قال تعالى: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (55) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ} [الكهف: 55-56]، أي يخاصمون بالباطل، {لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} [الكهف: 56]، أي يدفعوه.
ثم قال: {وَاتَّخَذُوا آيَاتِي... لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ} [الكهف: 57-58]، وهو من المحكم، وقوله: {وَلَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا} [الكهف: 58]، أي ملجأ، وقوله: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا} [الكهف: 59]، أي جعل لهم موعدًا يوم القيامة يدخلون فيه النار.
فلما أخبر رسول الله (صلى الله عليه واله) قريشًا بخبر أصحاب الكهف، قالوا: أخبرنا عن العالم الذي أمر الله موسى (عليه السلام) أن يتبعه، وما قصته؟ فأنزل الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا} [الكهف: 60].
وكان سبب ذلك أن موسى (عليه السلام) لما كلمه الله وأنزل عليه الألواح، رجع إلى بني إسرائيل وأخبرهم بما أكرمه الله به، فحدث نفسه أنه لا يوجد أحد أعلم منه، فأوحى الله إليه أن عند مجمع البحرين رجلًا أعلم منه في بعض ما علمه الله، وأمره أن يقصده ليتعلم منه.
فخرج موسى مع وصيه يوشع بن نون، ومعهما حوت مملوح، فلما بلغا الصخرة غُسل الحوت بماء الحياة فعاد حيًا وسلك سبيله في البحر، ثم مضيا حتى قال موسى لفتاه: {آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} [الكهف: 62]. فتذكر يوشع أمر الحوت، فعلم موسى أن الرجل الذي عند الصخرة هو المقصود، فرجعا {عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا} [الكهف: 64].
فوجدا الخضر (عليه السلام)، فسلم عليه موسى وقال: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [الكهف: 66]. فقال له الخضر: {إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا} [الكهف: 67-68]. فقال موسى: {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا} [الكهف: 69]. فقال الخضر: {فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا} [الكهف: 70].
وروى الإمام الرضا (عليه السلام) أن الخضر أخبر موسى بما سيجري على آل محمد (عليهم السلام) من البلاء وكيد الأعداء، وبفضلهم، حتى بكى الاثنان، وتمنى موسى أن يكون من آل محمد، كما حدثه عن بعثة النبي (صلى الله عليه واله) وما يلقاه من قومه، وفسر له قوله تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام: 110].
ثم انطلقا، فركبا سفينة، فخرقها الخضر، فقال موسى: {أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا} [الكهف: 71]. فقال الخضر: {أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} [الكهف: 72]. فقال موسى: {لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا} [الكهف: 73].
ثم مرّا بغلام فقتله الخضر، فقال موسى: {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا} [الكهف: 74]. فقال الخضر: {أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} [الكهف: 75]. فقال موسى: {إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا} [الكهف: 76].
ثم أتيا أهل قرية، فلم يضيفوهما، فوجدا جدارًا يريد أن ينقض، فأقامه الخضر، فقال موسى: {لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} [الكهف: 77]. فقال الخضر: {هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف: 78].
ثم بيّن له الحكمة من أفعاله، فقال: {أَمَّا السَّفِينَةُ...} [الكهف: 79]، و**{وَأَمَّا الْغُلَامُ...}[الكهف: 80-81]، و**{وَأَمَّا الْجِدَارُ...}[الكهف: 82]. وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أن الكنز كان لوحًا من ذهب كُتب عليه كلمات من الحكمة والتوحيد.
ثم لما انتهى رسول الله (صلى الله عليه واله) من خبر موسى والخضر، قالت قريش: أخبرنا عن رجل طاف مشارق الأرض ومغاربها، فأنزل الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا} [الكهف: 83-85].