معنى القلب في (وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) [البقرة: 225] هـو هـذه الـروح والنفس الإنسانية، وغالباً ما يكون مراد القرآن الكريم من القلـب هـو اللطيفة الإلهية والروح المجردة، مثلما يكون المراد من القلب الآثم ـ في (وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) [البقرة: 283] الذي يكتم الشهادة العادلة في المحكمة ويخفيها ولا يقوم بأدائها؛ هو روح الإنسان العاصي. والمراد من القلب المريض في (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا) [البقرة: 10] و(فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ) [الأحزاب: 32] الواردة حول المنافقين وبعض الأشخاص ضعيفي الإيمان هـو روح ونفس الأشخاص المذكورين الراغبين في الذنب، وكذلك الماد من صاحب القلب في (لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) [ق: 37] هو الروح العالمة والعاقلة لا القلب الحيواني.
وتنقسم الأيمان القلبية والجدية على النحو التالي:
1. اليمين المتضمنة للإنشاء والطلب مع خروجها عن دائرة عمل الإنسان ووقوعها في دائرة عمل الآخرين، وهو ما يطلق عليها (يمين المناشدة). ومثالها أن يُقسم أحدٌ بالله على الآخرين أن يفعلوا فعلاً أو أن يمتنعوا عن فعل.
ومثل هذه اليمين لا ترتب تكليفاً على الآخرين، ولا يؤاخذ أي شخص بفعل شخص آخر.
قال أمين الإسلام الطبرسي رحمه الله في ذيل الآية (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ) [البقرة: 224] عند حديثه عن قسم الم ناشدة أن المقسم عليه يأثم لو لم يبال[1]. إلّا أنّ هذا الكلام لا سند فقهي له وهو مستفاد من الرواية المنقولة عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه قال: من سألكم بالله فأعطوه، ومَن استعاذكم بالله فأعيذوه أي لو أقسم عليكم أحدٌ بالله أن تعطوه شيئاً فاعطوه، ولو أقسم عليكم أحد بالله أن تقبلوه لائجاً عندكم فوفّروا له الملجأ. وعلى افتراض صحة السند فهو حكم أخلاقي أو استحبابي.
ومخالفة مثل هذا النوع من الأحكام لا ترتب آثاراً فقهية، رغم إمكانية أن يكون لها أثر علمي أو إخباري؛ كما لو أن شخصاً يريد أن يثبت مطالبه الحقة فيقول للناس: (أقسم عليكم بالله، ألم تحدث الواقعة الفلانيـة وقد شاهدتموها أنتم أيضاً؟)، وكما كان الإمام المجتبى عليه السلم يستعمل عبارة «أُنشدكم بالله[2]» في موارد كثيرة لإثبات الخلافة الحقة لأهل البيت عليهم السلام.
إذن، فلا إشكال في (المناشدة) إذا لم تتضمن الكذب، بل إن المعصومين عليهم السلام: كانوا يستفيدون من هذا الأ هذا الأسلوب عند اللزوم.
2. اليمين الجدية المتعلقة بالمستقبل، والتخلّف عنها معصية. مثل القسم بالله على ترك المخدرات، أو إقامة صلاة الليل، التي يكون نقضها وعدم الوفاء بها معصية تستوجب الكفارة. إذن، فالقسم على الفعل الذي يكون العمل به أو تركه راجحـاً أو غير مرجوح، إذا لم يتم الوفاء بمضمونه يرتب حكماً تكليفياً وجزائـه نار جهنم، وحكماً وضعيّاً هو الكفارة.
3. اليمين الجديّة المتعلقة بالماضي والتي تكون كاذبة، وهي في الحقيقة ليست أكثر من إخبار كاذب.
وهذا النوع من القسم لا كفّارة فيه، إلّا أنّ نار جهنم في انتظار الناطق بمثل هذا القسم.
4. اليمين الجادة في المحاكم القضائية، وهي على نوعين:
أ. اليمين الصادقة التي لا أثر لها سوى ثبوت الحق.
ب. اليمين الكاذبة التي هي بنفسها ذنب كبير، ولا أثر لها إلا سلب الحق ظاهراً من الآخرين دون تغيير الحكم الواقعي. وعذابها نار جهنم، ولا كفارة فيها، سوى أن يتوب ويُرجع الحق الضائع إلى صاحبه.
والقسم الكاذب في المحكمة يشابه الشهادة الباطلة التي ما لم يتم كشف ما يخالفها تظل معتنى بها، ومثل قضاء القاضي الذي لا تتوفر فيه الشروط والذي يكون نافذاً على الظاهر، لكن في حالة اكتشاف الخلاف فحينذاك يكون له حكمه الخاص به.
وجدير بالذكر أنّ الآية التي هي مورد البحث مطلقة، فهي تشمل جميـع الأيمان الجدية، ولا تختص بتلك اليمين المبحوث عنها في الفقه إلى جانب النذر والعهد.
[1] مجمع البيان، ج 1-2، ص 568.
[2] الاحتجاج، ج 2، ص 24-31.