في ليلةٍ قارسةِ البردِ، غزيرةِ الأمطارِ، تراكضَ النَّاسُ نَحوَ مساكنِهِم، في مدينتِهِم المزدحمةِ.
ومِن بينِهم كانَ هناكَ صبيٌّ يتيمٌ يركضُ ويتعثَّرُ؛ لِيُوصِلَ الدواءَ لوالدتِهِ السَّقِيمَةِ منذُ سبعِ سنواتٍ.
وبينما هو يركضُ اقتربَتْ منهُ سيّارةٌ فاخرةٌ فارهةٌ فدهسَتْهُ مِمَّا أدَّى إلى انكسارِ زجاجةِ الدّواءِ.
وقفَ الصبيُّ تحتَ المطرِ بثيابِهِ المُلَوَّثَةِ بالطِّينِ وَاغْرَورَقَت عينَاهُ بالدَّمعِ وَبَكَى بكاءً مُرًّا، ثم قالَ:
أحمدُكَ رَبِّي، وإليكَ وحدَكَ أشكو مَا أَلَمَّ بِي.
اللَّهُمَّ ارحمنِي وأعنِّي، وفي جِوَارِكَ اقْبَلْنِي.
سارَ إلى بيتِهِ بطيئًا مُنكسِرًا، وَعِنْدَ وصولِهِ سَمِعَ صُرَاخًا عظيمًا.
أحسَّ الصبيُّ حِينَهَا بألمٍ شديدٍ، كأنَّ نِيَاطَ قَلبِهِ قد تَقَطَّعَت.
دخلَ البيتَ فوجدَ والدتَهُ وهي مُسَجَّاةٌ على سريرِهَا البَالِي، وقد بردَت يدَاهَا.
احتضنَ الصبيُّ أُمَّهُ؛ لِيكونَ ذلكَ الوداعَ الأخيرَ بينهُمَا.
ثُمَّ نظرَ إلى مَن كانَ حاضرًا مِنَ النّاس بنظرةٍ جَعَلَتْهُم يُنَكِّسُونَ رُؤوسَهُم خَجَلاً.
وبعدَ ثلاثةِ أيّامٍ مِن رحيلِ الوالدةِ طُرِقَتْ بابُ دارِهِم طويلاً فَلَم يُفتَح لَهُم؛ لذلك قامُوا بِكَسْرِهِ، وحينَهَا ذُهِلُوا.
لقد وجدُوا ذلكَ الصبيَّ يَحتَضِنُ إخوَتَهُ الثلاثةَ الصِّغَارَ، على سجَّادةِ صلاةِ والدِتِهِم، وكانُوا قد فَارقُوا الحياةَ.
عنِ الإمامِ أميرِ المؤمنِينَ عليٍّ (عليهِ السَّلامُ) أنَّهُ قالَ: "اللَّهَ اللَّهَ فِي الْأَيْتَامِ، فَلَا تُغِبُّوا أَفْوَاهَهُمْ، وَلَا يَضِيعُوا بِحَضْرَتِكُمْ؛ فَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللهُ عليهِ وآلِهِ) يَقُولُ: مَنْ عَالَ يَتِيمًا حَتَّى يَسْتَغْنِيَ أَوْجَبَ اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ) لَهُ بِذَلِكَ الْجَنَّةَ، كَمَا أَوْجَبَ لآِكِلِ مَالِ الْيَتِيمِ النَّارَ". [الكافي: 7 / 51]







د.فاضل حسن شريف
منذ 6 ساعات
المكونات العراقية وإشكالية المصطلح
الإصلاح الثقافي .. من أين نبدأ ؟
العنف والرأي الجمعي
EN