1. سبيل الله سبيل واحد: يظهر من قيل (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [البقرة: 154] أن لفظ سبيل هو واحد لأن الحق واحد وبعده لاشيء سوى الضياع والبطلان: (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ) [يونس: 32].
وفي مقابل طريق الحق الواحد هناك عدة طرق للباطل: (وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) [الأنعام: 153] جميعها يختلف عن طريق الحق، بل يتباين بعضها عن البعض الآخر. وفي الآخرة يتجسد المظهر التكويني لسبل الباطل المتفرقة بصراط الجحيم (فَاهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْجَحِيمِ) [الصافات: 23].
ولا بد من الإشارة إلى أنّ (سبيل الله) هو (الصراط المستقيم) التشريعي، ومجيئه بصيغة الجمع في (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت: 69] هو بملاحظة ميزان حظ واستفادة السبل من الصراط المستقيم. ولما كانت كل الطرق ـ سـوى الصراط المستقيم. لا توصل الإنسان إلى مقصده، لذا خاطب الله متبعي الطرق المنحرفة بقوله: (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ) [التكوير: 26]؟
ولا يوجد في نظام التكوين أي طريق غير الصراط المستقيم الواحد الشامل، وهو الطريق المستقيم الذي تسير عليه جميع الموجودات بقيادة الله الواحد. أما الطرق الأخرى المختلفة عن الصراط المستقيم الإلهي فلا توجد إلا في ساحة التشريع وأفعال الإنسان الاختيارية، وهي التي تتعاكس من جهتي الصعود والهبوط: (إِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا) [الأعراف: 146].
2. رجوع صفة (العليم) إلى (البصير): اتفق المفسرون على رجوع صفتي (السميع) و(البصير) إلى صفة (العليم)؛ أنه عندما يقال: إن الله سميع بصير، فالمقصود هو أ بمعنى أنه يعلم بالمسموعات والمرئيات[1]. لكن البعض يُرجع (العليم) إلى (البصير)، بمعنى أنه لو قيل: إن الله (عليم) بأعمال العباد، فالمراد هو أنه يراها لا أن الصورة الذهنية للأشياء والأعمال موجودة عند الله؛ لأنّ علم الله حضوري وشهودي، لا علم حصولي كلي.
وتوضيح ذلك: 1. أن العلم، وصف جامع تندرج تحت عنوانه أقسام عديدة.
2. أن (السميع) و(البصير) مصداقان من مصاديق (العليم)؛ لأنّ ال والبصر قسمان من العلم المطلق، لا أنهما قسيمان ومقابلان له.
3. لما كان الشهود مأخوذاً في وصف البصير، وغير مأخوذ في العلم الحصولي، وعلم الله سبحانه بجميع الأشياء شهودي لدى الأوحدي؛ فلو فسرنا علم الله بالأشياء والأعمال بنفس ذلك المعنى الجامع للعالم والمطلع، فهذا هـو التفسير الشائع؛ أما لو فسّرنا علمه. ضمن حفظ نفس هذا العنوان ونفس المفهوم الجامع. بالقسم الخاص منه، أي البصير والشاهد و...؛ فإضافة إلى حفظ أصل معنى العلم نكون قد أشرنا أيضاً إلى ما يختص به العلم الإلهي. وهذا هو معنى إرجاع العليم إلى البصير، لا عدم صدق العلم -أو العليم- عليه.
3. السمع والبصر المطلق والخاص: يعود هذا التقسيم إلى حلّ التناقض الذي ينشأ في الذهن لأول وهلة. وهذا التناقض المتوهم كما يأتي:
1. أن الموجبة الكلية والسالبة الجزئية متناقضتان.
2. أن القرآن الحكيم يتحدث أحيانا بموجبة كلية وهي أن الله ينظر إلى جميع الأشياء ويراها، ويتحدث أحياناً أخرى بسالبة جزئية وهي أنه لا ينظر إلى بعض الأفراد ولا يراهم.
3. أن هذا السلب الجزئي يتناقض مع ذلك الإيجاب الكلي.
وحل هذا التناقض المتوهم يمكن ببيان الفرق بين النظر الإيجابي والنظر السلبي؛ لأنّ النظر الإيجابي هو ذلك النظر والرؤية العامة التي تتعلق بكل الأشياء، في حين يكون النظر السلبي هو ذلك النظر والرؤية التشريفية، وهو ما سنحاول رسم إطار عام له في ما يأتي:
إن سمع الله وبصره يكونان على نوعين: أ. السمع والبصر المطلقان بجميع الأشياء والأشخاص: (وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) [الحج: 61] و(إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ) [الملك: 19].
ب. السمع والبصر الخاصان بفئة خاصة وهم المؤمنون، مثل (السميع) في كلام النبي زكريا عليه السلام: (قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) [آل عمران: 38]، ومثل آية (رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [آل عمران: 35]، التي تشير إلى السمع التشريفي، أي الذي يـ الكلام ويرتب عليه الآثار أيضاً. ويشبه ذلك (النظر) في آية (وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [آل عمران: 77]، التي تعني حرمان أهل جهنم من النظر والتوجـه الخـاص والتشريفي لله سبحانه، وليس بمعنى أن هؤلاء ليسوا في محضر الله ومرأى منه.
4. نتيجة الدعاء: من الأوصاف الثابتة الله سبحانه أنه (سميع الدعاء) و(سريع الرضا)، وهما من الأسماء الحسنى للحق تعالى.
فإذا لم تتم استجابة دعاء ما، فذلك إما بسبب فقدان الشخص الداعي لشروط استجابة الدعاء مثل (إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي) [البقرة: 186] أَو أَنْ استجابة ذلك الطلب الخاص ليست من مصلحة الفرد الداعي بل مصداق لهذه الآية (وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ) [البقرة: 216].
وثمرة الدعاء بإخلاص هي:
1. أن محتوى الدعاء إذا كان فيه مصلحة الدنيا والآخرة لذلك الشخص فالله الكريم سوف يعطيه ذلك.
2. وإذا كان مضمون الدعاء ليس في مصلحة الداعي، فسوف لن يعطيه الله ذلك؛ لأنه أرحم من أي أحدٍ على نفسه.
أما لو كان الفرد الداعي مرتكبا لأحد الذنوب، فالله سيعوضه عن عـدم الإجابة بغفران ذلك الذنب، أما لو لم يكن عليه ذنب فسيضيف حسنة إلى حسناته، أو أن يهيئ له ويعطيه بعضاً آخر من الحاجات التي تكون فيها مصلحته لكنه لم يذكرها في دعائه. ومن هنا جاء استحباب أن يمسح الداعي يديه. اللتين رفعهما بالدعاء ـ بوجهه؛ إذ يستحيل عودتهما خاليتين[2].
5. لزوم الجهاد من الناحية العقلية: يقول المفسر الكبير السيد نور الدين العراقي رحمه الله في ذيل الآيـة التـي هـي مورد البحث: إن الآية تدل على وجوب الجهاد، مثلما يدلّ العقل على ذلك أيضاً. والحقيقة الوجودية للإنسان ليست إلا هذا الاعتقاد والإيمان بالحق، والكافرون لا يمتلكون هذه الحقيقة ويقفون عائقاً أمام امتلاك الآخرين لهذه الحقيقة، وكفرهم هذا يصير سببا لخلودهم في النار وإن كان العمل المحرم في حد ذاته ليس سبباً للخلود في النار.
وهكذا فالدعوة إلى الحق. حتى ولو بالسيف ـ ضرورية؛ لأن الإنسان حتى لو كان دخوله إلى الإسلام تحت تأثير الجهاد بالسيف، فإنّه بعد فترة سيفكر ويصل إلى العقائد الحقة وينال درجة عالية من المعرفة؛ إذ يستحيل أن يبحث الإنسان عن الحقيقة ولا يصل إليها إذا كان نزيهاً، أما إذا لم يسلم الإنسان بعد البحث والتنقيب، فسيضمر كفره، ومجرد هذا الإضمار يعد إحساناً في حق أبنائه؛ إذ إنه لو قتل فسيكون أخلافه والآخرون في مأمن من خطر سراية كفره.
وهكذا يكون الجهاد من الناحية العقلية عملاً حسناً وواجباً في جميع الأحوال[3].
تنبيه: يجب الالتفات إلى أنّ روح الجهاد حتى وإن كان الجهاد ابتدائياً ترجع في الحقيقة إلى الدفاع؛ لأن جوهره هو اجتثاث جرثومة الاستكبار والاستعمار والاستثمار والاستعباد وأمثال ذلك مما يمنع وصول علوم الوحي إلى المجتمع التواق إلى التوحيد والعدل.
وتفصيل هذا المطلب يأتي عند تفسير آية (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ) [الحج: 40] إن شاء الله تعالى.
[1] راجع: تفسير البحر المحيط، ج 2، 261؛ تفسير التحرير والتنوير، ج 2، ص 458؛ تفسير المنار،
[2] فلاح السائل، ص187؛ بحار الأنوار، ج 83، ص210.
[3] القرآن والعقل، ج 1، ص 143-144.