أنواع الذكر، وكيف نصبح من الذاكرين؟!
بقلم: السيد عباس نور الدين.
لا تطلب الذكر لأجل القدرة، فهذا هو المانع الأكبر من الذكر الحقيقي!
إنّ المقصد الأسمى للذكر هو أن يشعر الإنسان بحقيقة ارتباطه بالله تعالى. هذا الارتباط الذي لا معنى له سوى عين التعلُّق والربط والافتقار، وهو المصحّح للعبودية.
ذكر الله تعالى يعني الشعور القوي بحضوره وحضور تجلياته. نستخدم الأذكار والأوراد عسى أن يتحقق مثل هذا الشعور والتوجُّه والانتباه العميق. لكن لكي يتحقق هذا الهدف من خلال هذه العملية يجب أن نراعي شروطها الأساسية. وأول هذه الشروط هو أن يكون هذا الذكر اللساني بنيّة تحقيق التذكُّر والذكر القلبي. وكأنّنا نقوم بتمرين النفس على استحضار المعنى عبر الانتباه إلى المعنى الكامن في هذه الألفاظ الشريفة التي تُذكّرنا بالمحبوب.
يشبّهون العلماء هذه العملية بعملية تعليم الطفل النطق. ففي البداية لا يكون الطفل متوجهًا إلى معنى ما يقول، ولكنّه على أثر التكرار والتداعي والربط بين اللفظ ومدلوله، يعلم أنّ هذه الكلمة تعني الأب، وتلك تعني الأم؛ وبعدها سينطق بهذه الألفاظ وهو يقصد ما يقول؛ بل يكون قصده (الذي هو النطق القلبي) منشًأ لنطق اللسان، فينطق القلب ويتبعه اللسان؛ وهذه حقيقة الذكر.
في قلب هذه العملية يكمن وعي عميق بدور الذكر اللساني على صعيد التوجُّه إلى الله تعالى. فالله عز وجل ليس بالكائن الذي يتم استحضاره، حتى لو كان ذلك بالقلب والتوجُّه الباطني. بل له سبحانه وتعالى مشيئة الحضور والتفرُّد بالتجلي بحسب نظام الوجود الأتم. فلو كنتَ تستحضر معنى من معاني الألوهية (وهو الاسم) ولم يكن هذا الاسم متجليًا في واقعك الآن، فلن تتمكّن من الوصول إلى المعنى المقصود من الذكر. إنّ ذكر الله يعني الشعور بحضوره لا استحضاره؛ وحضوره تعالى هو شأنه ومشيئته.. كم هو جاهل من يظن أنّه يصنع التجليات الإلهية عبر هذا النوع من الذكر. إنّ الهدف الأسمى للذكر هو أن نشعر بهذا التجلّي النابع من تفاعل الكون مع الحضرة الإلهية.
يمكن أن نقول بأنّ هذا النوع من الذكر يهدف إلى جعلنا مستعدين للانتباه إلى حقيقة التجلي في الحضرات والشؤون. فعبر هذا التوجُّه الواسع إلى جميع الشؤون العامة، قد ندرك الشأن والتجلي الخاص. كأنّ هذا الشأن هو تجلي لقدرة القدير، بينما نحن نجرب الاتصال بجميع التجليات عسى أن ندركه.
ويجب الالتفات إلى مسألة مهمة، يحصل بالغفلة عنها خسران عظيم، وهي أنّ قضية التجلي هي قضية شخصية جدًّا، وهي أسمى وأعمق بكثير من عالم المفاهيم. فمن كان يظن أنّ التجلي بالقدرة هو الذي يحصل منه العلم بمفهوم القدرة الإلهية فهو بعيدٌ جدًّا عن معرفة الألوهية. إنّ عالم المفاهيم، وإن كان للغافلين جسرًا يعبرون منه إلى عالم الحقائق، لكنّه منزلٌ سيئ جدًّا لمن وقف عنده. يجب أن نلتفت إلى الفارق الجوهري بين الحقيقة الشخصية والمفهوم. أنت لا تدرك من وراء الذكر مفهومًا كنت تعلمه أو ستكتشفه، بل ستعيش تجربة شخصية خاصة لا يمكن أن تتكرر أبدًا (كما يقول العارف بالتجلي مع الأنفاس). من كان مقصده من الذكر اكتشاف معاني مفاهيم الأسماء التي يمكن التوصُّل إليها عبر الدراسة والتعلُّم فهو بعيدٌ عن المقصد الحقيقي.
النوع الثاني من الذكر يحصل بواسطة المرشد المربي الخبير الذي يُلقّن السالك ذكرًا خاصًّا يتناسب مع أحواله وظروفه؛ فيكون بمثابة الدواء الذي إذا استُعمل في غير محلّه يُصبح مضرًّا أو غير نافع البتة. وفي هذا النوع من الذكر، يوجّه المربي طالب الذكر للتجلّي المتناسب مع حاله؛ وكأنّ الحال يكون بمثابة الوسيلة لتلقي الواردات. إنّ هذا المربي وبسبب خبرته يعلم أنّ الحال هو استدعاءٌ للتجلّي. فإن أراد الله لعبد أن يذكره حقًّا ينقله إلى حالٍ ما، ليصبح مستعدًّا لقبول وارد التجلي.. عددٌ قليلٌ جدًّا من أهل الذكر يمتلك هذه الخبرة والمعرفة. ولذلك يجب الاحتياط كثيرًا عند الأخذ عمّن نأخذ منه ذكرًا؛ فقد يأخذنا إلى عالم آخر بعيد كل البعد عن حالنا.. إنّ الأحوال هي مقدّمات الذكر، كالمرض الذي يكون مقدّمة لنوعٍ خاص من الدواء.
والنوع الثالث من الذكر هو الذي يحصل جرّاء تجليات حضرة الأسماء الإلهية؛ ويكون من القوة بحيث ينطق الإنسان على أثره باسم التجلّي الحاصل. كأن يقول يا جليل دون قصد منه حين يتجلّى الله له بأحد تجليات الجلال، أو يقول سبحان الله أو الحمد لله من شدة حضور المنعم. ويحصل مثل هذا الذكر لكل الناس ولو مرة واحدة في حياتهم، كما هو حال أولئك الذين يسافرون في الفلك وتجري بها الريح في يومٍ عاصف فيظنّون أنّهم هالكون لا محالة، ويعلمون في مثل هذا الموقف أن لا ملجأ لهم إلا الله؛ حينها يدعون الله مخلصين له، ويكون ذكرهم هذا حقيقيًّا تمامًا. إنّ هذا النوع من الذكر يكون بمثابة الحجّة الإلهية على الخلق، حين يأتي اليوم الذي قد يقول فيه أمثال هؤلاء إنّنا يا الله لم نعرفك، أو أنّك يا الله لم تعرّفنا إلى نفسك في الحياة الدنيا، فيذكّرهم الله تعالى بهذا الموقف.. وهذا يدل على أنّ في عمق كل إنسان مهما كان، مثل هذا الذكر لله، لكن أكثر الناس عنه غافلون. وحين تحدث المواقف الكبرى، مثل قصة غرق السفينة، يصدح الإنسان بذكر ربه ويجأر إليه ويتضرع بأخلص وأصفى ما يكون حيث لا يوجد غيره. لأجل ذلك، يمكن أن يُقال إنّ هذه التجربة حاصلة للجميع، وما علينا إلا أن نتذكرها ونعتبر منها، لأنّنا سنكون بحاجتها في المواقف الأخرى.
إنّ حياتنا عبارة عن سلسلة من المواقف الكبرى والوسطى والصغرى. فالأكبر منها هو الذي يحقق الذكر القهري الذي لن يكون له تلك القيمة، ما لم يتحقق في المواقف المتوسطة الأهمية التي هي ساحة جهاد الذكر وتمارينه. وهذه المواقف المتوسطة تعدّنا ـ في حال نجحنا فيها، وتَذكّرنا الله عندها وذكرناه بما يتناسب معها ـ للذكر في المواقف الصغرى اليومية والعادية؛ مثل الوقوف عن قعود، وبدء تناول الطعام، وعند الدخول إلى الحمام. فإذا ذكرنا الله في هذه المواقف الصغرى كنّا من الذاكرين حقًّا. بل إنّ هذا الذكر يصل إلى حد نكون فيه من الذاكرين، وإن كنا في الغافلين فنُكتب في الذاكرين ونحن نائمين مثلًا.
يحتاج هذا النوع من الذكر إلى العلم والمعرفة التي نقدر من خلالها على تفسير الرسائل الإلهية في مختلف أنواع مواقف الحياة. إنّ هذا الذكر في الحقيقة ليس سوى تجلي قوّة العلم في النفس. ولذلك، يصبح العالِم ذاكرًا بصورة تلقائية من شدة توجُّهه إلى حقائق الأشياء في الحياة. فمواقف الحياة ليست سوى رسائل إلهية مرمّزة يجب تفكيكها لفهم المراد الإلهي منها (وهو أحد معاني التجلي). وحينها سيتحقق الذكر بحقيقته. لأنّ الذكر ليس سوى الانتباه إلى الحاضر في تجلّيه للحاضرين. فلنبتعد عن استغلال الذكر لأي مأرب خاص، ولنتذكّر أنّ الذكر الحقيقي ينبع من تجلّي الله وهو شأن الله سبحانه وتعالى.
1
قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)