رحلات الأوربيين في شبه جزيرة العرب
المؤلف:
د. عيسى علي ابراهيم
المصدر:
الفكر الجغرافي والكشوف الجغرافية
الجزء والصفحة:
ص 248 ـ 251
2026-07-21
48
تعتبر الصحراء العربية جزء من النطاق الصحراوي العظيم الذي يمتد من المحيط الاطلنطي غربا وحتى بلاد فارس شرقا غير أن هذه المساحة الكبيرة من الصحاري تتأثر أطرافها الشمالية بمناخ البحر المتوسط على حين ينتمي ركنها الجنوبي الغربي للمناخ الموسمي الصيفي ويحيط بها ذراعان مائيان أحدهما في الشرق والآخر في الغرب وإذا ما استبعدت أطراف شبه الجزيرة العربية ومناطقها الساحلية فإن لبها يعد جافا وقاحلا ولذلك ظلت هذه الصحراء عقبة في طريق الرحالة لعدة قرون وربما كانت قسوة المناخ ونقص المياه والأخطار التي يتعرض لها المسافرون من قبل البدو أسبابا للغموض الذي اكتنف الصحراء ورغم ذلك كله غامر المكتشفون والرحالة في هذه المناطق وعندما بدأت رحلات المكتشفين الأوربيين الأوائل إلى شبه الجزيرة العربية لم تكن هناك حدود سياسية بين أجزائها لأنها كانت تخضع لحكم الأتراك. ولكنهم وجدوا أنفسهم أمام مجموعة متباينة من الأقسام والأقاليم الجغرافية. فإقليم الحجاز الذي يمتد علي ساحل البحر الأحمر ويضم المدن الإسلامية المقدسة يتألف من سهل ساحلي ضيق فقير يجاوره في الشرق نطاق جبلي. وفي جنوب شبه الجزيرة وفيما يعرف باسم اليمن حاليا يوجد وادي حضرموت وهو واد خصيب يبلغ طوله أكثر من 320 كيلو متر (طوله) وعمقه يبلغ أكثر من 300 متر في بعض المواضع أما اقليم نجد الذي يمثل قلب شبه الجزيرة فيعد إقليما خصبا نسبيا تقع فيه المحلات العمرانية الرئيسية والواحات والأودية بيد أن المساحة الكبيرة من شبه الجزيرة تمثلها صحاري النفود في الشمال والربع الخالى في الجنوب. وقد كانت هذه المناطق آخر أماكن تمكن الأوربيون من اختراقها.
وربما كان أصعب شيء على المكتشفين الأوائل في الصحراء الكبري هو أن الجمل كان وسيلتهم الوحيدة في الانتقال على هذه الرمال الحارقة وهو وسيلة بطيئة جعلت الصحراء أمامهم كالجحيم. ففي فصل الصيف تصل الحرارة إلى 50م على حين تهبط شتاء إلى درجة التجمد أما الرياح فإنها في غالب الأمر محملة برمال الصحراء واتربتها ويكاد السكون يلف هذه الأصقاع تماما فلا يسمع المرتحل فيها سوي وقع أقدام الأبل علي الرمال الناعمة، فالمحلات العمرانية تتناثر هنا وهناك ويتعرض الرحالة لخطر الموت عطشا في أي لحظة ويبدو الأمر أكثر خطرا حينما يتلهف علي الماء في عين أو بئر فيجده سرابا .
وقد كانت ظهور الجمال الوسيلة الوحيدة للانتقال في الصحراء قبل معرفة السيارة وفي حقيقة الأمر تبدو الحياة مستحيلة بالنسبة لبدو الصحراء بدون الأبل فهي وسيلة الانتقال والإمداد بالغذاء والشراب والملابس. وتمكنها أقدامها من السير على الرمال محملة بـ 200 كيلو جرام من المتاع وتقطع 40 كيلو متر في اليوم في مثل هذه الحالة ولكنها إذا كانت بدون أمتعة يمكنها أن تقطع حوالي 160 كيلو مترا يوميا، وتبدو الجمال أكثر الحيوانات تكيفا لأساليب المعيشة في الصحراء إذ يمكنها أن تستمر بدون مياه لمدة 5 أيام البدو يقدمون لها الماء يوميا. ويحصل الجمل على الرطوبة بالرغم من لجسمه من الطعام الذي يتناوله ويتسم بقدرته علي الاحتفاظ بهذه الرطوبة نتيجة لقلة ما يفقده من العرق بالإضافة إلي إمكانية تناول النباتات الشوكية والجافة وإذا لم يتوفر هذا الغذاء البسيط فإن الجمل يتحمل الجوع ويتغذى علي الشحوم المختزنة في سنامه ولهذا يتقلص حجمه بسرعة وبمجرد حصوله القدر الكافي من الغذاء يعود إلى حجمه الطبيعي مرة ثانية .
بيد أن الجمال لها عيوبها كوسيلة للانتقال في الصحراء فهي عنيدة في بعض الأحيان لا تطاوع رغبات المسافرين، كما أن حركتها إلى الأمام والخلف أثناء السير تصيب راكبها بالملل أو دوار البحر إن لم يكن يألفها، وربما كان ذلك أحد الأسباب التي جعلت الجمل يعرف باسم سفينة الصحراء.
وبالرغم من قسوة المناح وصعوبات الارتحال فربما وجد الرحالة الأوائل عداء قبائل البدو وكراهيتها لهم أهم عقبات السفر في الصحراء، وذلك لأن هؤلاء يعتقدون أن الدخلاء الأوربيين لا دين لهم ومن ثم فإما أن يصبحوا مسلمين وإما يقتلوا ويبدو أن ذلك فهم غريب للإسلام ومبادئه نجم عن تخلف المسلمين في شبه الجزيرة عن معرفة مبادئ دينهم السمح، وقد وصل الأمر إلى حد تحريم دخول غير المسلم إلى المدن المقدسة وإذا حدث ذلك فإنه يقتل علي الفور ، ولذلك كان ترحال المسيحيين الأوربيين في شبه الجزيرة نوعا من المغامرة ولكن بالرغم من كل هذه الأخطار التي تحدق بالمسافرين لم يحجم المكتشفون عن اختراق الصحراء لمعرفة المجهول منها فما الذي كان يدفعهم إلى ذلك لعل أول هذه الدوافع وأهمها الرغبة في كشف المجهول وقهر الصعاب، وقد بلغ الأمر لدرجة أن بعض المكتشفين الأوربيين تنكروا وأعلنوا أنفسهم مسلمين، وسافروا للحج إلي مكة وربما قتل بعضهم في أثناء ذلك، أما الدافع الثاني فقد كان الرغبة في الثراء حيث عرف الأوربيون أن ملكة سبأ كانت في بلاد اليمن وربما كان معبد آله القمر في مأرب قصرا لها ومن هنا فإن كنوز هذه الملكة قد يعثر عليها في هذه المناطق.
ولكن عندما وصل المكتشفون الأوربيون إلى شبه الجزيرة في بادئ الأمر لم يجدوا دليلا على وجود ثروة من أي نوع وقد تغير هذا الوضع مع مرور الوقت بعد أن اكتشف البترول، وخلاصة الأمر أن هذه المناطق تتسم بالجفاف الشديد والحرارة العالية، وتقطنها قبائل بدو رحل تكره الأوربيين وتعدهم كفرة ولا يستغرب أن تظل بعض مناطقها مجهولة حتى الثلاثينيات من هذا القرن.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في معلومات جغرافية عامة
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة