يُعد التعامل مع المراهقين فنا تربويا يحتاج إلى مهارات وأساليب متوازنة، تساهم في بناء علاقة قائمة على الفهم، والثقة، والتوجيه السليم. ومن خلال هذه المهارات، يتمكن المربي من تحقيق تواصل فعال، وتوجيه سلوك المراهق دون صدام أو قمع مما يساعد في تكوين شخصيته بشكل إيجابي ومتزن.
وهناك العديد من المهارات التي ينبغي إتقانها في هذا المجال نذكر منها الآتي:
ـ تعليم المراهق المسؤولية واتخاذ القرار
من الأخطاء القاتلة المنتشرة في ثقافة بعض مجتمعاتنا اليوم أن الشاب في الفترة التي يصطلح عليها بفترة المراهقة هو خارج إطار المسؤولية والتكليف ولا مانع من تركه على هواه وإعطائه كل ما يحلو له، وعدم فرض أي قيود على حرياته، لأنه ما زال ناقص العقل والوعي وغير مدرك لما يقوم به، في حين أن الإسلام اعتبر أن هذه المرحلة من أشدّ المراحل خطورة على المستوى التربوي وأن هذه المرحلة يجب التنبه بها لكافة أفعال وتصرفات الشاب وفرض القيود الإضافية لمساره في الحياة ومواكبته بالتعليم والتوجيه السليمين حتى لا توقعه المزالق في أودية الضياع والفساد والرذيلة(1).
لذا ينبغي على المربي تعليم المراهق تحمل المسؤولية واتخاذ القرار. وهو عملية تربوية تهدف إلى تنمية قدرته على اتخاذ قرارات مدروسة وتحمل نتائجها، سواء كانت إيجابية أو سلبية.
تعتمد هذه المهارة على تعويده تدريجيًا على إدارة شؤونه الخاصة وتحمل عواقب اختياراته، مع توجيهه لاكتساب التفكير الواعي والتخطيط السليم. عندما يتقن المراهق هذه المهارة، يصبح أكثر استقلالية وثقة بنفسه، وأكثر قدرة على مواجهة تحديات الحياة بوعي ومسؤولية.
السؤال المطروح هو: كيف يمكن للمراهق من اكتساب مهارة تحمل المسؤولية واتخاذ القرار؟
الجواب: لكي يتعلم المراهق هذه المهارة، يجب على الأهل والمربين اتباع أساليب عملية تدعمه في بناء استقلاليته وتعويده على اتخاذ القرارات وتحمل نتائجها، ومن أبرز هذه الأساليب:
1ـ منحه مسؤوليات تدريجية تناسب عمره
المراهق لا يمكنه تعلم المسؤولية فجأة، بل يحتاج إلى تدرج في المهام التي يتحملها، بدءًا من مسؤوليات صغيرة حتى يصل إلى اتخاذ قرارات أكبر.
مثال: يمكن تكليفه بإعداد وجبة بسيطة لعائلته أو ترتيب غرفته بشكل يومي، فهذا يغرس فيه الشعور بالمسؤولية والقدرة على الإنجاز.
2- السماح له باتخاذ قراراته الخاصة مع التوجيه
يجب أن يُعطى المراهق حرية اتخاذ قراراته الشخصية، مثل: اختيار ملابسه أو تنظيم وقته، مع تقديم المشورة عند الحاجة دون فرض السيطرة عليه.
مثال: بدلاً من إجباره على اختيار تخصص دراسي معين، يمكن للأهل أن يفتحوا له باب الحوار، ويوضحوا له الخيارات المتاحة ومزايا كل منها، مع ترك القرار النهائي له.
3ـ تعليمه إدارة المال وتحمل المسؤولية المالية
المراهق الذي يتعلم كيفية إدارة المال مبكرًا يصبح أكثر وعيا في قراراته المستقبلية المتعلقة بالإنفاق والتخطيط المالي.
مثال: بدلاً من إعطائه مصروفاً يوميًا، يمكن منحه مبلغا شهريًا وإرشاده إلى كيفية تقسيمه بين الاحتياجات والترفيه بحيث يتعلم التحكم بميزانيته.
4ـ السماح له بالتعلم من أخطائه بدلاً من حمايته الزائدة:
إن إعطاء المراهق مساحة ليخطئ ويتعلم من عواقب أفعاله يجعله أكثر نضجا في اتخاذ قراراته، بعكس الحماية الزائدة التي تبقيه معتمدًا على الآخرين.
مثال: إذا نسي أداء واجبه المدرسي، يجب تركه يواجه عواقب ذلك في المدرسة بدلا من التدخل لحل المشكلة نيابة عنه.
5ـ تشجيعه على التفكير النقدي وتحليل الخيارات
اتخاذ القرار مسؤولية كبيرة، لذا يجب أن يتعلم المراهق التفكير النقدي ومقارنة الخيارات المتاحة قبل اتخاذ أي قرار.
مثال: عند رغبته في شراء هاتف جديد، يمكن للأهل تشجيعه على مقارنة المواصفات والأسعار بدلا من اتخاذ القرار بناءً على الرغبة العاطفية فقط.
6ـ غرس الوعي بالعواقب وتحمل نتائج القرارات
من الضروري أن يفهم المراهق أن كل قرار يتخذه له عواقب إيجابية أو سلبية، وأنه مسؤول عن تحمل النتائج.
مثال: إذا قرر المراهق السهر لوقت متأخر، عليه أن يتحمل الإرهاق والتأثير السلبي على دراسته في اليوم التالي.
إن الآثار الإيجابية لتطبيق مهارة تحمل المسؤولية واتخاذ القرار عديدة، منها:
* بناء شخصية قوية قادرة على مواجهة التحديات بثقة.
* تقليل التردد والاعتماد المفرط على الآخرين في اتخاذ القرارات.
* تطوير مهارات التفكير النقدي والتخطيط للمستقبل.
* تحسين العلاقة بين المراهق وأسرته، حيث يشعر بأنه محترم وله دور في الأسرة.
* زيادة قدرته على إدارة وقته وأمواله ومسؤولياته بفعالية.
وأما الآثار السلبية على إهمال هذه المهارة، فهي كالآتي:
* نشوء شخصية مترددة غير قادرة على اتخاذ قرارات حاسمة.
* ضعف القدرة على مواجهة التحديات المستقبلية بسبب قلة الخبرة في تحمل المسؤولية.
* الاعتماد الدائم على الآخرين، مما يجعله عرضة للتبعية والانقياد بسهولة.
* صعوبة التعامل مع الضغوط الحياتية والعملية عند البلوغ.
* الإحساس بالعجز وعدم الثقة بالنفس، مما قد يدفعه إلى العزلة أو الانجراف مع رفاق السوء.
نستنتج من هذه المهارة: أن تعليم المراهق تحمل المسؤولية واتخاذ القرار ليس خيارًا، بل هو ضرورة تربوية تؤثر في مستقبله بشكل مباشر.
عندما يُمنح المراهق الفرصة ليكون مسؤولا عن نفسه بطريقة متدرجة ومدروسة، فإنه يكتسب الثقة والنضج، والقدرة على إدارة حياته بوعي. وعلى العكس، فإن حمايته الزائدة أو منعه من اتخاذ القرارات يؤدي إلى خلق شخصية ضعيفة ومترددة. لذلك فإن دور الأهل والمربين هو تمكين المراهق من التجربة والتعلم وتقديم الدعم عند الحاجة، مع ترك مساحة كافية له ليصبح إنسانًا مستقلا ناجحًا في حياته.
__________________________
(1) وتزودوا في شهر الله - المركز الإسلامي للتبليغ - ص 172.