نعرف من خبر الأقوام العاربة إذن أسماء: عاد، وثمود، وطسم، وجديس، وجُرهُم، وإلى هؤلاء نأخذ عن طه باقر ما ورد في أخبار الملوك السُّومريين من ذكر ﻟ «مواضع في جزيرة العرب؛ مثل البحرين (وسموها دلمون)، وموضع آخر بهيئة مگان (وهي عمان الآن) على أنها مصدر للنحاس، وملوخا وهي أيضًا في الجزء الجنوبي الشرقي من الجزيرة» (1).
ولا أرانا نستطيع حِسبان هذه المواضع بدلالة جغرافيتها مع إهمال سكانها، أنستطيع؟
هذه مواقع سُومريَّة في جزيرة العرب، وردت أسماؤها في الرُّقم المسمارية، ونحن لا نعثر في أي منها على ذكرٍ للعرب؛ لسبب منطقي، وهو أن اسم العرب لم يظهر آنذاك، بل كان لكل قبيلة أو ربض اسم خاص، ولم يكن السُّومريون من سكان جزيرة العرب يستخدمون اسمًا جامعًا يدلُّ على مجموع مدنهم وأرباضهم وقبائلهم، أي يتسمَّون به كشعب بين شعوب العالم، بقدر ما كانت الضرورة تدعوهم إلى أن يشيروا إلى أنفسهم، خاصةً في أثناء الصراع أو الاقتتال بين قبائلهم، بأسماء هذه القبائل والانتساب إليها، ولكنهم آخر الأمر لا يخرجون عن الصفة العامة التي يبدو أنهم كانوا يفضلونها، أي التي تكررت في الرقم المسمارية وهي «ذوو الرءوس السوداء»، (ءُنْسَنْگِي)، وقد استغرق هذا الوضع وقتًا طويلًا قبل أن يعرف هؤلاء أنهم ليسوا الشعب الوحيد في العالم المأهول، أو الإيكومين القديم، بعد أن اصطدموا في ترحالهم إلى الشرق وراء مستنقع الخليج بأقوام غريبة عنهم، أو بعد إمعانهم في الهجرة إلى الشمال حيث الجبالُ الفاصلة وهي تُخوم طبيعية لجزيرة العرب منذ القدم. ولكن تتبع الهجرات المتعاقبة لأقوام الجزيرة العربية نحو الشمال سرعان ما يبدو أكثر وضوحًا مع الأَكَديين.
يقول طه باقر: «جرى المؤرخون على تعداد موجات متعاقبة جاءت من الجزيرة واستوطنت أراضي الهلال الخصيب، وكانت أولى هذه الموجات هجرة الأَكَديين إلى العراق، ولا نعلم بوجه التأكيد متى جاءوا، ولكن مما لا شك فيه (…) تغلغَلَ الساميون [الأقوام العاربة] في العراق منذ أقدم العصور، ولكن عُرف منهم الأَكَديون في العهود التاريخية؛ لتوفر المصادر، ولأنهم سُموا باسم خاص، أي أَكَديين» (2).
لقد صحَّ أن المبدأ الأساسي في تتبُّع هجرات الأَكَديين هو الجزيرة العربية، ونحن لا نتصوَّر تأسيسهم دولتهم إلا باستيطانهم وتناسلهم في بلاد الرافدَين، وتشكيلهم ثقْلًا اجتماعيًّا وديموغرافيًّا جعلهم مؤهَّلِين لذلك، وهو ما يمكن عدُّه بالكثير من الأجيال التي استغرقت مئات السنين، ولا يمكن في هذه الحالة الحكم بأرومتهم أو الاستناد إلى نقاء نَسبهم وعدم اختلاطهم بغيرهم من القبائل التي كانت تفِد لتستقرَّ معهم وإلى جوارهم؛ فلقد أسَّس الأَكَديون دولتهم في منتصف الألف الثالث ق.م. في نهاية ما هو متعارَف عليه بعصر فجر السُّلالات، في حين كان قسم آخر من الأقوام العاربة يستقرُّ شمالهم باسم الآشوريين، أما الأموريون أو العموريون فقد استقرُّوا غربهم فيما يعرف اليوم بالشام، فأسَّسوا كيانهم وسطًا وشمالًا، قبل أن ينتقلوا بدورهم غربًا فيؤسسوا دولة لهم عُرِفَت باسم سلالة بابل الأولى، وكان أصل اسمهم في السومرية هو «مَرْتُ» أي الغرب، وهي العربية «مرت»، فالمرتُ هي المفازة لا نبات فيها، وهي الأرض اليباب، وتلك صفة الصحراء الغربية.
وفي حين كان الكنعانيون يتوطَّنون تدريجيًّا ساحلَ شرق المتوسط، بالتزامن مع الأَكَديين في منتصف الألف الثالث ق.م. نجد أن قبائل الآراميين نزحت في منتصف الألف الثاني ق.م. لتستوطن أعالي الرافدَين ووسطها، بالتزامن مع وجود الآشوريين، وقد أسَّسوا فيما بعد الدولة الكلدانيَّة في العراق، بالإضافة إلى إمارات عديدة أخرى في الشام، وفي حلب ودمشق … وغيرهما.
إن النزاع بين الأقوام العاربة حقيقة تاريخية لم يشفع لها وحدة الأرومة أو اتفاق اللغة، لكننا يجب أن نفكِّر في مثل هذه الوقائع بوصفها شكلًا من أشكال الصراع على السلطة الذي عُرِفَت به بلاد الرافدَين بدءًا بالسُّومريين.
لقد استوطن العبرانيون والمؤابيون فلسطين وشرق الأردن، لكن تأسيس هذه الكيانات لم يتعدَّ المستوى القَبَلي، فلا يمكننا مقارنتها بالدول والإمبراطوريات التي سادت بدءًا بالأَكَديين، في حين نستطيع مقارنتها بغيرها من الكيانات القبلية المستقلة؛ كالأنباط واللخميين والمَناذِرة في العراق والغَساسِنة في الشام … وغيرها من القبائل التي استمر وجود كياناتها هنا وهناك دون أن يتوقف حراك القبائل العاربة على مدى الآلاف من السنين، أي منذ استقرار السومريين، إلى أن خضعت معظم هذه القبائل لهيمنة الفُرس، وبعد ذلك الرُّوم الذين لم يصمدوا آخر الأمر أمام جحافل القبائل العربية التي وحَّدها الإسلام. هذه مسارات كبرى في تشكُّل الإيكومين الأفروآسيوي القديم لا يُغلِّب جزئيةً من جزئياتها إلا الدعم الأركيولوجي المؤكَّد. فلنخصِّص بعض ما تبقى من الوقت للحديث عن إحدى أهمِّ هذه الجزئيات المؤسِّسة.
...........................................
- باقر، مقدِّمة، ص116.
- باقر، مقدِّمة، ص116.