التزمت أغلب دفنات الحمير التي عُثر عليها بالاتجاه الشرقي، فنجد أنَّ دفنة الحمير الثلاثة التي عُثر عليها بجبَّانة أبو صير، كانت قد اتجهت رءوس الحمير الثلاثة بها نحو الشرق، وبوجه عام … إلى أعلى، وكأنها تنظر إلى الشمس في شروقها (1).
وكذلك دفنة الحمير الثلاثة التي عُثر عليها إلى الشرق من المصطبة رقم 680H5 بجبَّانة حلوان (2)، ودفنة الحمير الثلاثة التي عُثر عليها بالمقبرة رقم 2052 بجبَّانة طرخان، والتي كانت رءوس الحمير فيها تتجه إلى الشرق (3). مما يدُل على ارتباطها بالعقيدة الشمسية.
المتاع الجنائزي
لم يُعثر حتى الآن على أثاثٍ جنائزي فيما تم اكتشافه من دفنات للحمير تُؤرَّخ بعصر بداية الأسرات، فيما عدا المقبرة رقم 2052 بطرخان التي اشتملت على العديد من الأواني الفخارية كنوع من المتاع الجنائزي.
الغرض من دفن الحمير
اختلفت الآراء حول تفسير الغرض من دفنات الحمير، فكان هناك التفسير الديني والتفسير الدنيوي.
أولًا: التفسير الديني
(1) بناءً على ما جاء في أوضاع الدفن، واتجاه رءوس الحمير إلى الشرق، أو الشمال الشرقي اتَّجه البعض إلى محاولةِ ربطها بالعقيدة الشمسية، وجعلها بمثابة حيواناتٍ مقدَّسة ترمز للشمس، لا سيما وأنَّ دفنة الحمير الثلاثة بجبَّانة أبو صير، جاءت إلى الجنوب من المصطبة الملَكية على غِرار مراكب الشمس التي عُثر عليها جنوب الأهرامات في عصر الدولة القديمة (4)، واعتبار أنَّ الحمير من الحيوانات المرتبطة بالشمس — كما جاء في الفصل الأربعين من كتاب الموتى — وعليه يمكن افتراضُ أنَّ الحمير أيضًا كان لها دور مرتبط بالبعث ونقل الموتى إلى العالم الآخر باعتبارها من حيوانات النقل في الدنيا، واتخاذها وظيفةً مشابهة لوظيفة مراكب الشمس ونقلها للمتوفَّى في العالم الآخر (5).
(2) هذا بخلاف ما تشير إليه العقيدة الأوزيرية في العصور التاريخية، التي تُعَدُّ أبو صير مقرًّا لها؛ إذ توضح أنَّ الحمير كانت من الحيوانات الشريرة التي ارتبطت منذ عصر الدولة الوسطى بالإله ست. وفي نصوص الأهرام جاء ذكر الحمار بأنه حيوان غير صديق … وبالتالي يمكن تصوُّر القتل العمد للحمير الثلاثة، كأنه بمثابة قتلٍ وطردٍ للأرواح الشريرة وإبعادها عن المقبرة، وأنَّ اختيار العدد «ثلاثة» دون سواه، إنما هو إشارةٌ إلى الكثرة العددية لدى المصري القديم (6). ويمكن قبولُ كلا الرأيين لو اعتبرنا أنَّ الحمار من الحيوانات التي كان لها دورٌ مزدوج في الفكر المصري القديم (جانب الخير والشر معًا).
ثانيًا: التفسير الدنيوي
كانت الحمير من حيوانات الخدمة اليومية، ولربما أراد الإنسان أن تصحبه في عالمه الآخر كما كانت تصحبه في دنياه، فقام بدفنها معه، أو إلى جوار مقبرته كي ينتفع بخدمتها له في حياته الأخرى باعتبارها وسيلةً للنقل أيضًا في الحياة الأخرى (7). هذا بخلاف كونها من الحيوانات الدالة على رقي المستوى الاجتماعي وثراء صاحبها، ومن ثمَّ فدفنها مع صاحبها إنما هو تفخيمٌ لمقبرته، ودليل على رقي مستواه الاجتماعي، وإن كان هذا الفكر سائدًا في بلاد الشام والعراق أكثرَ منه في مصر. وقد تكون هذه الدفنات نوعًا من الأضاحي الحيوانية الخاصة لمنفعة صاحب المقبرة (8).
..........................................
(1) Boessneck, J., and Eissa, A., ob. cit., p. 1; Bàrta, M., op, cit., pp. 31-32.
(2) Saad, Z. Y., Op. Cit., p. 80; Leclant, J., Op. Cit., pp. 95, 96; Flores, D. V., Op. Cit., p. 61.
(3) Petri, W., Op. Cit., p. 6; Bàrta, M., Op. Cit., p. 31.
(4) Flores, D. V., Op. Cit., p. 99.
(5) Boessneck, J., Op. Cit., pp. 8–10, Saied, A. M., götterglaub und gottheiten in der vorgeschichte und frühzeit, Ägyptens, PHD, Kairo univ., 1997, p. 235.
(6) Radwan, A., Op. Cit., p. 312; Darby, W. J., Op. Cit., p. 235.
(7) أشرف زكريا، مرجع سابق، ص63.
(8) Radwan, A., Op. Cit., p. 312; Flores, D. V., Op. Cit., p. 62.