ربما كان يقال سابقا: كيف يمكن التواصل مع الارحام وهم بهذا العدد وهذا التباعد المكاني في زمن بدت الحياة زحمة لا مجال فيها للزيارات وتضييع الوقت في امور جانبية لا تغني ولا تسمن من جوع؟! وما الى ذلك من تهويلات شيطانية وعقبات يصطنعها الشيطان في أنفسنا فتبدو وكأنها مستحيلة! إنها إيحاءات ابليسية ليس إلا!
فلابد لكل واحد منا حينما يشعر بتقصير تجاه رحمه واقربائه ان يعمد الى مجموعة من التوصيات والمعالجات التي يمكن من خلالها القضاء على هذه القطيعة، ومد جسور التواصل بين الاهل والاقارب والارحام، لتجنب القطيعة ونتائجها الوخيمة، وأهم تلك التوصيات هي:
1ـ التأمل الدائم والمستمر في الآيات والأحاديث التي تتحدث عن الرحم وحيثياته وما يرتبط به؛ لأنها تتبع أسلوب الترغيب من جهة والترهيب من جهة أخرى، تذكرنا بنعم الله التي أعدها لأهل التواصل مع أرحامهم، وتحذرنا عواقب القطيعة تجاههم؛ لأن أكثر طرق الحرام والمعصية والرذيلة متأتية من الغفلة عن منهج الحق المبين.
2ـ تذكر أن الارحام سند لك أيام المحن والشدائد، فكل إنسان لابد وان يمر بعقبات وهنات في هذه الدنيا الطويلة العريضة، فيحتاج حينئذ الى المساعدة سواء كانت هذه المساعدة مادية ام معنوية! فمن أين تأتي المساعدة إن لم يكن لك أرحام يعطفون عليك ويشفقون بحالك؟ وهل من أحد يحنو عليك أكثر من رحمك؟ خاصة وأننا نعيش في مجتمعات شرقية لا تحيد عن هكذا قيم واعتبارات والى هذا الشيء أشار الوصي في احدى خطبه حيث قال: (أيها الناس، إنه لا يستغني الرجل وان كان ذا مال عن عترته (عشيرته)، ودفاعهم عنه بأيديهم وألسنتهم، وهم أعظم الناس حيطة من ورائه وألمهم لشعثه، وأعطفهم عليه عند نازلة إذا نزلت به ولسان الصدق يجعله الله للمرء في الناس خير له من المال يرثه غيره) (1)، انها كلمات عالم في الاجتماع وحركته التطورية!
3ـ العمل على اثارة المحبة والود والحنين بينكم من خلال الدعوات المتبادلة، خاصة إذا خُللت هذه الدعوات ببعض الولائم أو الهدايا، جرب ذلك وستجد أثره واضحا جليا على العلاقة فيما بينكم.
4ـ الاستفادة من التكنلوجيا الحديثة في تمتين العلاقات الرحمية وذلك باستخدام أجهزة الهاتف والانترنت، والاستفادة من مواقع التواصل الاجتماعي واستثمارها ايجابا بما يتلاءم وأدبياتنا الاسلامية.
5ـ عمل زيارات دورية بين الحين والآخر بين الأهل والأقارب، خاصة أيام العطل؛ لأن ذلك من شأنه تعويد الأرحام وتطبيع بعضهم على بعض، كما انه يعمل على إثارة الشوق والحنين في قلوبهم خاصة إذا ما تأخروا في التزاور بينهم ولا ننسى المناسبات المفرحة أو الحزينة! فإنها ظروف ممتازة في إنعاش العلاقة الحميمية بين الاقارب وتجديدها!
6ـ الانتباه الى ان التواصل مع الارحام فيه ايجابية كبيرة على الصحة النفسية وذلك من خلال التفريغ المستمر للشحنات الانفعالية الناتجة عن العمل ومشاغل الحياة المعقدة ومشاكلها وتنفيس الهموم عن طريق تبادل أطراف الحديث وما يقوم به الارحام من مواساة لبعضهم البعض وثار عجبي وأنا أقرأ في أحاديث الرحم عندما وجدت أن الامام الباقر (عليه السلام) يقول: (صلة الرحم تحسن الخلق وتُسَمح الكف وتطيّب النفس) (2)، فرب سائل يُشكل ويقول: ما علاقة الرحم بتطييب النفس؟ وجوابه هو الإيجابيات المهمة التي لوحظت من قبل علماء النفس والاجتماع وما توصلوا إليه من نتاجات عظيمة للرحم تعود بالخير على الإنسان وصحته.
7ـ إن الارحام يشكلون واجهة اجتماعية معنوية ومادية للفرد تزيد من مقبوليته واحترامه، فيشعر بعد ذلك ان له وزنه وأهميته وسط مجتمعه الذي يعيش فيه!
8ـ الالتفاف حول شخصية ذات وجاهة وجاذبية داخل العشيرة، تتمتع بعلاقات طيبة مع الجميع؛ لتكون محركا وموجها لهم نحو التعاون والتآلف والتنظيم، لينعم الجميع بصلة رحمية رائعة وقوية لا تهزها عاديات الدهر وتقلباته!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ نهج البلاغة: الخطبة 23.
2ـ الكافي للكليني، ج 2، ص 152.