قراءة علمية لغوية أكاديمية في النص القرآني:
﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
22/02/2025
يمثل الصيام في القرآن الكريم عبادة زمنية محكومة بنظام لغوي وكوني صارم، لا يقوم على الإشارات البصرية السطحية ولا على التقريبات الإجرائية، بل على مفاهيم دقيقة تتصل ببنية الزمن ذاته، وبالعلاقة بين الضوء والظلام، وبين الإنسان والكون. ومن أكثر الآيات التي تكشف هذا العمق قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187]، إذ يجتمع في هذا التركيب القصير عدد من الأدوات اللغوية والدلالية التي تمنحه طابعًا قطعيًا لا يقبل الاختزال.
أول هذه الأدوات هي «ثُمَّ»، وهي في العربية ليست مجرد حرف عطف، بل أداة ترتيب تفيد التراخي مع القطع. فـ«ثم» لا تعني الجمع المطلق كما تفعل الواو، ولا التعقيب السريع كما تفعل الفاء، بل تدل على انتقال إلزامي إلى مرحلة لاحقة لا تتحقق إلا بعد استكمال ما قبلها. ووجود «ثم» هنا يعني أن إتمام الصيام مرحلة مفصولة زمنيًا ودلاليًا عمّا قبلها، ولا يجوز القفز إليها أو تعجيلها. ومن الخطأ المنهجي التعامل مع «ثم» بوصفها أداة أسلوبية مرنة، لأنها في هذا السياق تؤدي وظيفة إلزامية تقطع الطريق على أي إنهاء للصيام قبل تحقق شرطه الغائي.
ويتأكد هذا الإلزام بالفعل «أتمّوا»، الذي يدل في العربية على بلوغ الشيء كماله، لا مجرد التوقف عنه. فالإتمام لا يتحقق عند أول علامة انتقال، بل عند اكتمال المرحلة المحددة نصيًا. وعليه، فإن أي فهم يجعل نهاية الصيام عند لحظة تقريبية أو مؤشر بصري غير مكتمل، يصطدم مباشرة بدلالة «أتمّوا» .
أما الغاية الزمنية، فهي «اللَّيل»، وهنا تتبدى الفجوة الكبرى بين الرؤية القرآنية والفهم الشائع. فالقرآن لا يعرّف الليل بوصفه لحظة سقوط قرص الشمس، بل بوصفه حالة كونية مكتملة تتجلى في الظلام. يقول تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ﴾ [يس: 37]. فالليل هنا يأتي بعد انسلاخ النهار، أي بعد نزع الضوء تدريجيًا حتى تتحقق حالة الإظلام. وهذا توصيف لا ينطبق على الغروب، بل على انتهاء الشفق.
ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: 76]، حيث يدل الفعل «جَنَّ» على الستر التام، أي أن الليل يتحقق عندما يغلب الظلام بحيث تصبح الأجرام السماوية مرئية. وهذا لا يحدث عند سقوط القرص، بل بعد زوال الإضاءة المتبقية.
من هنا، يظهر أن سقوط قرص الشمس ظاهرة بصرية نسبية، لا ظاهرة كونية مطلقة. فالسقوط يعتمد على موقع الراصد وارتفاع نقطة الرصد. من الناحية العلمية، يتضح الإشكال في ربط نهاية الصيام بسقوط قرص الشمس عند إدراك أن هذا “السقوط” ليس حدثًا واحدًا متزامنًا في المكان الواحد. فالرؤية البصرية للشمس تعتمد على ارتفاع نقطة الرصد؛ الراصد في النقطة الأدنى يرى قرص الشمس يغيب أولًا بسبب محدودية خط الأفق، بينما الراصد في نقطة أعلى في المنطقة نفسها لا يزال يرى الشمس ظاهرة. وهذا يثبت أن “سقوط القرص” ظاهرة نسبية مرتبطة بالموقع، لا معيارًا كونيًا ثابتًا.. وهذا وحده كافٍ لإثبات أن سقوط القرص ليس حدثًا واحدًا متزامنًا يمكن أن يُبنى عليه حكم كوني جامع.
أكثر من ذلك، فإن سقوط القرص لا يعني انقطاع الإشعاع الشمسي. فالفيزياء الجوية تؤكد أن أشعة الشمس تستمر بالوصول إلى سطح الأرض بعد الغروب عبر التشتت والانكسار في الغلاف الجوي، وهي المرحلة المعروفة بالشفق. وخلال هذه المرحلة، يكون الضوء حاضرًا فعليًا، وإن غاب مصدره المباشر عن الرؤية. وبذلك، فإن النهار – بمعناه الفيزيائي – لا ينتهي بسقوط القرص، بل بانتهاء آخر شعاع شمسي وبدء الظلام الكامل.
هذا المعنى يتطابق مع ما تقوله البيولوجيا الزمنية، إذ إن جسم الإنسان لا يدخل في الطور الليلي بمجرد الغروب. فالتحول البيولوجي الحقيقي إلى الليل يحدث عند انخفاض شدة الضوء إلى مستوى معين يبدأ معه إفراز هرمون الميلاتونين، المسؤول عن إدخال الجسم في الحالة الليلية: تهدئة الجهاز العصبي، تباطؤ العمليات الأيضية، والاستعداد الفسيولوجي للسكون. وهذا التحول يحدث بعد الغروب بمدة تختلف باختلاف المكان والفصل.
في ضوء ذلك، يصبح ربط نهاية الصيام بسقوط قرص الشمس ربطًا بظاهرة رصدية متغيرة، لا بظاهرة فيزيائية أو بيولوجية حقيقية. بينما ربطها بالليل، كما في النص القرآني، يجعلها منسجمة مع التحول الطبيعي في الضوء والكون والجسد.
ولا يعني هذا الطرح إلغاء الفقه أو التقليل من دوره، بل يفرض تمييزًا منهجيًا ضروريًا بين النص والاجتهاد. فالفقه، في سياق تاريخي عملي، لجأ إلى الغروب معيارًا تنظيميًا لتوحيد العمل، لكنه لم يكن بصدد إعادة تعريف مفهوم الليل ذاته. غير أن تحويل هذا المعيار التنظيمي إلى تفسير للنص القرآني يؤدي إلى اختزال المفهوم القرآني الواسع في لحظة بصرية ضيقة.
وهنا تتجلى أهمية «ثم» مرة أخرى، إذ تمنع التعجيل، وتقطع الطريق على أي إنهاء للصيام قبل تحقق الليل الفعلي. فالنص لا يقول: أفطروا عند الغروب، بل يقول: ثم أتموا الصيام إلى الليل، أي إلى أن يتحقق الليل بوصفه حالة مكتملة.
في الخلاصة، فإن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ يقدم تصورًا بالغ الدقة للزمن، يتجاوز الظواهر البصرية النسبية إلى الحقائق الكونية والبيولوجية. فالليل في القرآن هو انتهاء الضوء لا سقوط القرص، وهو الظلام لا مجرد الغروب، وهو تحول حقيقي في الكون والجسد. وبهذا، يكشف النص القرآني عن انسجام عميق بين الوحي والعلم وبنية الطبيعة، ويؤكد أن التشريع القرآني يُبنى على الاكتمال لا على التقريب.







د.فاضل حسن شريف
منذ 24 ساعة
الحكمة في العناية الإلهية بتغليب العدل في آخر هذه الحياة
الاحتباس النفسي وكورونا
نظرة في بيان المرجعية الدينية حول الانتخابات
EN