كان احتمال كون الآية بصدد التمثيل مطروحا لدى بعض القدماء، إلّا أنّ محمد عبده ومن تبعه من المتأخرين هم الذين دافعوا عنه دفاعاً جادا عنيدا[1]، فهم لما لم يجدوا روابات معتبرة لتفسير الآية، كما أنّ التوراة الحالية أيضاً لم تذكر مثل هذه القصة ضمن سردها لقصة النبي حزقيل عليه السلام، زعموا بأن الروايات الدالة على واقعيّة القضية هي روایات خرافية وإسرائيلية. وهكذا ضمن حملهم مورد الآية على التمثيل، قالوا بأنّ الموت والحياة المذكورين هما الموت والحياة المعنويان.
وهنا ضمن عرضنا التفصيلي لأدلة القائلين بتمثيل الآية، نقوم بمناقشة هذه الأدلة:
الدليل الأول: لا يمكن من الناحية العقلية تصوّر موت أحد الأشخاص في هذه الدنيا ثـمّ عودته حياً فيها مرة أخرى، بل الأموات لا يبعثون إلّا في عالم الآخرة[2]، مثلما أن هدف الجهاد ليس مقتل المجاهدين في الدنيا ثم عودتهم مرة أُخرى إلى نفس هذه الدنيا[3].
والجواب: عدم وجود أي محذور عقلي في إحياء الأموات في الدنيا، بل القرآن الكريم يعد ذلك واحدة من المعجزات الإلهية وهو ماسنشير إليه في الأقسام القادمة.
ويلزم الإشارة إلى أن تفسير المنار قد فسر الكثير من معجزات الأنبيـاء بـما معناه أن المراد من الإحياء والإماتة الإعجازيين هما الإماتة والإحياء المعنويان أو التمثيل أو التخييل[4]. إلا أن من الواضح أن إحياء الأموات ليس ممكناً عقلياً فقط بل لما كان القرآن الكريم قد أخبر عن ذلك ـ وهو الصادق المصدق. فالواجب عدم التردّد في القبول بذلك.
إن إحياء الشخص الميت أمر ممكن عقليا وممتنع في الظروف العادية، ويمكن تحققه بإعجاز الرسول أو كرامة الإمام المعصوم عليه السلام بإذن الله. وليس مهما بعد ذلك ما كان من نزاع بين المعتزلة والأشاعرة والذي أشار إلى بعض منه الشيخ الطوسي رحمه الله في التبيان[5] ولا فائدة من التعرّض له هنا.
تنبيه: يمكن الاستناد إلى محذور التناسخ لإنكار إمكانية إحياء الشخص الميت مرة أخرى في الدنيا واعتبار ذلك معضلة عقلية تقف عائقا أمام قبول بعض الظواهر النقلية.
إلا أن التعمق في معنى التناسخ يُظهر عدم وجود أي محذور في إمكانية عودة الشخص الميت إلى الحياة؛ لأن الشخص الذي مات وعاد حيا من خلال معجزة رسول الله مثلا هو تعلق نفس هذه الروح بهذه الفعلية بنفس بدنها مرّة أخرى تعلقا تدبيريا لا أنه تتعلق ببدن آخر كي يمكن القول بأن الروح بمثابة فاكهة شجرة البدن وكل شجرة لا تقبل إلا فاكهتها الخاصة لا أن ثمرة شجرة أخرى تتعلق بغصن هذه الشجرة ولا أنها تهبط من فعليتها السابقة فتنزل إلى القوة الفعلية، كي يبرز محذور الرجوع من الفعليّة إلى القوة. إذن فلا يلزم أي واحد من إشكالي التناسخ المعروفين، لا تعلـق الروح ببدن آخر ولا هبوط الروح من الفعل إلى القوة.
الدليل الثاني: يشار في هذا الدليل إلى مطلبين:
1. طبقا لآية (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَىٰ) [الدخان: 56] فالإنسان لا يموت في الدنيا موتا طبيعيا أكثر من مرة واحدة؛ إذن فموت الخارجين من المدينة لا يمكن أن يكون موتاً طبيعياً. وبنفـي الموت الطبيعي يثبـت مـوتهم المعنوي.
2. لو اعتبرنا الموت في هذه الآية بمعنى الموت الطبيعي، فيجب على الإنسان أن يموت ثلاث مرات ويحيى ثلاث مرّات، في حين أنّ الناس في القيامة الكبرى يقولون الله. (رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ) [غافر: 11]. والإماتة مرتان هي الانتقال من الدنيا إلى عالم البرزخ، ومن البرزخ إلى القيامة الكبرى. ولو كان هناك في الدنيا إماتة وإحياء أخريان أيضاً، فيصير المجموع ثلاث مرات، وهو ما لا يوافق عليه ظاهر هذه الآية[6].
وجوابه: أن إطلاق وعمومية الآيات المذكورة يدلان على أن الإنسان لا يموت أكثر من مرة واحدة في هذه الدنيا؛ لكن الإطلاق والعموم لا يصيران حجة إلا بعد إحراز عدم وجود المقيّد والمخصص، وأخذ أصالة الإطلاق وأصالة العموم بنظر الاعتبار. وعلى هذا، فلو ظهر دليل مستقل ـ كالآية التي هي مورد البحث ـ على أن الله سبحانه قد أمات شخصاً أو مجموعة خاصة في هذه الدنيا ثم أحياهم، فسوف لا يكون إطلاق وعموم الآيات الاستشهادية حجّة بالنسبة إلى مورد التقييد أو التخصيص، ومقتضى الجمع الدلالي بين الآيات هو الالتزام بالتخصيص والتقييد.
وقد ذكر القرآن الكريم نماذج أخرى من إحياء الأموات في الدنيا، مثل قصة النبي العزير: (فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ) [البقرة: 259] وإحياء المقتول الإسرائيلي بضربه ببعض أجزاء البقرة المذبوحة: (قُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ) [البقرة: 73]، وإحياء الأموات على يد عيسى المسيح عليه السلام بإذن الله: (وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ) [آل عمران: 49].
ويجب الالتفات إلى عدم الفرق بين إحياء الإنسان الميت والحيوان الميت من جهة أصل إعجازية إحياء الميت، وهكذا يمكن الإشارة إلى إحياء الطيور المذبوحة بالدعاء وقراءة النبي إبراهيم عليه السلام: (ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا) [البقرة: 260].
الدليل الثالث: لو كان القرآن الكريم بصدد بيان حادثة تاريخية وقضية واقعية، لكان قد عين الأمة والعصر الذي وقعت فيه هذه الواقعة؛ كما فعل حين حديثه عن مصير مجموعة من بني إسرائيل بعد النبي موسى. عليه السلام (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ) [البقرة: 246] لكنه في الآية التي هي مورد البحث لم يبين وضع الأمة، ولا اسم نبي ذلك الزمان، ولا المنطقة التي كانوا يسكنونها، ولا وقت الحادثة أصلاً؛ لذا لا يمكن أن يكون مورد الآية قصة تاريخية، بل هو من باب المثال[7].
والجواب: 1. تستدعي بلاغة القرآن الكريم أحياناً أن يبيّن إحدى القصص بصورة مفصلة، كقصة النبي موسى عليه السلام مع أُمته. وأحيانا أخرى يبينها باختصار مثل (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) [الأعراف: 181] التي لم يشر فيها إلى أكثر من وجود أُمة ما في الماضي تتصف بالصفات المذكورة.
2. إن القرآن الكريم كتاب هداية، لا كتاب قصّة ورواية؛ ومن هنا فلا يلزم أن يذكر الزمان والمكان واسم القوم وبقية خصوصيات القصة. وعندما يذكر القرآن القصة التاريخية لنبي الله موسى عليه السلام. أكثر من مئة وعشر مرات، فلم يكن الهدف. هو القصة بحدّ ذاتها، بل هي وسيلة لبيان سبل الهداية وإدراك معارف أُخرى؛ لأنّ علم التاريخ ليس من العلوم الأصيلة، بـل مـن العـلـوم الموصلة لها. بمعنى أن قراءة التاريخ ليست من أهداف القرآن الأصلية، بل هي وسيلة لأخذ العِبَر وانتقال الحقائق والتجارب من الأجيال السابقة إلى الأجيال اللاحقة.
ومن أمثلة ذلك ما نقله القرآن الكريم من حكاية النبي يوسف عليه السلام، فهو لم يذكر زمان وقوع القصة والسجن ومقدار تواجده في جهاز السلطة ومدة حكمه على مصر، بل اكتفى بالإشارة إلى المقاطع التعليمية والتربوية من حياته، كقوله عند تهديده بالسجن: (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) [يوسف: 33].
وكما أن معارف القرآن هي أتقن المعارف وأحاديثه أحسن الأحاديث: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ) [الزمر: 23]، فسرده للقصص أيضاً يكون بأحسن صور السرد: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ)[8]، أي بأحسن أساليب سرد القصص لأنها مطابقة للحق والواقع، وتكشف عن أحسن وأبرز وأنفع جوانبها، على العكس من غيرها من أساليب سرد القصص التي يضيع معها وقت السامع من خلال اهتمامها بالجزئيات غير المفيدة أو قليلة الفائدة، والتي تسعى كذلك إلى استغفال الناس عن المشاكل الأساسية لمجتمعاتهم من خلال إلهائهم بالقضايا الجانبية التافهة.
ومن النماذج الأخرى هو ما جرى على أصحاب الأخدود: (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ* النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ* إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ* وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ) [البروج: 4-7] التي لم يرد فيها أي إشارة إلى زمان ومحل وقوع الحادثة، ولا إلى إسم الأمة واسم نبيها.
وقصة أصحاب الأخدود تعلّم المؤمنين درساً في المقاومة، دون أن يكون هناك أي شك في أصل وقوع الحادثة. وهي قصة تتحدث عما لاقاه مجموعة مـن المؤمنين من الحرق في نار أعدها الظلمة في إحدى القنوات وألقوا المؤمنين فيها، وكان هؤلاء الظالمون يتفرجون على هؤلاء المؤمنين الذين تحولت أجسادهم الى رماد.
فعلى هذا يمكن لهذه الحكاية أن تكون مبينة لواقعة فرار فئة من الناس نتيجة لخوفهم من الموت وإماتة الله لهم وإحيائهم مرة اخرى وأن نقل هذه القصة بغض النظر عن الزمان والمكان وقومية هذه الفئة هو بهدف أن يفهم الجميع أن الموت والحياة كليهما بيد الله.
الدليل الرابع: إن سياق الاية يناسب التمثيل اذ إن الله سبحانه يأمر بالجهاد في الآية التالية: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [البقرة: 244] والجهاد والدفاع من عوامل الحياة المعنوية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) [الأنفال: 24] وهذا يعني أن تاركي الجهاد والدفاع هم أموات ومتى ما قروا الجهاد عادوا أحياء وعلى هذا فيجب حمل مضمون الاية على التمثيل بدلالة سياقها وتناسبها لا على القضية الواقعية الخارجية[9].
والجواب الأول: هو أن التمسك بالسياق في هذا الوضع لا يصح من جهتين:
1. إن المورد الذي يصح فيه التمسك بسياق الآيات هو عندما تكون هذه الآيات نازلة في آن واحد وإحراز مجموعية هذه الآيات كي يمكن اتخاذ وحدة سياق الآيات دليلا ومؤيدا للمدعى في حين لم يتم احراز النزول المجموعي للآية التي هي مورد البحث مع الآيات التالية لها.
ومجرد تجميع الآيات ومجيئها إلى جانب بعضها لا يكفي لاعتبار السياق؛ إذ في كتاب كالقرآن الحكيم الذي استمر نزوله التدريجي لسنوات طوال ـ أكثر من عشرين سنة ـ وكان بعض آياته مختصاً بالزواج والطلاق والعدة، وبعض منها يتحدث عن الحرب والسلام، وقد تمّ وضعها إلى جانب بعضها عند جمع القرآن، مع ما فيها من التفاوت في المواضيع، وتباعدها من جهة زمان ومكان نزولها، وتباينها من حيث أحكامها واختلاف المخاطبين في كل مجموعة في زمن النزول؛ فما هو العامل الذي يمكن أن ينتج من ذلك باسم وحدة السياق بحيث يمكن أن نتخذ فيصلاً في تعيين الظهور الدلالي للكلمات؟
2. قبل ملاحظة وحدة السياق التي تمثل شاهداً وظهور خارجياً، يجب ملاحظة سباق الآية وظهورها الداخلي، فيجب ألا نجعل وحدة السياق منطلقاً لانعقاد الظهور الداخلي للآية قبل دراسة هذا الظهور. وكما أشرنا من قبل فالظهور الداخلي للآية يتناسب وينسجم مع القول بواقعية القضية وخارجيتها أكثر من انسجاله مع التمثيل.
يضاف إلى ذلك أننا لو أردنا الاستشهاد في أحد الموارد بوحدة السياق، فيجب أولاً إحراز وجود مثل هذا الشاهد، ومع الشك في وحدة السياق؛ فكيف يمكن اعتباره سنداً يمكن الاستناد إليه؟
أما الجواب الثاني، فهو أنّ سياق الآيات التالية يناسب التفسير المشهور دون التمثيل؛ لأن الألية التالية تأمر بالجهاد في سبيل الله.
وتوضيح ذلك أنّ الله سبحانه يأمر بالجهاد في سبيل الله: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [البقرة: 244] ولتوفير الرغبة في الجهاد الذي يفرّ البعض منه بسبب الخوف من الموت، يمهد لهذا الأمر بالإشارة إلى أن أصل الحياة والموت هو بأمر الله، وأن الخوف من الموت لا ينفع شيئاً في منع حصوله؛ إذن فلا داعي للخوف من الموت، لأنكم حيثما ذهبتم فهناك الموت. وما أكثر الأشخاص الذين لم يذهبوا إلى جبهات الحرب بسبب خوفهم من الموت لكنّهم ماتوا قبل أن يعود الجنود وهم فاتحون، مثلما كان حال أفراد المجموعة الذين فروا من الموت، وأماتهم الله ثمّ أحياه إذن، فالتفسير المشهور يناسب سياق الآية.
والجواب الثالث، هو أن المقصود من الموت الذي كان الناس يخافون منه إذا كان هو القتل في سبيل الله وليس الفرار من الطاعون، فهنا أيضاً سيكون تفسير الآية متناسباً من زاوية أُخرى مع سياق الآيات التالية وفقاً لما جاء في المنار، من أن أعداداً كبيرة من الناس قد خرجت من المدينة بسبب خوفهـا مـن القتل في سبيل الله، وإن الله قد أمات هؤلاء الناس كي يذوقوا طعم الموت، ثمّ أحياهم في الدنيا وأمرهم بجهاد الأعداء.
ولا إشارة في هذا التفسير إلى الطاعون، بل إنّ أجواء الحديث تدور حول الخوف من القتل في سبيل الله، مثل آية (حْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا ۖ وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ ۖ وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا) [الأحزاب: 20] أي إن الجماعات والأحزاب لو هجموا عليكم فإن هؤلاء من شدة خوفهم من الحرب والقتل يرغبون في الخروج من المدينة واللجوء إلى القرى والصحاري كي يختبئوا في الملاجئ الآمنة ويتابعوا أخباركم. أنتم الذين تتواجدون في قلب ميدان المعركة. عن طريق وسائل الإعلام.
تنبيه: رغم أنّ الخطاب في (قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [آل عمران: 167] موجها إلى تلك الألوف الذين أحيوا مرّةً أخرى، لكن مع افتراض القبول بكلام تفسير المنار فكما أن الله سبحانه قد أمر هؤلاء بالجهاد، فهو قد أمر المخاطبين في عصر نزول هذه الآيات أيضا بالقتال.
الجواب الرابع: اذا كان المراد من الموت والحياة في الآية هو الموت والحياة الطبيعيين فالتفسير المشهور يناسب سياق الايات التالية أيضا لأن ظاهر هذه الاية الكريمة اذا وضعناه الى جانب الايات التالية: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ ۖ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [البقرة: 259-260]، فسيظهر واضحا أن هذه الآية لها علاقة مباشرة بإحياء الأموات في الدنيا للأنبياء وتلاميذهم والانسجام بين هذه الآيات والذي سيتضح في ما يأتي يكمن في أن كل ذلك كان واقعا خارجيا وليس تمثيلا أولا وثانيا أن جميع هؤلاء قد ماتوا موتا طبيعيا لا خياليا وبعثوا الى حياة واقعية لا مثالية وثالثا أن جميع هؤلاء كانوا في صميم الدنيا لا في نشأة أخرى.
والآن نذكر توضيحا مختصرا لهذه الوقائع:
1. إعادة الحياة الى مجموعة من الأموات بدعاء أحد الانبياء وهذه الحياة هي المعجزة التي طلبها هذا النبي من الله فأظهر الله له هذه المعجزة في الخارج من وجوده كالاية التي هي مورد البحث التي تفيد الروايات أن الخارجين من المدينة الذين ماتوا جميعا بالأمر الإلهي قد بعثوا من جديد بدعاء نبيهم[10].
2. حصول الموت والحياة الإعجازيين داخل وجود النبي، حيث شاهد هذا النبي هاتين المعجزتين بحق اليقين في نفسه، أي إن النبي نفسه قد مات وأُحيي: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا) [البقرة: 259].
3. حصول ما هو أرقى من الصورتين السابقتين، وهما الإماتة والإحياء، لا الموت والحياة خارج وجود النبي، بل إن نفس النبـي يـمـيـت الحـي ويحييـه مـرة أُخرى بإذن الله. مثل قصة النبي إبراهيم عليه السلام الذي قال الله سبحانه: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ) [البقرة: 260].
لقد كان إبراهيم عليه السلام مطمئناً بقدرة الله على الإحياء والإماتة، وهو نفسه قد احتج قبلاً على نمرود بذلك عندما قال له: (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) [البقرة: 258] فيكون طلبه هو الاطلاع على كيفية هذا العمل كي يعلمه الله كيفية إحياء الموتى فيصبح قادرا على أن يصير مظهراً للمُحيي فيقوم هو بإحياء الميت بإذن الله. ومن هنا لم يقل لربه أرني كيف يصير الأموات أحياء.
وهكذا أمر الله سبحانه هذا النبي بذبح الطيور ودعوتها بعد موتها، كما أن الطيور عادت حية بندائه. ولا شكّ في أنّ الطيور الميتة لم تكن لتعود حية لو كان الذي دعاها هم الناس العاديين.
وأمر الله سبحانه لنبيه إبراهيم عليه السلام يشبه تصرف طالب الصيدلة الذي يسأل أستاذه أن يعلمه كيفية صنع الدواء، ثم يقوم بصنع الدواء من خلال إجراء بعض التركيبات الكيميائية بحضور أستاذه وتوجيهه.
والخلاصة هي أنّ ما يعتقده المشهور من أنّ المراد من الموت والحياة في الآية التي هي مورد البحث هو النوع الطبيعي للموت لا المعنوي يمكن تفسيره بما ذكرناه من الأنواع الثلاثة لإحياء الأموات في الدنيا بصورته الطبيعية لا المعنوية.
الدليل الخامس: لم يرد في كتابي العهدين القديم والجديد أي ذكر لما ورد في الكتب الروائية عن القضية التاريخية الخاصة بهذه الآية ومعنى هذا أن هذه الروايات اسرائيلية وخرافية وهكذا فلما انعدم المطابق التاريخي الصحيح لهذه الاية فيجب حملها على التمثيل[11].
الجواب الأول: هناك بعض المطالب الواردة عن النبي حزقيل عليه السلام في التوراة نورد ترجمتها: وقال لي: يا ابن ادم هل يمكن إحياء هذه العظام؟ قلت: أيها الرب يهوه أنت الذي يعلم ثم قال لي أظهر نبوتك لهذه العظام فقل لها: أيها العظام اليابسة اسمعي كلام الرب يقول الرب يهوه لهذه العظام الآن أبعث الروح فيك كي تصيري حية وأركب الاعصاب عليك وأكسوك باللحم وأغلفك بالجلد وأبث الروح فيك حتى تحيين هناك سوف تعلمين أنبي أنا الرب يهوه[12].
تنبيه: عند تطبيق نص التوراة على القصة التاريخية يجب عدم توقع مجيء كامل جزيئات القصة في كلام الله بل يمكن أن يكون الوضع مشابها لما في القصص القرآنية حيث تقتصر على مجرد الخطوط العامة للقصة مع تكفل الروايات بشرحها وتفصيلها وما نقصده أن إنكار وجود مثل هذه القصة في التوراة ليس بالأمر اليسير فهل إن جميع قصص التوراة من نوع روايات القصاصين أم إنها مثل قصص القرآن الحكيم؟
الجواب الثاني: أن الاشارة الى هذه القضية في التوراة سابقا لا تصلح دليلا على النص القرآني بل هي مجردة مؤيدة له فعدم مجيء هذه القصة في التوراة أيضا لا يشكل خللا في مصداقيتها لأن المعيار والميزان في وقوع الحوادث التاريخية أو عدم وقوعها هو القرآن وهو الذي يجب عرض مطالب التوراة والإنجيل وكل الاقوال الدينية عليه فالقرآن هو الكتاب السماوي الوحيد على هذه البسيطة الذي بقي سالما مصونا من التحريف والتغيير والزوال وسوف يبقى في هذا الصون.
الجواب الثالث: لما كان القرآن هو كلام أصدق القائلين: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا) [النساء: 122] فلو كان يقصد ضرب الامثلة لأشار الى ذلك في أول الآية أو ذيلها أو مضمونها كما قال: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) [البقرة: 17] وإلا فلا يمكن القول بتمثيلة الاية من دون دليل على ذلك.
إن القرآن الكريم هو (قول فصل) وهو (فرقان): (إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ) [الطارق: 13] (وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ) [البقرة: 185] ومثل هذا القرآن لا يخلط التمثيل بالتحقق الخارجي.
ولا بد من القول إن الغرض من التمثيل هو تشبيه المعقول بالمحسوس والمحسوس والممثل إما أن يكون في الذهن: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) [البقرة: 17] أو في الخارج: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ) [آل عمران: 59].
وبكلام بسيط نقول إنه لو كان هدف أمثال (محمد عبده) من هذا النوع من التفاسير هو بث روح الحماسة والمقاومة في المجتمع، فقد جاء ما هو أقـوى وأوضح من ذلك في آية (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [البقرة: 190] وإن مقولـة كـون الأشخاص غير المجاهدين أمواتاً والمجاهدين أحياءا قد تم بيانها في القرآن في عدة مواضع؛ أما حمل الموت والحياة في الآية التي هي مورد البحث على الموت والحياة المعنويين والسياسيين فليس صحيحاً، خصوصاً مع عدم توفّر القرينة على ذلك.
وجدير بالذكر أن البعض لو كان يهدف إلى استخلاص الثمار الاجتماعية من النص القرآني، فما أكثر الأشجار التي تحمل ثماراً اجتماعية وما أوفرهـا فـيـه، فـلا يجوز إتلاف الأشجار التي تحمل ثمار المعارف والمعجزات بمثل هذه التنقيبات. ولا شك في أن بلاغة عبارات هذا البعض. عن ضرورة مقاومة الظلم، والسعي للتجديد، والترغيب بالاستقلال الفكري، والتشجيع على التحرر من قبول كل ما يقوله الآخرون من دون دليل ـ التي تبرز بوضوح في كتاباته، من الأمور التي تستحق التقدير والإعجاب.
[1] راجع: تفسير المنار، ج 2، ص 457.
[2] راجع نفس المصدر، ص 459.
[3] تفسير المنار، ج 2، ص 460.
[4] راجع المصدر نفسه، ج 3، ص 48-58، ذيل الآيات 259-260 من سورة البقرة.
[6] راجع تفسير المنار، ج 2، ص 459.
[7] راجع: تفسير المنار، ج 2، ص 457.
[8] سورة يوسف، الآية 3، وكلمة قصص في هذه الآية هي بفتح القاف ومفردة، ومن الناحية الأدبية يمكن أن تكون كلمة (أَحْسَنَ الْقَصَصِ) [يوسف: 3] مفعولاً مطلقاً نوعياً. فالقاف ليست مكسورة، كي يمكن أن تكون (قصص) بمعنى جمع قصّة، ويكون معنى (أَحْسَنَ الْقَصَصِ) [يوسف: 3] هو أحسن القصص. والذي يُفهم من عبارة (نَحْنُ نَقُصُّ) [يوسف: 3] هو أن أي قصة ينقلها الله، فهو ينقلها بأحسن الأساليب، ولا يختص ذلك بأسلوب حكاية قصة النبي يوسف عليه السلام وإن كان القدر المتيقن من هذا الأصل الجامع هو كيفية حكاية هذه القصة.
[9] راجع: تفسير المنار ج2 ص457-458.
[10] راجع الكافي ج8 ص198-199 البرهان ج1 ص514-515 الدر المنثور ج1 ص741-743
[11] راجع تفسير المنار ج2 ص455-457
[12] الكتاب المقدس – العهد العتيق ص1260 كتاب النبي حزقيال الباب 37 الفقرة 3