قلتُ إن الكنعانيين بدءوا يتوطَّنون شرق المتوسط بالتزامن مع استتباب الأمر للأَكَديين في منتصف الألف الثالث ق.م. ولكننا عندما نأتي إلى الكنعانيين نجد أن هناك لغزًا في تاريخنا العربي غير مُجابٍ عنه بعد؛ إذ لا أحد يستطيع الجزم بأصول الكنعانيين، أو متى ومن أين جاءوا قبل أن يتوطنوا شرق المتوسط، فيما سيُعرَف بعد ذلك في تاريخ الحضارات باسم فِينِيقيا. الآراء متعدِّدة ومتضاربة، وهناك مجموعة ألغاز تتصل بالكنعانيين تباعًا.
للإجابة عن مثل هذه الأسئلة يجب علينا النظر في أقدم الآثار اللغوية، علينا أن نبدأ بالسابق، وعلينا أن نواصل من هناك عبور الأزمنة باتجاه اللاحق.
عرفنا أن السُّومريين أطلقوا على بلادهم اسم «كِنْگي» التي عبَّروا بها عن أنفسهم بمعنى «بلاد السادة الأصليين» وعبرنا عنها اختصارًا ﺑ «بلاد الأحرار»، وهذه الكلمة في لهجتهم العامة المسمَّاة «إمِسَلْ» Emesal هي «كنآنَگ» ka-na-aĝ، ونستطيع قراءتها «كنآن» لسببين:
• لقد وجدنا أن حرف «نْگ» ĝ الأخير يتحوَّل عند المقارنة بالأفروآسيويات إلى أحد مُكوِّنَيه؛ النون (ن)، أو القاف اليمانية أي الگاف (گ).
• في غير حالة الإبدال هذه، أو التفكيك إذا صحَّت التسمية، نجد أن الصامت الأخير من الأسماء يُحذَف عادةً في اللغة السومرية، كما في «إمِگر» eme-gir التي تتحوَّل إلى «إمِگي» eme-gi، وقد طالعنا هذا المثال. وقريب من هذه الظاهرة حذف النون في الآرامية حينما تكون في آخر الأسماء في حال المطلق في الجمع، وحذف الراء من آخر الكلمة أيضًا، وظاهرة حذف الصامت الأخير عرفتها العربية كذلك.
على هذا النحو فإن قراءة الكلمة بصيغة «كنآن» هي قراءة صحيحة، وترون معي أن هذه الكلمة ليست سوى صيغة تلفُّظية من كلمة «كنعان»، هذا الاسم في الحقيقة هو كنعان، كنعان هي سُومر، والكنعانيون هم السومريون.
أما حرف العين المضمَر هنا في المدِّ المفتوح فقد كنت أشرت في كتاب «ما قبل اللغة» وفي عدَّة محاضرات إلى ما أسميته ظاهرة «الحروف المغيَّبة»، وأعني بها إضمار أو تغييب عدة حروف في عدد قليل من العلامات، بحيث يتحوَّل تلفُّظ تلك العلامات، ثم نَقْحَرَتُها (أي نقلها حرفيًّا) إلى الكتابة اللاتينية عمليةً فيها الكثير من الاختزال المخِلِّ بالتنوُّع اللفظي الذي نعتقد أنه كان سائدًا في سُومر، وقد أوردتُ في أكثر من مكان أمثلة على هذه الظاهرة، ويمكن، على نحو دقيق، العودة إلى «ما قبل اللغة» للتعرف عليها، حيث قدَّمتُ ما أعتقدُ كفايته من الأمثلة.
كان سباتينوموسكاتي قد تناول التغيُّرات الصوتية التي تعتري النقوش الأصلية بعد نقْحَرَتها، وسأعرض عليكم مثالًا لذلك من أجل دعم فرضيَّة «الحروف المغيَّبة».
من هذه الظواهر مثلًا أن «غياب حرف الواو من السومرية يعود في الغالب إلى أسباب نقشيَّة لا إلى أسباب تلفظيَّة.» (موسكاتي 51) وإننا لنتساءل: لماذا كان الأَكَديون — مثلًا — ينطقون الصاد والقاف صريحتَين، في حين لم يعرفهما السومريون؟ إلا إذا رجَّحنا أن العلامات المسمارية إما أنها لم تحفظ ذلك، وإما أن اقتراح ملفوظيَّتها كان بطريقة فيها الكثير من تغليب المخارج الهندوأوروبيَّة، دون مراعاة الجوار الحضاري والثقافي الذي يتفق الجميع على جمعه بين السومريين والأَكَديين وغيرهما من الأقوام العاربة في بوتقةٍ ديموغرافيةٍ وجغرافيةٍ واحدة.
أفلا ينطبق الأمر نفسه على حرف العين في اسم «كنآن»؟
قد يعترض بعض الباحثين على مثل هذا الربط اللغوي بين أجزاء من تاريخنا الحضاري، فإذا كانت المتشابهات اللغوية ثابتة فكيف نبرِّر تحويلها إلى حقائق تاريخية؛ ومن ثَم اجتماعية؟ المسألة — بالنسبة لي — لا تعدو بحثًا نظريًّا لغويًّا مجردًا، ولكن لهذا البحث آثاره، وهو يلقي بظلاله على قراءة التاريخ، وعلى قراءة التكوينات الاجتماعيَّة، وتاريخ هذه التكوينات التي لم تُدوَّن نشأتها، ولم يُكتَب تاريخها الأول.
من الناحية النظرية — أيضًا — إذا كان هناك ما ينفي مثل هذه الإحالات، أعني من اللغة إلى التاريخ، إلى تاريخ المجتمعات، فلن يكون إلا نفيًا لغويًّا كذلك، أي إنه لا سبيل إلى دراسة هذا الموضوع إلا من باب اللغة — حتى الآن على الأقل.