أحاديث وروايات المعصومين الاربعة عشر/الامامة/إمامة الائمة الاثني عشر عليهم السلام/إمامة الائمة عليهم السلام وما جاء في حقهم/النبي محمد (صلى الله عليه وآله)
لقد أصبح رسول
الله صلى الله عليه وآله يوما وقد غص مجلسه بأهله ، فقال : أيكم اليوم أنفق من
ماله ابتغاء وجه الله؟ فسكتوا ، فقال علي عليه السلام : أنا خرجت ومعي دينار اريد
أشتري به دقيقا فرأيت المقداد بن أسود وتبينت في وجهه أثر الجوع ، فناولته الدينار
، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : وجبت ، ثم قام آخر فقال : قد أنفقت
اليوم أكثر مما أنفق علي ، جهزت رجلا وامرأة يريدان طريقا ولا نفقة لهما ، فأعطيتهما
ألف درهم فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا : يا رسول الله مالك قلت
لعلي : « وجبت » ولم تقل لهذا وهو أكثر صدقة؟ فقال رسول الله : أما رأيتم ملكا
يهدي خادمه إليه هدية خفيفة فيحسن موقعها ويرفع محل صاحبها ، ويحمل إليه من عند
خادم آخر هدية عظيمة فيردها ويستخف بباعثها؟ قالوا : بلى ، قال : فكذلك صاحبكم علي
دفع دينارا منقادا لله سادا خلة فقير مؤمن ، وصاحبكم الآخر أعطى ما أعطى معاندة لأخي
رسول الله ، يريد به العلو على علي بن أبي طالب عليه السلام فأحبط الله عمله وصيره
وبالا عليه ، أما لو تصدق بهذه النية من الثرى إلى العرش ذهبا أو لؤلؤا لم يزدد
بذلك من رحمة الله إلا بعدا ، ولسخط الله تعالى إلا قربا ، وفيه ولوجا واقتحاما.
ثم قال رسول
الله صلى الله عليه وآله : فأيكم اليوم دفع عن أخيه المؤمن بقوته قال علي عليه السلام
: أنا مررت في طريق كذا ، فرأيت فقيرا من فقراء المؤمنين قد تناوله أسد فوضعه تحته
وقعد عليه ، والرجل يستغيث بي من تحته ، فناديت الاسد : خل عن المؤمن ، فلم يخل ،
فتقدمت إليه فركلته برجلي ، فدخلت رجلي في جنبه الايمن وخرجت من جنبه الايسر ، فخر
الاسد صريعا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : وجبت ، هكذا يفعل الله بكل
من آذى ذلك وليا ، يسلط الله عليه في الآخرة سكاكين النار وسيوفها ، يبعج بها بطنه
ويحشى نارا ، ثم يعاد خلقا جديدا أبد الآبدين ودهر الداهرين.
ثم قال رسول
الله صلى الله عليه وآله : وأيكم اليوم نفع بجاهه أخاه المؤمن؟ فقال علي عليه السلام
: أنا ، قال : صنعت ماذا؟ قال : مررت بعمار بن ياسر وقد لازمه بعض اليهود في
ثلاثين درهما كانت له عليه ، فقال عمار : يا أخا رسول الله صلى الله عليه وآله
يلازمني ولا يريد إلا إيذائي وإذلالي لمحبتي لكم أهل البيت. فخلصني منه بجاهك ،
فأردت أن اكلم له اليهودي فقال : يا أخا رسول الله صلى الله عليه وآله أنا
أجللك في قلبي وعيني ، من أن أبذلك لهذا الكافر ولكن اشفع لي إلى من لا يردك عن
طلبه ، فلو أردت جميع جوانب العالم أن يصيرها كأطراف السفرة لفعل ، فاسأله أن
يعينني على أداء دينه ويغنيني عن الاستدانة ، فقلت : اللهم افعل ذلك به ثم قلت له
: اضرب إلى ما بين يديك من شيء حجرا أو مدرا ، فإن الله يقلبه لك ذهبا إبريزا ،
فضرب يده فتناول حجرا فيه أمنان ، فتحول في يده ذهبا ، ثم أقبل على اليهودي فقال :
وكم دينك؟ قال : ثلاثون درهما ، قال : فكم قيمتها من الذهب؟ قال : ثلاثة دنانير ، فقال
عمار : اللهم بجاه من بجاهه قلبت هذا الحجر ذهبا لين لي هذا الذهب لأفضل قدر حقه ،
فألانه الله عزوجل له ، ففصل له ثلاثة مثاقيل وأعطاه ، ثم جعل ينظر إليه وقال :
اللهم إني سمعتك تقول : « إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى » ولا اريد غنى يطغيني ،
اللهم فأعد هذا الذهب حجرا بجاه من بجاهه جعلته ذهبا بعد أن كان حجرا ، فعاد حجرا
فرماه من يده وقال : حسبي من الدنيا والآخرة موالاتي لك يا أخا رسول الله ، فقال
رسول الله صلى الله عليه وآله تعجبت ملائكة السماوات من فعله ، وعجت إلى الله
تعالى بالثناء عليه ، فصلوات الله من فوق عرضه يتوالى عليه ، فأبشر يا أبا اليقظان
فإنك أخو علي في ديانته ، ومن أفاضل أهل ولايته ، ومن المقتولين في محبته ، تقتلك
الفئة الباغية ، وآخر زادك من الدنيا صاع من لبن ، ويلحق روحك بأرواح محمد وآله
الفاضلين ، فأنت من خيار شيعتي.
ثم قال رسول
الله صلى الله عليه وآله : فأيكم أدى زكاته اليوم؟ قال علي عليه السلام : أنا
يا رسول الله ، فأسر المنافقون في اخريات المجلس بعضهم إلى بعض يقولون : وأي مال لعلي
حتى يؤدي منه الزكاة؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : أتدري ما يسر هؤلاء
المنافقون في آخريات المجلس؟ قال علي عليه السلام : بلى ، قد أوصل الله تعالى إلى
اذني مقالتهم يقولون : وأي مال لعلي حتى يؤدي زكاته؟ كل مال يغنم من يومنا هذا إلى
يوم القيامة فلي خمسه بعد وفاتك يا رسول الله ، وحكمي على الذي منه لك في حياتك جائز
، فإني نفسك وأنت نفسي ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله : كذلك هو يا علي ،
ولكن كيف أديت زكاة ذلك؟ فقال علي عليه السلام : علمت بتعريف الله إياي على لسانك
أن نبوتك هذه سيكون بعدها ملك عضوض وجبرية ، فيستولي على خمسي من السبي والغنائم
فيبيعونه ، فلا يحل لمشتريه ، لان نصيبي فيه ، وقد وهبت نصيبي فيه لكل من ملك شيئا
من ذلك من شيعتي ، فيحل لهم منافعهم من مأكل ومشرب ، ولتطيب مواليدهم ، فلا يكون
أولادهم أولاد حرام ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ما تصدق أحد أفضل من
صدقتك ، ولقد تبعك رسول الله في فعلك أحل لشيعته كل ما كان من غنيمة وبيع من نصيبه
على واحد من شيعتي ، ولا احله أنا ولا أنت لغيرهم.
ثم قال رسول
الله صلى الله عليه وآله : فأيكم اليوم دفع عن عرض أخيه المؤمن؟ قال علي عليه السلام
: أنا يا رسول الله ، مررت بعبد الله بن ابي وهو يتناول عرض زيد بن حارثة فقلت له
: اسكت لعنك الله ، فما تنظر إليه إلا كنظرك إلى الشمس ، ولا تتحدث عنه إلا كتحدث
أهل الدنيا عن الجنة ، فإن الله تعالى قد زادك لعائن إلى لعائن لوقيعتك فخجل
واغتاظ فقال : يا أبا الحسن إنما كنت في قولي مازحا ، فقلت له : إن كنت جادا فأنا
جاد وإن كنت هازلا فأنا هازل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : قد لعنه
الله عزوجل عند لعنك له ، ولعنته ملائكة السماوات والارضين والحجب والكرسي والعرش
، إن الله يغضب لغضبك ، ويرضى لرضاك ، ويعفو عند عفوك ، ويسطو عند سطوتك.
ثم قال رسول
الله صلى الله عليه وآله : أتدري ما سمعت من الملا الاعلى فيك ليلة اسري بي يا
علي؟ سمعتهم يقسمون على الله تعالى بك ويستقضونه حوائجهم ويتقربون إلى الله تعالى
بمحبتك ، ويجعلون أشرف ما يعبدون الله به الصلاة علي وعليك وسمعت خطيبهم في أعظم
محافلهم وهو يقول : علي الحاوي لأصناف الخيرات ، المشتمل على أنواع المكرمات ،
الذي قد اجتمع فيه من خصال الخير ما قد تفرق في غيره من البريات ، عليه من الله
تعالى الصلاة والبركات والتحيات ، وسمعت الأملاك بحضرته والاملاك في سائر السماوات
والحجب والعرش والكرسي والجنة والنار يقولون بأجمعهم عند فراغ الخطيب من قوله :
آمين اللهم وطهرنا بالصلاة عليه وعلى آله الطيبين.
المصدر : بحار الأنوار
المؤلف : العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
الجزء والصفحة : جزء 41 / صفحة [ 18 ]
تاريخ النشر : 2026-05-20