الأخوة والتآخي في الله تعالى
ان من أهم مفردات الخلق العظيم والأدب الرفيع الذي أراده نبي الإسلام وربه المتعال لصناعة جيل من الشعوب المسلمة القادرة على حمل رسالة الإسلام الرائدة , وهي مفردة الأخوة والتآخي بالله تعالى، والأخوة في الله لا تشترى بالمال بل هي منحة الله الكريم لعباده المؤمنين فهي نعمة الله الكبرى والتي ينبغي الحفاظ على ديمومتها بما فيه لله رضا ولأنفسنا خير وصلاح إذ لا فائدة ولا طائل من إخوة وصداقة وارتباط ومحبة تتعرى عن الوصل بالله الأحد،وما ضعفت أمة الإسلام بهذه الصورة المهينة المخزية إلا يوم أن غاب عنها أصل وحدتها وقوتها ألا وهو (الأخوة في الله والتحابب والتوادد في الله) بالمعنى الذي جاء به رسول الله (صلوات الله عليه واله) فمحال ثم محال أن تتحقق الأخوة بمعناها الحقيقي إلا على عقيدة التوحيد بصفائها وشمولها وكمالها، كما حولت هذه الأخوة( في بداياتها وجذورها البدائية ) الأولى من رعاة للغنم إلى سادة وقادة لجميع الدول والأمم، يوم أن تحولت هذه الأخوة التي بنيت على العقيدة بشمولها وكمالها إلى واقع عملي ومنهج حياة، تجلى هذا الواقـع المشرق المضيء المنير يوم أن آخى النبي ابتداءً بين الموحدين في مكة، على الرغم من اختـلاف ألوانهم وأشكالهم، وألسنتهم وأوطانهـم، إذ آخى بين حمـزة القرشي وسلمان الفارسي وبلال الحبشي وصهيب الرومي وأبى ذر الغفاري، ثم آخى النبي بين أهل المدينة من الأوس والخزرج، بعد حروب دامية طويلة، وصراع مر مرير، أُحرِقَ فيه الأخضر واليابس!! ثم راح رسول الله الأمجد ليستعرض مهرجـان حُبٍّ لم ولن تعرف البشرية له مثيلاً، تصافحت فيه القلوب، وامتزجت فيه الأرواح يوم آخى بين أهل مكة من المهاجرين وبين أهل المدينة من الأنصار, وأراد رسول الله أن يستمر هذا المنهج ويحيى طول الأزمنة وعلى تجدد الأجيال أراد (ص) أن تكون الإخوة الحقيقية النابعة من القلب لا من اللسان بين المؤمنين وتكون قرينة الإيمان لا تنفك عنه، ولا ينفك الإيمان عنها فإن وجدت أخوة من غير إيمـان، فاعلم يقيناً أنها التقـاء مصالح، وتبادل منافع، وإن رأيت إيمان بدون أخوة صادقة فاعلم يقيناً أنه إيمان ناقص يحتاج صاحبه إلى دواء وعلاج لمرض فيه، لذا جمع الله بين الإيمـان والأخوة في آية جامعة فقال سبحانه إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فالمؤمنون جميعاً كأنهم روح واحدة حلت في أجسام متعددة كأنهم أغصان متشابكة انبثقت من دوحة واحدة، وهي القضية المقدسة متمحورة في الاسلام الاقدس . ومن معنى الأخوة تهدلت نعمة آصرة ورابطة الجسد الواحد الذي إمتنّ به الله على المؤمنين الأطهار حيث قال : فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ وقال تعالى: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ... بَيْدَ إن الحفاظ على هذه المنة الإلهية يستلزم الثبات والشروع في تنفيذ متطلبات الإخوة وشروطها وان من شروطها : أولا: الحب في الله والبغض في الله. ففي الحديث عن الخاتم الأمين صلوات الله عليه واله الميامين قال: (من أحبَّ لله، وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان). وأيضا عنه صلى الله عليه واله قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصبٍ وجمال، فقال: إني أخاف الله ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكـر الله خالياً ففاضت عينـاه). ثانيا: أن لا يحمل الأخ لأخيه غلاً ولا حسداً ولا حقداً ... فيعفو عن زلاته وهفواته, وهفوته إن كانت في الدين والآخرة نصحه وأرشده وإن كانت لتقصير في الدنيا معكَ عفوتَ عنه ولا تعاقبه, وإذا أعتذر إليك تقبل منه... فالمؤمن سليم الصدر، طاهر النفس، نقى، تقي القلب، رقيق المشاعر رقراق العواطف، ينام على فراشه آخر الليل - يشهد الله في عليائه - أنه لا يحمل ذرة حقد، أو غل، أو حسد لمسلم على وجه الأرض البتـة. قال تعالى: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ثالثا: طهارة القلب والنفس. فلا تستخدم الألفاظ التي لا تليق بأخيك المؤمن وتجرح قلبه ومشاعره، فإن تركنا ألسنتنا تُلقى التهم جزافاً دون بينة أو دليل، وتركنا المجال فسيحاً لكل إنسان أن يقول ما شاء في أي وقت شاء، فإنما ينتشر بذلك الفساد والحسد، والبغضاء، فإن اللسان من أخطر جوارح هذا الجسم، قال الله جلّ وعلا : مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ . رابعا: الإعانة على قضاء حوائج الإخوان . فقد قال رسول الله صلوات الله عليه واله : (أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل، سرور يدخله على مسلم، أو يكشف عنه كربه، أو يقضى عنه دينا، أو يطرد عنه جوعاً ... ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له، أثبت الله قدمه يوم تَزِلُّ الأقـدام، وإن سوء الخلق ليفسد العمـل كما يفسد الخـل العسل) فمن حق المسلم على المسلم إن استطاع أن يعينه في أمر من أمور الدنيا أن لا يبخل عليه ولا يتردد في السعي بقضيان حوائجه وفقنا الله وإياكم لذلك فمن نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.. خامسا: إبداء النصيحة بصدقٍ وأمانة. فالدين النصيحة لكن بشروطها وشرائطها وليتنا نعي أن يعيي الضوابط الشرعية للنصيحة. ومنها الستر والكتمان في النصيحة فمن نصح أخـاه بين الناس فقد شانه، ومن نصح أخاه فيما بينه وبينه فقد ستره وزانه. والناصح الصـادق: نقى السريرة، مخلص النية، يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فإن رأى أخاه في عيب دنا منه بحنان، وتمـنى أن لو ستره بجـوارحه لا بملابسه، ثم يبدي نصحه بأدب ورحمة ،وتواضع ،ويشعره انه يحبه ويريد الفضيلة والخير له : من خلال خفض جناحه له، فقد سطر الله في كتابه وقال مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ... وايضا ما ورد في رسالة الحقوق للإمام زين العابدين (عليه السلام) عن حق الأخ قائلا : (وأما حقّ أخيك، فأن تعلم أنّه يدك التي تبسطها، وظهرك الذي تلتجىء إليه، وعزّك الذي تعتمد عليه، وقوّتك التي تصول بها، فلا تتخذه سلاحاً على معصية الله، ولا عدّة للظلم لخلق الله، ولا تدع نصرته على نفسه، ومعونته على عدوّه، والحول بينه وبين شياطينه وتأدية النصيحة إليه والإقبال عليه في الله، فإن انقاد لربّه وأحسن الإجابة، وإلاّ فليكن الله آثر عندك وأكرم عليك منه ( ومعنى ذلك أن الأخ يجسّد القوة التي تستطيع أن تقهر بها الأعداء وتذل بها الباطل وهو مورد عزك الذي تستطيع أن تعلي هامتك به وظهرك الذي تستند إليه ويدك التي تبطش بها وإذا كان الأخ بهذه المثابة والمنزلة فلا يجوز استغلاله في معصية اللَّه وقهر عباده بمعنى أن يتحول إلى أداة فساد وعنصر ضلال، كما أنه إذا كان على الحق يجب عليك أن تنصره وتعينه على حل مشاكله وتنصحه في شؤونه فإذا كان مطيعاً للَّه عاملاً بأمره منقاداً لحكمه، فهذه غاية أمنيتك، وإذا انحرف عن ذلك وابتعد عنه فليكن اللَّه تعالى أكرم عليك منه واثر لديك.







عبد الخالق الفلاح
منذ 1 يوم
وعي الاستذكار وضرورة الاعتبار
الرسول محمد وابنته فاطمة الزهراء -عليهما السلام- حاضران في واقعة الطف
لغتنا المحتضرة
EN