لنبسط أمامنا خارطة لمدينة نيويورك وضواحيها، ولنسأل: ما هي النقاط التي يمكن الوصول إليها بالسكة الحديدية؟ وبعد أن نبحث عن هذه النقاط في كراس المحطة نؤشر في الخارطة عليها بموجب ما اطلعنا عليه في الكراس. نغير الآن سؤالنا فنقول: ما هي النقاط التي يمكن الوصول إليها بالسيارة الحافلة؟ فإذا رسمنا على الخارطة خطوطاً تمثل كل الطرق المنطلقة من نيويورك فإن كل نقطة من هذه الطرق يمكن الوصول إليها بالحافلة. ولدينا في كل حالة سلسلة من النقاط الحالة. ففي الأولى نرى نقاطاً منفصلة تمثل محطات السكة؛ وفي الحالة الثانية نرى نقاطاً واقعة على خطوط تمثل الطرق. أما سؤالنا الجديد فيخص المسافة التي تفصل كلاً من هذه النقاط عن مدينة نيويورك، أو بتعبير أدق، عن نقطة معينة من المدينة. ففي حالة المحطات تعلق أعداداً بالنقاط المؤشر عليها؛ وهذه الأعداد متفاوتة دون انتظام على شكل قفزات عددية ذات قيم محدودة فنقول: إن المسافة بين نيويورك والأماكن التي يمكن الوصول إليها بالقطار تتغير بشكل متقطع. أما المسافات بين نيويورك والأماكن التي يمكن الوصول إليها بالحافلة فيمكن أن تتغير بفواصل صغيرة بقدر ما نريد أي بشكل مستمر. فتغيرات المسافة على طريق السيارة الحافلة يمكن أن تُجعل صغيرة بشكل اختياري، لكن الحال ليست كذلك فيما يخص تغيرات المسافة على سكة الحديد.
إن استخراج الفحم الحجري من المنجم يمكن أن يتم بشكل مستمر، أي أن كمية الفحم يمكن إنقاصها أو زيادتها بمقادير صغيرة قدر ما نريد ونهوى. لكن عدد العمال المستخدمين لا يمكن أن يتغير إلا بشكل متقطع؛ إذ ليس من المعقول أن نقول (إن عدد العمال قد ازداد. منذ أمس بـ 3.783عاملاً).
لو سألنا رجلاً عن كمية المال التي في جيبه، فقد نحصل على جواب يتمثل بعدد لا يحوي أكثر من مرتبتين عشريتين. فمبلغ المال يمكن أن يتغير بقفزات: بشكل متقطع. فأصغر وحدة نقدية في سوريا هي القرش وهو ما يمكن أن نسميه (الكم العنصري). والكم العنصري النقدي للعملة الفرنسية هو السنتيم. وها نحن أمام مثالين لكمين عنصريين من النقد. ويمكن أن نقارن قيمتيهما بنسبة معينة.
يمكن أن نقول إذن: إن بعض الكميات قد تتغير بشكل مستمر؛ وبعضها الآخر بشكل متقطع فقط، أي على درجات لا يمكن أن تتغير الكمية بدرجة أقل منها. إن هذه الدرجات التي يمكن تصغيرها تسمى الكموم العنصرية للكمية الخاصة التي تتألف منها. ونحن يمكننا أن نزن كميات كبيرة من الرمل وأن نعتبر كتل هذه الكميات مقادير مستمرة.
بالرغم من وضوح بنية الرمل الحبيبية؛ ولكن، لو كان الرمل ثميناً جداً وكان الميزان المستخدم دقيقاً وحساساً جداً فلابد عندئذ، من أن نأخذ بعين الاعتبار واقع أن كتلة الرمل تتغير بكميات كل واحدة منها تساوي عدداً صحيحاً من الحبات وبذلك تكون كتلة الحبة هي الكم العنصري. وفي هذا المثال نرى أن صفة التقطع في بنية مقدار كانت تعتبر بنية مستمرة، يمكن أن نكتشفها بفضل تزايد دقة وحساسية أجهزة القياس.
ولو أردنا أن نجسد الفكرة الرئيسية لنظرية الكموم بمقولة واحدة لقلنا: إن من الضروري أن نفترض أن بعض المقادير الفيزيائية، التي كانت تعتبر مستمرة، تتألف من كموم عنصرية.
إن مجال الوقائع التي تغطيها نظرية الكموم واسع جداً. وقد ألقت الوسائل التجريبية الحديثة المتطورة ضوءاً ساطعاً على هذه الوقائع. ولما كنا لا نستطيع شرح هذه التجارب هنا، حتى الأساسية منها، فلابد من الاكتفاء بعرض نتائجها كما هي. لأن هدفنا هو عرض الأفكار المبدئية الموجودة في أعماق هذه النظرية.