اشتملت هاتان الآيتان (219-220) من سورة البقرة على عدد من الأحكام الفقهية:
حرمة الخمر والقمار، ولزوم الإنفاق في سبيل الله، وكيفية المعاشرة مع اليتامى وهناك في ما بين الآيتين دعوة الناس إلى التفكر في شؤون الدنيا والآخرة؛ لأن لهذا التفكر فوائد مختلفة، هي:
أ. الفوائد الفقهيّة: حيث تجعل الإنسان عالماً بالحلال والحرام الإلهي.
ب. الاجتماعية: إذ يفهم منافع ومضارّ الأحكام الفقهية، وينتبه إلى الأحكام التربوية.
ج. العلمية: حيث تتاح للإنسان بالتفكّر إمكانية إدراك الحكمة من بعض الأحكام. مثلاً يتعلّم الإنسان من خلال التفكّر سبل الوصول إلى الأهداف بالاستعانة بما هو حلال من الأمور، فيحاول الوقاية من أي شيء يكون سبباً في أمراضه أولاً، وثانياً إذا أصبح مريضاً يداوي نفسه من طريق الحلال لا مـن طريق الحرام؛ لأنّ الله سبحانه لم يوجد مرضاً إلا أن يوجد علاجاً له، بل لم يضع في قبال المرض علاجا فقط، وإنما بين طريقة العلاج الحلال أيضاً.
إن العمل المحرّم ليس طريقاً بل هو تيه وضياع، والله سبحانه خلق بجانب المرض دواءً حلالاً لعلاجه أيضاً. ويتيح التفكّر في أُمور الدنيا للإنسان اكتشاف الوسيلة الحلال هذه، مثلاً يكتشف أن عصارة العشب الفلاني لها خاصية الخمر الدوائية دون أن تكون لها مفاسده.
وقد صرحت الروايات أيضاً بهذه الحقيقة، فقالت إن الله سبحانه لم يضع الشفاء في الحرام أبداً[1]. وعلى هذا فلا يمكن أن يكون للخمر منفعة علاجية. وسنشير إلى هذا الجانب في البحث الروائي.
د. الاقتصادية: البحث عن حاجات المجتمع الحقيقية لا الكاذبة، وتقييم كيفية الإنتاج المطلوبة، والتحقيق في الاكتفاء الذاتي من المواد الأولية، والتحقيق في طريقة الانتقال من الاقتصاد التقليدي إلى الصناعي، ودراسة سبل الاستغناء عن الأجانب، وتحليل كيفية الوصول إلى توازن الميزان التجاري، وإيجاد الحلول لمشكلة الفقر من خلال خلق فرص العمل وتجنّب زيادة الفقراء، الالتفات إلى مراعاة حفظ كرامة الفقراء الطبيعيين عند الإحسان إليهم، وأخيراً الاهتمام بأمرين محوريين هما محور السعي إلى زيادة الإنتاج، ومحور القناعة في الاستهلاك. وكل ما سبق فهو من مصاديق التفكر في الدنيا الحسنة التي ستكون هي الوسيلة إلى الحصول على الآخرة الحسنة أيضاً.
إنّ الدراسة والنقاش والحوار العلمي التطبيقي حول الحديث النوراني للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام القائل: (من وجد ماءً وتراباً ثم افتقر، فأبعده الله[2]) هو نموذج للتفكر في الدنيا والآخرة.
وهذا الجمع الميمون والتأليف المبارك بين الدنيا والاخرة مثلما يندب اليه في الفكر كما جاء في الاية التي هي مورد البحث فهو مشهود في الذكر والدعاء أيضا كما جاء في آية (وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [البقرة: 201].
ويجب الالتفات الى أن السبب الاخر في تقديم الدنيا على الآخرة في عمليتي الفكر والذكر اضافة الى مراعاة الترتيب الطبيعي هو أن الاخرة مقدمة على الدنيا اذا نظرنا اليها من ناحية المنزلة والهدف غير أن الدنيا هي مقدمة الاخرة اذا نظرنا اليها من ناحية السير العبادي مثلما تكون التزكية مقدمة على التعليم إلا أن التعليم هو مقدمة التزكية.
[2] وسائل الشيعة، ج17، ص41.