وَانْصِبِ المَوْتَ بَيْنَ أَيْدِينَا نَصْبًا وَلاَ تَجْعَلْ ذِكْرَنَا لَهُ غِبًّا
في مقبرةٍ بعيدةٍ متهالكةٍ، كانَ هناكَ رجلٌ يتردّدُ باستمرارٍ، على مجموعةٍ مِنَ القبورِ، لأكثرَ مِن تسعِ سنواتٍ.
كانَ يتحمّلُ مشقّةَ الطريقِ؛ للوصولِ إليها، ويبقى ساعةً فيها، وعندما تقتربُ الشّمسُ مِنَ الغروبِ يغادرُ المكانَ.
وفي يومٍ خرجَ كعادتِهِ إلى المقبرةِ، ولكنَّهُ تفاجَأ بقبرٍ مُهَدَّمٍ، وكانَ القبرُ لطفلٍ صغيرٍ، وعندما سألَ عنهُ، قيلَ لهُ: هذا الطفلُ قد تُوفِّيَ ولَهُ مِنَ العُمُرِ سبعُ سنواتٍ بورمٍ خبيثٍ قد استمكنَ مِنهُ، وقبرُهُ مهملٌ منذُ سنينَ. تنهّدَ الرجلُ وقالَ: ألا يأتي أهلُهُ؟ فقيلَ: لا.
عرضَ حينَهَا الرجلُ عليهم القيامَ بترميمِ القبرِ فقبلُوا، ورُمِّمَ القبرُ في نهايةِ المَطَافِ.
وبعدَ أسبوعٍ، كانَ الرجلُ مغمومًا، فرأى في منامِهِ طفلاً يرتدي ثيابًا زرقاءَ، وبيدِهِ مصحفٌ شريفٌ. تبسّمَ الطفلُ للرجلِ وسلّمَهُ المصحفَ.
أمسكَ الرجلُ بالمصحفِ فوقعَ نظرُهُ على قولِهِ تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: 60] وقالَ لهُ الطفلُ: جُزِيتَ خيرًا يا عَمْ.
وفي الليلةِ الثانيةِ، جاءَهُ الطفلُ أيضًا ولكنْ بثيابٍ خضراءَ، وبيدِهِ المصحفُ، فنظرَ فإذا بقولِهِ تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: 24].
وفي الليلةِ الثالثةِ، جاءَ الطفلُ وهو يرتدي ثيابًا بيضاءَ، وقامَ بفتحِ المصحفِ بنفسِهِ، وتلا عليهِ قولَ اللهِ تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: 42]. وأغلقَ المصحفَ وقبَّلَهُ ثُمَّ اختفى.
استيقظَ الرّجلُ عِندَ طلوعِ الفجرِ فصلَّى، ثُمَّ فكَّرَ مَلِيًّا بجميعِ ما رَأى.
وعِندَ الشّروقِ شعرَ بألمٍ شديدٍ فاستلقَى ثُمَّ أغمضَ عينَيهِ.
مِمَّا يُستفَادُ مِن هذهِ القصّةِ أنَّ الموتَ قد يكونُ "دعوةَ حُبٍّ وخلاصٍ" لِمَن آمنَ باللهِ تعالى وأحسنَ العملَ إلى آخِرِ رَمَقٍ في حياتِهِ، وليسَ فاجعةً مخيفةً دائمًا كما يُتَصَوَّرُ.
ومِمَّا يُستدَلُّ بِهِ على ما تقدَّمَ، ما جاءَ في الصّحيفةِ السجّاديّةِ المباركةِ على لسانِ إمامِنَا السجّادِ زَينِ العابدِينَ (عليه السّلام): ((وَانْصِبِ المَوْتَ بَيْنَ أَيْدِينَا نَصْباً، وَلاَ تَجْعَلْ ذِكْرَنَا لَهُ غِبّاً، وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ صَالِحِ الأعْمَالِ، عَمَلاً نَسْتَبْطِئُ مَعَهُ الْمَصِيرَ إلَيْكَ، وَنحْـرِصُ لَهُ عَلَى وَشْكِ اللَّحَاقِ بِكَ، حَتَّى يَكُونَ الْمَوْتُ مَأنَسَنَا الَّذِي نَأنَسُ بِهِ، وَمَألَفَنَا الَّذِي نَشْتَاقُ إلَيْهِ، وَحَامَّتَنَا الَّتِي نُحِبُّ الدُّنُوَّ مِنْهَا، فَإذَا أَوْرَدْتَهُ عَلَيْنَا، وَأَنْزَلْتَهُ بِنَا، فَأسْعِدْنَا بِهِ زَائِراً، وَآنِسْنَا بِهِ قَادِماً)).
1
قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)