كان فرس النهر من الحيوانات التي كان المصري القديم يعتمد على صيدها (1) ⋆ بكثرة منذ العصر الحجري الحديث — مرمدة بني سلامة — وفي عصرِ ما قبل وبداية الأسرات (2). ولوحظ انتشارُ بقايا فرس النهر في النصف الشمالي من مصر أكثرَ من نصفها الجنوبي، نظرًا لكثرة وجود مناطق المستنقعات بالدلتا عن مصر العليا، وبالرغم من ذلك فقد عُثر في بعض مناطق مصر العليا على بعض الهياكل العظمية لبعض الحيوانات، وكان فرس النهر من بينها، ومن ثَم فليس من المستبعَد أن يكون هذا الحيوان قد انتشر في مصر كلها، ثم اقتصر على منطقة الدلتا بسبب تغيُّر المناخ من ناحية، ومطاردة السكان له في الجنوب من ناحية أخرى (3).
ففي مرمدة ببني سلامة تكرَّر العثور على عظام فرس النهر (4) ⋆ وفي جبَّانة البداري، عُثر في المقبرة رقم 5719 على دفنة كانت تغلِّفها الحيرة؛ إذ عُثر على طفل، وكان معه أجزاءٌ من عظام فرس النهر وقد زُوِّدت الدفنة ببعض المتاع الجنائزي (5). ⋆
وتكرَّر العثورُ على أجزاءٍ عظمية لفرس النهر في مختلف الجبَّانات المصرية إلا أنها لم تُصنَّف على أنها دفنات حيوانية، الشكل رقم 7-67. هذا، ومن المعروف أنَّ لفرس النهر دلالته الرمزية والدينية في العصور التاريخية بمصر القديمة (6)؛ ⋆ إذ كانت أنثى فرس النهر من أهم رموز الأمومة والخصوبة والحماية (7)، بينما كان ذكر فرس النهر قد جسَّد القوة الفائقة، والصور المخيفة التي ترمز للشر، وكان ارتباطه بست قد ظهر منذ عصورِ ما قبل التاريخ، واعتُبر رمزًا من رموز الشر (8).
..................................................
(1) ⋆ اعتُبِرت عملية صيد فرس النهر، عمليةَ صيد طقسي في المقام الأول؛ حيث كان الغرض منها ليس من أجل الطعام فقط، بل من أجل الحماية وإبادة الأعداء والانتصار على الطبيعة البرية والقوى الشريرة الكامنة فيها، واعتبِر فرس النهر أحدَ رموز الإله ست، العدوِّ التقليدي في مصر القديمة: Moret, A., The Nile and Egyptian Civilization, London, 1972, p. 161.
(2) Rosalind and Janssen, J., Op. Cit., p. 51.
(3) Kees, H., dergötter glaube in alten Ägypten, Leipzig, 1941, p. 5; säve-söderbergh, T. on Egyptian representations of hippopotamus hunting as a religious motive, Uppsala, 1953, p. 24.
(4) ⋆ تكرَّر العثور على عظام فرس النهر — لا سيما عظام الساق — في كثيرٍ من مساكن مرمدة بني سلامه، مما جعل يونكر يفسِّر ذلك بأنه كان من أول أدلة الشعائر الدينية المرتبطة بهذا الحيوان، وإن كان من الصعب التحقُّق من الأدلة المقصودة بهذه العبادة، هذا ولقد وضح وجود الارتباط العقائدي بالحيوان بوجه عام في مرمدة، من خلالِ ما جاء في إحدى المقابر التي عَثر عليها يونكر بمرمدة؛ إذ عُثر في إحدى الدفنات الآدمية على جمجمة حيوانية وُضِعت أسفلَ ذراع المتوفَّى، ولم يُتأكَّد بعدُ ما إذا كان المقصود بها أن تكون قربانًا للمتوفَّى أم إنها وُضِعت بالدفنة لغرض سحري ذي دلالة دينية. وعُثر كذلك على بقايا عظمية حيوانية في مقبرتين أخريين بمرمدة، مما يؤكد على وضوح دور الحيوان في فكر أهل مرمدة بني سلامة: Eiwanger, J., “zweiter Vorbericht über die wieder auf nahme” in: MDAIK, 35, 1979, pp. 23–58; Eiwanger, J., Mermde Beni Salâme II, p. 51; Mermde Beni salâme III, pp. 46, 80; Mermde Beni Salâme IV pp. 81-82.
(5) ⋆ Brunton, G., Op. Cit., p. 29.
(6) ⋆ أطلق المصريون القدماء على فرس النهر اسم «حصان النيل» وكان فرس النهر يمثل لهم عدوًّا، إذ كان يُدمِّر شِباك صيدهم، ويأكل محصولهم من صيد الأسماك، ومن ثَم كان فرس النهر يمثِّل الشرَّ الذي يواجههم في النيل، ومن ثَم كان العمل على صيده وقتله: Osborn, D. J., and Helmy, I., The contemporary land Mammals of Egypt (including Sinai) , New York, 1980, p. 478.
(7) Petrie, W. F., Prehistoric Egypt, London, 1920, pp. 12, 16; Armour, R. A., Gods and myths of ancient Egypt, Cairo, 1989, pp. 54, 117.
(8) Wain Wright, G. A., The sky religion in Egypt, Cambridge 1938, p. 11; Murry, M. A., The splendour that was Egypt, London, 1984, p. 117.
بالنسبة لارتباط فرس النهر بالديانة المصرية القديمة انظر: مها سمير عبد السلام القناوي، «الإلهة تاورت منذ ما قبل التاريخ حتى الدولة الحديثة»، رسالة دكتوراه غير منشورة، كلية الآثار، جامعة القاهرة 1996م.