أخلصُ إلى القول إن العرب عَلَمٌ جَامِعٌ يدلُّ على كتلة حضارية تاريخية لغوية اجتماعية واحدة متَّصلة الحلقات منذ انحسار العصر الجليدي الأخير، أي منذ اثني عشر ألف سنة.
من ناحية أخرى فإن أوَّل ظهور تاريخي مسجَّل لاسم العرب هو ما وجدناه على نقش يعود إلى زمن الملك الآشوري شلمنصر الثالث ابن الملك آشور ناصربال الثاني، ويعود زمن حُكمِه إلى القرن التاسع قبل الميلاد، ويصف هذا النقش حملة قادها هذا الملك لإخضاع ما قُدِّر أنه مشيخة قديمة قُرِئ اسم شيخها بأكثر من عشر صيغ مختلفة، لكن الثابت هو «جُنْدُب»، ولا نحتار كثيرًا في نَقْحَرَة هذا الاسم من الكتابات الآشورية؛ لأنه قد استقرَّ في أسماء العرب بهذه الصيغة، وأنتم تعرفون جُنْدُبَ بنَ جُنادَةَ، وهو اسم الصحابي أبي ذَرٍّ الغِفاري.
في هذا النقش وصفت هذه الإمارة أو المشيخة بكلمة عرب، وهي مفردة صِيغت أيضًا بأكثر من عشر صيغ مختلفة، إلا أن دلالتها العامة لن تكون إلا كما نعرفها الآن، أي العربية، أو الأعرابية. حرفيًّا matu-a-rabi وكلمة matu الأَكَديَّة تعني أرض أو بلاد، والأصل فيها mada السومرية وقد استقرَّت في العربية بالصيغة ذاتها: مدًى.
لا يوجد الآن نقش أقدم من هذا المؤرَّخ بالقرن التاسع قبل الميلاد، إلا أننا نعرف أن الاسم الأَكَدي rabbu (وهو الجذر الكنعاني والآرامي والعبري والعربي: رب rb) قد نشأ عن الأصل السومري rib الذي يفيد دلالتَين رئيستَين: الأولى هي علو المنزلة، والثانية هي الترحال والذهاب؛ إلا أن عدم وجود نقوش أخرى لا يعني شيئًا بالنسبة إلى إثبات وجود العرب أنفسهم، إذا سلَّمنا جدلًا بأن اسم العرب قد عبَّر في البداية عن تلك القبائل

مسارات الجَولان والحراك الثقافي والاجتماعي الأفروآسيوي القديم.
التي خرجت عن سلطان الآشوريين، قبل أن يصبح علمًا تختص به قبائل الجزيرة العربية شمالها ووسطها وجنوبها، في وقت لاحق. ذلك أننا في الحقيقة إذا قمنا بتأثيل اسم «عرب» في اللغة السومرية، وَفقًا للمنهج الاسترجاعي المشار إليه، سوف نجد ما يلي:
(1) الرُّحَّل، وتقابلها كلمة «ربو» بصيغة الجمع، في المصرية القديمة، وأقارنها بالجذر السومري rb، وهم البدو الرُّحَّل. والكلمة أيضًا علم على جَمْع قبائلِ الليبيين التي غزت مصر في عهد مِرِنْبِتاح، ثم رمسيس الثالث في أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الثاني عشر ق.م. وفي هذا التشابه إحالة مؤكدة على التواصل الأفروآسيوي، اللغوي والتاريخي.
(2) ذوو المنزلة الرفيعة، رءوس القوم، الأرباب. كما استقرت أيضًا في rb الكنعانية والآرامية بمعنى ربِّ القوم، رئيسهم، سيدهم.
(3) الرعاة، سائسو المواشي.
(4) القادمون من بعيد؛ بإحالتها إلى ri في جذر رعي، وbi في جذر بين وبعد.
(5) الكُثر، لعددهم. وقارن الكثرة بالعربية «ربا».
(6) الخُلَطاء، للجهل بأرومتهم.
(7) المتوطِّنون، تمييزًا لهم عمن يقدَم لمدة مؤقَّتة ويعبر.
(8) المقايضون، المتاجرون مع المحليين بيعًا وشراءً (1).
نحن إذن نذهب إلى أبعد من نقش القرن التاسع قبل الميلاد، فإذا كان المدخل الوحيد لفهم أبعاد ما ورد على هذا النقش هو المدخل اللغوي، فإننا، من باب أولى، نستطيع العودة إلى السومرية، لإدراك ما هو غائب الآن بسبب عدم توافُر اللقى والمكتشفات الأثرية؛ لكنني أشعر أن توافُر الشواهد الأثرية على ما ذهبتُ إليه من فرضيَّات إنما هي مسألة زمن لا أكثر.
ما كان يمنعنا — من الناحية العلمية — في السابق من أن نتحدث على هذا النحو هو القطيعة التي وُضِعت عمدًا بين السومرية وغيرها من اللغات الأفروآسيوية، لولا ذلك لكان البحث التاريخي اتجه اتجاهًا آخر، ولقرأنا الأصول بدءًا من السومريين، أي بدءًا من منتصف الألف الرابعة قبل الميلاد بالنسبة إلى تدوين اللغة، وبدءًا من الألف العاشرة قبل الميلاد بالنسبة إلى التكوين الاجتماعي.
لتشعب هذا الموضوع واكتظاظه، حاولت أن اختار أهمَّ النقاط لأصِلَ بينها، فتكون الصورة واضحة، وكتاب «ما قبل اللغة» يتناول بشكل تفصيلي جميع ما ذكرت، وبخلاصة أولى نستطيع القول إن العربيَّة هي عَلَم جامع على السومرية والأَكَديَّة وفرعَيها الآشورية والبابلية، وعلى الأوغاريتية والكنعانية والآرامية وغيرها في الشمال، كما يضم السبَئية والمَعِينية والقتبانية والحضرمية وغيرها في الجنوب … هي كتلة لغوية واحدة، نشأت عن كتلة حضارية واحدة، متصلة الأجزاء، حتى وإن تعددت أسماؤها، فتعدُّد هذه الأسماء لا ينفي على الإطلاق حقيقة اتصال حلقات هذه الكتلة وأجزائها.
أختم بالقول إن وجود العرب أنفسهم يعود إلى الألف العاشرة قبل الميلاد، وإن تدوين العربية بدأ منذ زمن أقدم بكثير مما هو متداوَل بيننا الآن، أي في منتصف الألف الرابعة، ولم يكن ذلك بخط الجزم، بل بِرَقْن المسماريات. وعندما أقول «العرب» فإنني أعني اسمًا جامعًا للمسارات التاريخية الكبرى في الحوض الأفروآسيوي بما شهده من حضارات وأقوام منذ أن شهدت بلاد ما بين النهرين وشمال الجزيرة العربية أول التجمُّعات القارَّة، غير المسمَّاة آنذاك لغياب التدوين، وهي التي ستتحول تدرُّجًا بعد ذلك إلى ما نعرفه من حضارات قديمة، كان أولها ما عُرِف باسم السومريين.
.....................................
1-انظر في آخر الكتاب مقالة «من هم العرب؟ تأثيل سومري».