كان قد وضَح الاهتمامُ بتكفين الكلاب في العديد من الدفنات. وقد تنوَّعت موادُّ التكفين واختلفت ما بين الحصير، والجلد والكتان. وإن كان الحصير هو أكثرَ المواد استخدامًا في التكفين، ولقد وضَح ذلك بشدة منذ العصر الحجري النحاسي؛ ففي البداري عُثر على العديد من دفنات الكلاب التي اتَّبعت نفس عادات وأوضاع الدفن البشرية؛ إذ كان الحيوان يُكفَّن ويُلفُّ بالحصير (1)، وذلك كما في المقبرة رقم 3500 بجبَّانة البداري، التي عُثر فيها على دفنةٍ لكلب كانت معه بقايا حصير، والدفنة رقم 5113، التي عُثر فيها على دفنةٍ لكلب كان مغطًّى أيضًا بالحصير (2). ولقد نَسب «برنتون» إلى البداريين عادةَ تكفين الكلاب بالحصير — والكتان — شأنُها شأنُ بني الإنسان (3).
وفي جبَّانة المحاسنة، عُثر على اثنين من الكلاب كانا قد كُفِّنا بالحصير، وذلك في المقبرة رقم H23 التي تُؤرَّخ بعصرِ ما قبل الأسرات (4)، كما عُثر كذلك على بقايا حصير في الدفنة رقم 40 بجبَّانة هليوبوليس (5).
ولقد استمرَّ التكفين بالحصير خلال العصر العتيق؛ فقد كان الكلب الذي عُثر عليه في المقبرة رقم 3507 بسقارة مكفَّنًا بحصير من ألياف النخيل (6).
أما المقبرة رقم 4:22 بجبَّانة خوربهان 17أ، فقد جمعت بين الحصير والكتان في طريقة التكفين؛ إذ كان الكلب بها مكفَّنًا بالحصير والكتان، وتكرَّر الوضع نفسُه في المقبرة رقم 8:23 بالجبَّانة (7). أما الكتان، فلقد رأينا مسبقًا كيف كان للبداريين السَّبقُ في تكفين الكلاب بالكتان (8) — والحصير — واستمرَّ التكفين بالكتان؛ إذ عُثر في المقبرة رقم 5 بهيراكونبوليس على أجزاءٍ من الكتان، تشير إلى وجودِ نوع من التكفين (9). وعُثر على العديد من دفنات الكلاب التي كانت قد كُفِّنت بالكتان، وذلك في دفنات الكلاب الفرعية التي جاءت إلى الشرق من المصطبة رقم 3035 بسقارة، التي تُؤرَّخ بعصر الملك دن؛ إذ كان قد عُثر على سبعةٍ من الكلاب، كُفِّن كلُّ كلب منها بالقماش (10).
وأحيانًا ما كُفِّنت الكلاب بالجلد، ووضَح ذلك في المقبرة رقم 36 بالجبَّانة رقم 30 بوادي قمر، التي عُثر فيها على كلبين كانا قد كُفِّنا بالجلد، وأُحيطت أعناقهما بأطواقٍ جلدية، دلَّت على مدى ثراء الدفنة، ومدى الاعتناء بها، وتُؤرَّخ هذه الدفنة بعصر بداية الأسرات (11).
هذا، ولقد بلغ حدُّ الاعتناء بالكلاب، أن وُضِعت في بعض الأحيان داخل صناديق أو توابيت خاصة بها، وذلك كما جاء في المقبرة رقم 3128 بجبَّانة بالقرب من مطمر، التي عُثر فيها على بقايا خشبية ربما كانت تشير إلى تابوت أو صندوق خشبي خاص بالكلب (12). ولقد عُثر في حلوان على كثيرٍ من الكلاب التي جاءت مدفونةً في توابيتَ خشبيةٍ معتنًى بها (13).
.......................................
(1) Behrens, H., Op. Cit., p. 75.
(2) Brunton, G., and Caton-Thomson, 1928, p. 7; Brunton, G., 1937, p. 41.
(3) عبد العزيز صالح، المرجع السابق، ص119.
(4) Ayrton, E. R., and Loat, Op. Cit., p. 21.
(5) Debono, F., Op. Cit., p. 40.
(6) Emery, W. B., Grate tombs of 1st dynasty, vol. 3, London, 1958, pp. 73, 78.
(7) Reisner, G. A., Op. Cit., p. 137.
(8) عبد العزيز صالح، المرجع السابق، ص119.
(9) Adams, B., Something very special, pp. 3-4.
(10) Emery, W. B., and Saad, Z. Y., 1938, p. 78.
(11) Reisner, G. A., Op. Cit., pp. 138-139.
(12) Baumgartel, E. J., Op. Cit., p. 127; Behrens, H., Op. Cit., p. 76.
(13) زكي سعد، المرجع السابق، ص96.