كرنفالُ الحزنِ بينَ الأرضِ والسماءِ (10)
بقلم: أحمد السراي
بين الدخان والرمضاء
لمّا فرغَتِ السيوفُ من ارتشافِ الدمِ الطاهرِ، ولم يبقَ على أديمِ الطفِّ إلّا جسدُ الحسين (عليه السلام)، يوزِّعُ على الجهاتِ أسرارَ الخلودِ، أقبلَتْ جموعُ الغدرِ إلى فصلٍ آخرَ من فصولِ الجريمةِ، كأنَّ القتلَ وحدَهُ لم يشفِ غليلَ الأحقادِ المتراكمةِ في صدورٍ أعياها نورُ النبوةِ فأدمنَتْ معاداتَهُ...
هناكَ…
عندَ آخرِ شهيقٍ للنهارِ، كانَتِ الخيامُ تنتظرُ مصيرها الموجعَ، تقفُ صامتةً كأراملَ فقدْنَ للتوِّ أحباءهنَّ، وتنتشرُ حولها رائحةُ الفقدِ كغيمةٍ سوداءَ تظلّلُ رمالَ كربلاء، وفجأةً اندفعَتْ أيدي البغي تحملُ مشاعلها، لا لتحرقَ أوتادًا من خشبٍ أو أستاراً من قماشٍ، بل لتشعلَ النارَ في آخر ما تبقّى من سكينةِ الرسالةِ على ظهرِ الأرضِ، فاستفاقَتِ الخيامُ على ألسنةٍ من لهبٍ تتسلّقُ جوانبها كأفاعٍ جائعةٍ، وانطلقَتِ النيرانُ تلتهمُ أطرافها بشراهةٍ وحشيةٍ، حتى بدا المشهدُ كأنَّ الصحراءَ قد ارتدَتْ ثوباً من الجمرِ، وأنَّ السماءَ نفسها قد احمرَّتْ حياءً من هولِ ما ترى، وتناثرَتْ عقائلُ الوحي بينَ الدخانِ والرمضاءِ، تتقاذفهنَّ الفجيعةُ كما تتقاذفُ الريحُ أوراقَ الخريفِ الأخيرةَ...
بناتُ الرسالةِ اللواتي كُنَّ بالأمسِ يظلّلُهنَّ جناحُ النبوةِ، أصبحنَ يركضنَ بين اللهبِ والظلامِ، لا يدرينَ أيفررنَ من النارِ أم من قسوةِ القلوبِ التي أوقدتها…
يا له من مشهدٍ لو رآه الحجرُ لتفجرَ دمعاً، ولو سمعَتْهُ الجبالُ لمالَتْ من أثقالِهِ، فهذه السيدةُ زينب (عليها السلام) تجمعُ شتات اليتامى كما تجمعُ الروحُ أشلاءها بعدَ الانكسارِ، وهذه سكينةُ تفتّشُ في الدخانِ عن ظلِّ أبيها، وهؤلاء الأطفالُ تتعثرُ خطاهم بين الرمادِ كأنَّ الأرضَ نفسها قد ضاقَتْ بهم من شدةِ المصابِ...
ثم لم يكتفِ القومُ بما أشعلوا من نارٍ في الخيامِ، بل أشعلوا ناراً أخرى ليبقى أثرُها يلهبُ في القلوبِ مدى الدهرِ، هجموا على حرائرِ الرسالةِ هجومَ السلبةِ على الغنائمِ، فامتدَّتِ الأيدي الآثمةُ إلى ما عليهن من حُليٍّ ومتاعٍ، وسقطَتْ آخرُ الحجبِ لتظهرَ الوحشيةُ والحقدُ، عندها لم تعد كربلاء ساحةَ معركةٍ، بل غدَتْ مرآةً انكشفَ فيها أقصى ما يمكنُ أن يبلغَهُ الإنسانُ من وحشيةٍ حينَ يخلعُ عن قلبِهِ ثيابَ الرحمةِ…
غيرَ أنَّ النارَ -على اتساع لهيبها- أخطأتْ هدفها الأكبرَ، فقد كانَتْ تظنُّ أنها تحرقُ قضيةً، بينما لم تحرقْ سوى القماش، وكانت تظنَّ أنها تطفئ نوراً، بينما كانَتْ تزيدُهُ اشتعالاً في ضمائرِ الأحرارِ!
أحرقَتِ الخيامَ، لكنها عجزَتْ أن تحرقَ الكبرياءَ الزينبي، وأحرقَتِ الأستارَ، لكنها لم تستطع أن تمسَّ جلالَ الموقفِ الحسيني، وأحرقَتِ المتاعَ القليلَ، لكنها تركَتْ للأجيالِ كنزاً من المظلوميةِ لا ينفدُ، ودرساً من العظمةِ لا يشيخُ...
ومنذُ ذلك المساءِ، ما عادَتْ تلك النارُ مجرّدَ حادثةٍ عابرةٍ جرَتْ لتُدوَّنَ في الكتبِ، بل صارَتْ جمرةً مشتعلةً في وجدانِ المؤمنينَ، كلما هبَّتْ رياح عاشوراء توهّجَتْ من جديدٍ، وكلما ذُكرَتْ كربلاء ارتفعَ من رمادِ الخيامِ المحترقةِ صوتٌ يقولُ للأجيالِ كلها:
إنَّ الحقَّ قد يُطاردُ، وقد يُحاصرُ، وقد يحرقُ كلّ ما حولَهُ... لكنّهُ لا يحترقُ.







محمد عبد السلام
منذ 17 ساعة
مقبرة الأعياد
خطة فرض التعليم
في ذكرى سقوطه
EN