من الجلي أنَّ التعلم عنصر مهم وفعّال لأي كائن، سواء أكان حيوانًا أم روبوتا، فليس من المستغرب أن يبحث علماء الروبوتات في مناهج تعلم الروبوتات لسنوات عديدة. غير أنَّ القليل فقط من الروبوتات الموجودة بالفعل قادرة على التعلم أو تكييف سلوكياتها. ويعبر هذا عن أمرين : أن تعلم الروبوتات لم يزل تحديًا بحثيًّا كبيرًا، وأن الروبوتات القادرة على التعلم تثير مشكلة ذات طبيعة خاصة عندما يتعلق الأمر بالتصديق على سلامة الروبوت. فكيف يمكننا الإقرار بأن الروبوت سيفعل الشيء الصحيح دائمًا إذا كنا لا نعرف ماهية السلوكيات التي قد يتعلمها في المستقبل؟ بالرغم من ذلك، فإنَّ تعلم الروبوتات أمر مهم، وفيما يأتي سألخص المناهج الرئيسية في هذا المجال.
يُعرف النهج الأول لتعلم الروبوتات، وهو النهج الأكثر قوة ونجاحا بلا شك (والذي يعتبره البعض أحد أعظم الإنجازات في علم الروبوتات حتى الآن)، باسم «تحديد المواقع ورسم الخرائط في آن واحد» فتحديد المواقع يمثل مشكلة رئيسية في الروبوتات المتنقلة؛ أي كيف يعرف الروبوت موقعه من مكان ثنائي أو ثلاثي الأبعاد؟
وإذا كان الروبوت طائرًا أو متنقلاً على الأرض في الأماكن المفتوحة، فإن نظام تحديد المواقع العالمي يوفر جاهزا. وإذا كان روبوتا يعمل في الأماكن المغلقة، مثل روبوت شركة أيثون لنقل المعدات في المستشفيات: «تَج»، الذي وصفته في الفصل الثاني، وكان الروبوت مزودًا بخريطة إلكترونية، فسيصبح تحديد المواقع حينها أمرًا بسيطًا نسبيًّا. بالرغم من ذلك، ففيما يتعلق بالروبوتات غير المزودة بنظام تحديد المواقع العالمي (أو ما شابه ولا هي مزودة بخريطة، يوفر «تحديد المواقع ورسم الخرائط في آن واحد» تقنية لرسم خريطة لما يراه الروبوت بأجهزة استشعاره) مع التوصل إلى تقدير تقريبي لموقعه من تلك الخريطة في الوقت ذاته. وفي أثناء تنقل الروبوت في بيئته، تتحسن الخريطة ومستوى ثقة الروبوت في موقعه بالنسبة إلى الأجسام الموجودة في تلك الخريطة.
ثمة نوع آخر من تعلم الروبوتات عام بدرجة أكبر، ويُسمى بالتعلم المعزز. وهو مستوحى بالطبع من علم الأحياء؛ لأنه نوع من التعلم المشروط. إذا كان الروبوت قادرًا على تجربة العديد من السلوكيات المختلفة، واختبار نجاح كل سلوك أو فشله، ثم «تعزيز» السلوكيات الناجحة، حينها يُقال إنه يتمتع بتعلم معزز وعلى الرغم من أنه هذا يبدو بسيطا من حيث المبدأ، فهو ليس كذلك فعليًّا. فهو يفترض أولًا، أن قائمة السلوكيات التي سيُجربها الروبوت بها سلوك واحد ناجح على الأقل، وثانيًا أنه يستطيع اختبار فائدة كل سلوك؛ أي أن يكون للسلوك فائدة فورية يمكن قياسها وإذا كان على الروبوت أن يجرب كل سلوك ممكن أو إذا تأخرت الفائدة، فإن هذا النوع من التعلم الفردي «غير الخاضع للإشراف يكون بطيئًا للغاية».
ثمة نوع آخر من التعلم المستوحى من علم الأحياء، لا سيما التعلم الاجتماعي لدى البشر، وهو النهج الثالث لتعلم الروبوتات الذي يُعرف باسم «برمجة الروبوتات بالمثال». في الفصل الثاني شرحت كيف يمكن للمستخدم برمجة ذراع روبوت لينفذ سلسلة من الحركات المطلوبة باستخدام لوحة تحكم تسمح للإنسان بالتحكم في ذراع الروبوت وقيادته بالفعل يدويًا»؛ ومن ثَم «تعليم» الروبوت. ويمثل هذا شكلا بسيطًا جدا من البرمجة بالمثال، لكن السنوات الأخيرة شهدت تحول التركيز إلى التعلم عن طريق المحاكاة. يُعد التعلم عن طريق المحاكاة مناسبًا بشكل خاص للروبوتات التي تشبه البشر، وهو في جوهره على مراقبة الروبوت للإنسان في أثناء تأدية مهمة، بعد ذلك، يحاول الروبوت نسخ الحركات والأفعال ذاتها. وتُعد برمجة هذا الشكل من التعلم بالمحاكاة أمرًا معقدًا، وتتطلب حلًّا لما يُسمى بمشكلة التطابق حيث يتعين على الروبوت تحويل ما« يراه» بكاميراته إلى سلسلة مطابقة من الأفعال الحركية.
إن الأساليب الثلاثة التي أشرت إليها بالأعلى كلها طرق لتعلم روبوت فردي مهمة أو مهارة. أما في الطبيعة، فلا تتعلم معظم الحيوانات البسيطة فرديا، بل تولد بمجموعة من التصرفات اللاإرادية المحددة وراثيا. بالرغم من ذلك، فقد تكيفت هذه السلوكيات عبر الأجيال المتعاقبة من خلال الانتخاب الطبيعي. ثَمة نوع رابع من التعلم في الروبوتات، مستوحى من نظرية التطور لداروين يطلق عليه أحيانًا اسم «التعلم التطوري»؛ لأنه يحدث عبر أجيال متعددة من الروبوتات. ويرد وصف هذا النهج في الفصل الخامس. ليست الروبوتات الحيوية بأحد أوهام فرانكشتاين لتصميم «آلات حية». فعلى النقيض من ذلك، يُضفي التغيير الجذري الذي ذكرته في هذا الفصل إحساسًا أعمق بالتواضع والاحترام أمام التعقيد البديع لـ «التصاميم» المتطورة التي نراها في الطبيعة. فأفضل جهودنا لإنشاء نماذج اصطناعية لهذه التصاميم محدودة بشكل يُرثى له، وهي توضح الفجوة بين أكثر الروبوتات الذكية تعقيدًا وأبسط الحيوانات.