليد عند الختم ليُخْتَمَ به ثمّ يُعاد إليها. ونلحظ في هذا الحديث أنّ الخاتم استُعمل هنا بمعنى الختم من أجل إحكام تلك الصحيفة وتشميعها. ومن هنا قيل للنَّبيّ: خاتم النبيّين بمعنى مَنْ يُخْتَمْ به الأنبياء، ولا نبيّ بعده.
[153] «بحار الأنوار» الباب 40، نصوص الله عليهم من خبر اللوح والخواتيم، وما نصّ به عليهم في الكتب السالفة وغيرها، من كتاب تاريخ أمير المؤمنين، ج 9، ص 120، طبعة الكمبانيّ، و: ج 36، ص 192 و193، الحديث 1، طبعة المطبعة الحيدريّة؛ وكتاب «إكمال الدين» ص 376؛ و«الأمالي» للصدوق، ص 242.
[154] «الأمالي» للشيخ الطوسيّ، ص 282.
[155] «بحار الأنوار» ج 9، ص 122، طبعة الكمبانيّ، و: ج 36، ص 203 و204، طبعة المطبعة الحيدريّة؛ و«علل الشرائع» ص 68.
[156] «بحار الأنوار» ج 9، ص 122؛ و«إكمال الدين» ص 134 و135.
[157] «بحار الأنوار» ج 9، ص 124، طبعة الكمبانيّ، و: ج 36، ص 209 و210، طبعة المطبعة الحيدريّة؛ و«الغيبة» للنعمانيّ، ص 24.
[158] «بحار الأنوار» ج 9، ص 124، طبعة الكمبانيّ؛ و«الغَيبة» للنعمانيّ، ص 24.
[159] «بحار الأنوار» ج 9، ص 124، طبعة الكمبانيّ؛ و«الغَيبة» للنعمانيّ، ص 25.
[160] «تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام» ص 280.
[161] «الشيعة وفنون الإسلام» ص 66، مطبعة صيدا، سنة 1331.
[162] «الفصول المهمّة في تأليف الامّة» ص 179 و180، الطبعة الخامسة، مطبعة النعمان.
[163] جاء في كلام المؤلّف: العقد الخمس، وهذا من سهو القلم، لأنّ الجميع كتبوا أنّه توفّي في أوّل خلافة أمير المؤمنين عليه السلام، وكانت خلافته عليه السلام في سنة 35 هـ.
[164] كتاب «جنّة المأوى» ص 156 و157، للشيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاء، تعليق السيّد محمّد عليّ القاضي الطباطبائيّ، طبعة تبريز، سنة 1380 هـ.
[165] «كتاب سُليم» ص 5، الطبعة الثالثة، النجف الأشرف.
[166] وقيل: وفاته بعد قتل عثمان، وقيل: مات في خلافة عليّ.
[167] «نظرة عامّة في تاريخ الفقه الإسلاميّ» ص 118.
[168] «السنّة قبل التدوين» ص 346، طبعة دار الفكر.
الاكثر قراءة في سيرة الامام علي ـ عليه السلام
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)