1. شأن النزول: قال الإمام[1] عليه السلام: قال الإمام علي بن الحسين عليهما السلام: (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا) إن رسول الله ﷺ لما أن فضل عليا وأخبر عن جلالته عند ربه عز وجل وأبان عن فضائل شيعته وأنصار دعوته ووبخ اليهود والنصارى على كفرهم وكتمانهم محمدا وعليا عليهما الصلاة والسلام في كتبهم بفضائلهم ومحاسنهم فخرت اليهود والنصارى عليهم فقال اليهود قد صلينا الى قبلتنا هذه الصلوات الكثيرة وفينا من يحي الليل صلاة اليها وهي قبلة عيسى التي أمرنا بها وقال كل واحد من الفريقين: أترى ربنا يبطل أعمالنا هذه الكثيرة وصلاتنا الى قبلتنا لأنا لا نتبع محمدا على هواه في نفسه وأخيه؟ فأنزل الله تعالى: يا محمد ﷺ قل: {ليس البر} الطاعة التي تنالون بها الجنان وتستحقون بها الغفران والرضوان (أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) بصلاتكم أيها النصارى {و} قبل {المغرب} أيها اليهود وأنتم لأمر الله مخالفون وعلى ولي الله مغتاظون (وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ....[2]).
وعن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) وقوله: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا[3]) أنه قال: مطرت السماء بالمدينة فلما تقشعت السماء وخرجت الشمس خرج رسول الله ﷺ في أناس من المهاجرين والأنصار فجلس وجلسوا حوله إذا أقبل علي بن أبي طالب عليه السلام فقال رسول الله ﷺ لمن حوله: هذا علي قد أتاكم تقي القلي نقي الكفين هذا علي بن أبي طالب لا يقول إلا صوابا تزول الجبال ولا يزول عن دينه فلما دنا من رسول الله ﷺ أجلسه بين يديه فقال: يا علي أنا مدينة الحكمة وأنت بابها فمن أتى المدينة من الباب وصل. يا علي أنت بابي الذي أوتي منه وأنا باب الله فمن أتاني من سواك لم يصل ومن أتى سوادي لم يصل. فقال القوم بعضهم لبعض: ما يعني بهذا؟ قال: فأنزل الله به قرآنا (لَّيْسَ الْبِرَّ) الى آخر الاية[4]. وعن قتادة في قوله: (لَّيْسَ الْبِرَّ) الاية قال: ذكر لنا أن رجلا سأل النبي ﷺ عن البر فأنزل الله هذه الاية فدعا الرجل فتلاها عليه وقد كان الرجل قبل الفرائض إذ شهد أن لا اله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ثم ما ت على ذلك يرجى له في خير فأنزل الله : (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ[5]).
اشارة : أ- قال الشيخ الطوسي قدس سره في تفسيره التبيان واستدل أصحابنا بهذه الاية على أن المعني بها أمير المؤمنين عليه السلام لأنه لا خلاف بين الامة أن جميع هذه الخصال كانت جامعة فيه ولم تجتمع في غيره قطعا فهو المراد بالآية بالإجماع وغيره مشكوك فيه غير مقطوع عليه. وقال الزجاج والفراء: هذه الاية تتناول الانبياء المعصومين لأنهم الذين يجمعون هذه الصفات[6].
ب- إن ما ورد بشأن ولاية أمير المؤمنين عليه السلام وكمالاته وأن ذلك يعتبر مصداقا كاملا للبر هو من باب تطبيق المصداق لا التفسير المفهومي. أما ما ورد عن الصلاة باتجاه بيت المقدس قبل نسخ حكم القبلة فهو من قبيل البر في الجملة لا الجملة لأن البر الجامع يتطلب الكمالات العقائدية والأخلاقية والعملية. وأما ما قيل بشأن الصلاة باتجاه بيت المقدس بعد نسخ حكم القبلة ليس مصداقا للبر اطلاقا كما أشرنا الى ذلك في بحثنا التفسيري بالتفصيل.
2. كمال الإيمان عن النبي ﷺ أنه قال: (من عمل بهذه الاية فقد استكمل الايمان[7]). جاء رجل الى أبي ذر قدس سره فقال: ما الايمان؟ فتلا عليه هذه الاية: (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ) حتى فرغ منها فقال الرجل: ليس عن البر سألتك فقال أبو ذر: جاء رجل الى رسول الله ﷺ فسأله عما سألتني فقرأ عليه هذه الاية فأبى أن يرضى كما أبيت أن ترضى فقال له رسول الله ﷺ : أدن فدنا فقال: (المؤمن إذا عمل الحسنة سرته رجاء ثوابها وإذا عمل السيئة أحزنته وخاف عقابها[8]).
إشارة: يكمن السر في كون كمال ايمان الشخص منوط بالعمل بمقتضى الاية الشريفة المذكورة يمكن في تناول هذه الاية لجميع المسائل العقائدية والأخلاقية والعملية وأن الانسان غير مكلف بالعمل بما وراء هذه المبادئ الثلاثة كما لا يسمح له بالعمل بأدنى منها. والمبادئ الثلاث المذكورة والتي يبدو في الظاهر أن كلا منها يقع في عرض الاخر هي العقائد والأخلاق والأعمال وهي تقع على الطول من بعضها البعض وليس العرض لأن زمام العمل موكول الى الاخلاق وزمام الخلق بيد العقيدة فإذا أصبح الوصف خلقا – أي ملكة نفسية – استمر العمل دون انقطاع وإلا فإن ذلك العمل سيحدث بين الفينة والفينة على سبيل المثال إذا كان تجنب الخطيئة والابتعاد عن المعصية نتيجة لحصول ملكة العدالة والتقوى في الشخص فإن تلك العادة ستكون دائمة وفي غير هذه الحالة فقد يتسنى لذلك الشخص تجنب ارتكاب الذنوب حينا والوقوع في حبائلها حينا آخر ورغم إمكانية اعتبار تكرار العمل سببا لرسوخ الملكة الخلقية إلا أن أساس ذلك العمل وزمامه هما بيد الخلق ولما كانت العقيدة والإيمان هما اللذان يضمنان الخلق فإن العقيدة تمثل بما لا يقبل الشك أصل جميع تلك المسائل.
والخلاصة: فإن التفكير والمعرفة هما اللذان يمهدان الطريق للدافع والعقيدة والعقيدة تعتبر العمال الرئيسي لنشوء الوصف النفساني وهذا الاخير هو سبب ظهور العمل الصالح ولا ريب في أن الاستمرار على ممارسة العمل اتقان الخلق وأحكام الوصف النفساني يتعزز العلم ويقوى بل ويتحول أحيانا من الحصولي الى الحضوري ومن علم اليقين الى عين اليقين.
3. شروط الايمان الحقيقي. (في تفسير علي بن ابراهيم في) قوله: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) قال... والإيمان في كتاب الله على أربعة أوجه فمنه إقرار باللسان قد سماه الله ايمانا ومنه تصديق بالقلب ومنه الاداء ومنه التأييد ... (الثاني) الايمان الذي هو التصديق بالقلب ....وقوله: (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) فمن أقام بهذه الشروط فهو مؤمن مصدق[9].
إشارة: يمثل الاعتقاد بالقلب والعمل البدني الصالح العنصرين الاساسيين للإيمان ويذكر أحيانا هذان العنصر أن الاساسين بشكل موجز وإجمالي وأحيانا أخرى يشار اليهما بالتفصيل أما تفصيلهما فيكون مقتضبا تارة لا يتعدى ثلاث عوامل هي: الايمان والخلق والعمل أو أربعة كما نص عليه الحديث السابق وتارة يكون تفصيلهما مطنبا كالآية التي نحن بصددها حيث تطرقت الى العديد من الشعب الاصلية والفرعية للإيمان. وينبغي التنبيه هنا الى أن من أهم شروط تأثير الايمان التوحيدي هو الاعتراف بولاية أئمة عليهم السلام كما ورد في الحديث الشريف المسمى بسلسلة الذهب عن الامام الرضا عليه السلام أنه قال: (... بشروطها وأنا من شروطها[10]) وقد أشرنا فيما سبق الى موضوع إمامة علي بن أبي طالب عليه السلام في بعض الاحاديث.
4. منافع العارية قال أبو عبد الله الصادق عليه السلام: (إجعل مالك عارية تردها[11]). إشارة: قد تكون ما الواردة في الحديث موصولة أو متعلقة بكلمة مال وعلى أي حال فإن الهدف مما سنذكره في أدناه هو تبسيط الموضوع المتعلق بالمال وهو كل ما كان تحت تصرف الانسان واختياره ينبغي للإنسان أن ينظر الى ماله كما ينظر الى مال العاريّة[12]، بحيث إذا زالت حاجته أعادها .إذا فكما أن الشخص لا يتعلق بمال العارية - رغم أنه موجب وسبب لرفع حاجته - لأنه لا يعود له بل لا بد من أن يعيده الى صاحبه فإنه لا يجب عليه كذلك التعلق بماله الشخصي رغم حاجته اليه بحجة هذه الحاجة مثل حال المسافر الذي يحتاج للنزل في وقت سفره إلا أنه لا يتعلق بالنزل أو يقيم به دائما. لكن الاستفادة من المال بقدر الحاجة لا تشكل بحد ذاتها مشكلة أو إشكالا فالخطر يمكن في الوقوع في شباك حب ذل ك المال فعلى من يسمح لقلبه بالتعلق بحب غير الله سبحانه أن يعلم كل ما سوى الله سيؤخذ منه عند احتضاره وموته لا محالة بعدما كان محبوبه الاوحد لكن حبه لذلك الشيء سيبقى جاثما على شغاف قلبه وسيزداد بذلك عذابه ويشتد شوقه الى ما أخذ منه وتبدأ معاناته بسبب غياب المحبوب وبقاء حبه له تماما كما يعاني المدمن لسلب ما تعلق به وبقاء ادمانه على حاله وسيبقى هذا وذاك معذبان طالما استقرت تلك العلاقة والحب في قلبيهما فتحرقهما نار الهجر ويصطليان بلهيب الفراق. فإذا لم يستطيع المؤمن تخليص نفسه في هذه الدنيا من المتعلقات المؤلمة وعجز عن تهذيب نفسه ومعالجتها فإن ذلك الوصف (أو التعلق) لن يزول عنه في عالم البرزخ لا بالكي والحرق: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ[13]) وليت ذلك الشخص يعلم مقدار ما سيعانيه في طريقه الى هناك وما سيراه من العذاب ولالم حتى تتم ازالة كل أثر لتعلقه فيتطهر قلبه ويصفى فؤاده ترى فيه سوى حب الله سبحانه وعندئذ فقط سيتخلص المؤمن من العذاب الذي كان مسيطرا عليه إلا أنه لابد من التذكير هنا بأن أولئك الذين ترسخ حب الدنيا ومفاتنها في كل عروقهم وسد مجاريهم الادراكية والتحريكية: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [14]) لن ينفع معهم أي علاج أو تعذيب بقصد تطهيركم اطلاقا.
5. تصدق المقريبن عن أبي نيرز: جاءني علي بن أبي طالب عليه السلام وأنا أقوم بالضيعتين: عن أبي نيزر والبغيبغة[15]... ثم أخذ المعول وانحدر في العين فجعل يضرب وأبطأ عليه الماء فخرج وقد تفضج[16] جبينه عليه السلام عرقا فانتكف[17] العرق عن جبينه ثم أخذ المعول وعاد إلى العين فأقبل يضرب فيها وجعل يُهمهم، فانثالت[18] كأنها عنق جزور[19]، فخرج مسرعاً وقال: «أشهد الله أنها صَدَقة، عَلي بِدَاوةٍ وَصَحيفة!» قال: فجعلت بهما إليه، فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تصدق به عبد الله علي أمير المؤمنين، تصدّق بالضيعتين المعروفتين بعين أبي نيزر والبغييغة، على فقراء أهل المدينة وابن السبيل ليقي الله بهما وجهه حَرّ النار يوم القيامة، لا تباعا ولا توهبا حتى يرثهما الله وهو خَير الوارثين، إلا أن يحتاج إليهما الحسن والحسين فهما طلق[20] لهما، وليس لأحد غيرهما.
إشارة: أ. إن كل ما يمتلكه المؤمن المتوسط بالإيمان من كمالات فهي موجودة أيضاً لدى المؤمن الذي يمتاز بقوة إيمان عال، فالرغبة في النجاة من النار والدخول إلى الجنّة هو كمال موجود لدى المتوسطين من أهل الإيمان وهو ما يدخل كذلك ضمن كمالات المقربين، لكنّ المقربين لا يقفون عند هذا الحد، وهو ما ورد في رسالة الوقف التي كتبها أمير المؤمنين عليه السلام رغم أنه (صلوات الله وسلامه عليه) يمتلك مقاماً ومنزلة هما أرفع وأجل من ذلك.
ب. الوقف هو صدقة جارية وثواب مستمر ودائم، وسنة سنتها آل بيت النبي ﷺ
ج. أما قيام آل البيت عليهم السلام بإيثار الآخرين وتقديمهم على أنفسهم فيمثل خصلة طاهرة أخرى تميز بها هؤلاء النجباء فكانوا بحق أسوة حسنة للباقين.
د. يعتبر شرط رجوع الوقف (الموقوف) عند الحاجة سبباً لانقطاع الوقف لا بطلانه رغم أن البعض يرى منافاة الشرط المذكور مع الدوام المعتبر في الوقف، وأحياناً يعتبرونه من قبيل التعليق الضارّ، لكن يمكن لصحة الوقف المنقطع الآخر وعدم ارتباط الشرط المذكور بالتعليق الضار وظهور بعض الروايات مثل خبر إسماعيل بن الفضل[21] وإطلاق أو عموم أدلة الوقف والشرط، كل ذلك يمكنه أن يدلّ على صحة الوقف والشرط المذكور، أما ما قاله ابن إدريس الحلي[22] فهو غير تام.
6. كيفية التعامل مع السائل: عن النبي ﷺ أنه قال: «لِلسَّائِلِ حَقٌّ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَس[23]».
وعن الرسول الأعظم ﷺ أيضاً أنه قال: (رُدُّوا السَّائِلَ وَلَوْ بِظِلْفِ مُحرَقٍ[24]). وعن علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام أنه قال: (... وَحَقُّ السَّائِلِ إِعْطَاؤُهُ عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِ وَحَقُّ الْمُسْؤُولِ إِنْ أَعْطَى فَاقْبَلْ مِنْهُ بِالشُّكْرِ وَالْمَعْرِفَةِ بِفَضْلِهِ وَإِنْ مَنَعَ فَاقْبَلْ عُذْرَهُ[25]).
إشارة: لا شك في أن جميع الناس وعلى مختلف طبقاتهم معرضون للحاجة والسؤال في الشدائد والظروف الصعبة التي تضطرهم إلى طلب المعونة والسؤال، وكل فرد من الأفراد له حياته الخاصة به ولهذه الحياة شؤونها ومتطلباتها الحياتية. فامتلاك الشخص مثلاً لأية وسيلة للنقل لا يعني أنها ستغنيه عن سؤال الآخرين أو الحاجة إليهم يوماً ما، ولذلك لا يجب علينا الحكم بجهل على أن مثل هذا الشخص الذي اضطرته الحاجة إلى طلب المعونة ليس محتاجاً. هذا من ناحية، أما من الناحية الأخرى فعلى المجيب أو المساعد أن يقــدم المساعدة بحسب إمكانيته وقدرته، فإذا لم يكن بمقدوره فعل أي شيء فلا ينبغي على الآخرين انتقاده أو الانتقاص منه.
7. شروط الإيمان: عن أبي الحسن الرضا عليه السلام أنه قال: «لَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِناً حَتَّى يَكُونَ فِيهِ ثَلَاثُ خِصَالٍ سُنَّةٌ مِنْ رَبِّهِ وَسُنَّةٌ مِنْ نَبِيَّهِ وَسُنَّةٌ مِنْ وَلِيَّهِ... وَأَمَّا السُّنَّةُ مِنْ وَلِيِّهِ فَالصَّبْرُ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ؛ ويقول الله جل جلاله: (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ[26])، قوله تعالى: (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ)، قال: «في الجوع والعطش والخوف والمرض[27]».
إشارة: كما أن رسول الله ﷺ هو خليفة الله سبحانه فإن وصي رسول الله ووريثه هو خليفة الله كذلك، والمؤمن هو بمثابة خليفة الإمام عليه السلام ، وعلى هذا فإن جميع أولئك هم خُلفاء الله سبحانه. ووفقاً للتشكيك في معنى الخلافة فإن على كل خليفة أن يحمل علامة عن المستخلف عنه ليتسنى اعتباره مصححاً لخلافته. ولما كان المؤمن إنساناً صالحاً فإنّه خليفة الله ولا بد من أن يتصف بسنة من سنن الله وباعتباره خليفة رسول الله ﷺ يتوجب عليه الاتصاف بسنة من سنن الرسول الأعظم ﷺ ، وباعتباره خليفة للإمام المعصوم عليه السلام لا بد له من أن يستن بسنة من سنن ذلك الإمام المعصوم ليلة. إذا فمن طبق أكبر قــدر مـــن تلك السنن فإنّ خلافته تعتبر أكمل من خلافة المستخلف عنه.
8. الصدق في جميع الأمور: عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: «تَزَيَّنَ الله عَزَّ وَجَلَّ بِالصِّدْقِ فِي الْأَعْمَالِ[28]».
وعن أبي عبد الله لا أنه قال: «إِنَّما سُمِّيَ إِسْمَاعِيلُ صَادِقَ الْوَعْدِ لِأَنَّهُ وَعَدَ رَجُلًا فِي مَكَانٍ فَانْتَظَرَهُ فِي ذَلِكَ الْمُكَانِ سَنَةَ فَسَتَماهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ صَادِقَ الْوَعْدِ، ثُمَّ قَالَ إِنَّ الرَّجُلَ أَتَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ: مَا زِلْتُ مُنتَظِراً لَكَ[29]».
وعن أبي عبد الله عليها أيضاً أنه قال: «كُونُوا دُعَاةٌ لِلنَّاسِ بِالخَيْرِ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ لِيَرَوْا مِنْكُمُ الاجْتِهَادَ وَالصَّدْقَ وَالْوَرَعَ[30]».
إشارة: لا ريب في أن الوفاء بالوعد مقرون بمبادئ المواعدة وقوانينها وأصولها فإذا كان الوقت المتفق عليه للوعد هو سنة كاملة مثلا فلا بد من أن يكون الوفاء بنفس ذلك المقدار لكن ينبغي ألا تتعارض الوعود الطويلة الأجل كما هو معروف مع سائر الشؤون والمسائل الحياتية فعندما يؤدي الوعد الى احداث الضرر أو ايجاد حالة من الحرج أو العسر أو التسبب بحصول أحداث مريرة أو الهرج والمرج في أصل حياة الفرد بسبب طول مدته فإن في أصل مشروعيته وصحته اشكال. وأما ما قيل بشأن اسماعيل صادق الوعد عليه السلام وبصرف النظر عن السند وموثوقيته فلا بد من حمل ذلك على أساس أنه لم يكن هناك أي محذور له من تنفيذ الوعد المذكور.
[1] المقصود هو الامام الحسن العسكري عليه السلام
[2] التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري عليه السلام: 464- 465 ح 353
[4] بحار الأنوار: 40/203-204
[7] بحار الانوار: 66/ 346
[9] تفسير القمي: 1/ 30 - 31
[10] كتاب التوحيد: 25 أمالي الصدوق: 195 بحار الانوار: 3/ 7
[12] العارية (بتشديد الياء) عقد شرع لإباحة الانتفاع بعين من الأعيان على وجه التبرع. وشدّدت الباء كأنها منسوبة إلى «العار» لأنّ طلبها عار - قاله صاحب (الصحاح). وقال غيره: منسوبة إلى العارة وهي مصدر، يُقال: أعارَ ويُعير إعارة وعارة، كما يُقال: أجابَ يُجيب إجابة وجابة وأطاق يُطيق إطاقة وطاقة. وقيل إنها مأخوذة من (عارَ يعير) إذا جاء وذهب، ومنه قيل: للبطال عيار لتردّده في بطالته فسميت عارية لترددها من يد إلى يد. وقيل: إنّها مأخوذة من التعـاور والاعتوار)، وهو أن يتداول القوم الشيء بينهم. وقال الخطائي في غريبه: إن اللغة الغالبة العارية وقد تُخفّف، انتهى. أقول: وما نقله عن الصحاح قد صرح به ابن الأثير في نهايته أيضاً، فقال: والعارية مشدّدة الياء كأنها منسوبة إلى «العار»؛ لأنّ طلبها عار وعيب، وتُجمع على «الـعــواري مشدّداً، انتهى. إلا أن المفهوم من كلام أحمد بن محمد الفيومي في كتاب المصباح المنير تغليط ما ذكره في الصحاح والنهاية من الاشتقاق من المعنى الذي ذكراه؛ لأن العارية المبحوث عنها من الواو والعار بمعنى العيب من الياء. ويؤيده كلام القاموس أيضاً حيث إنه ذكر العارية في مادة عور»، و «العار» بمعنى العيب في مادة «عير»، ثُمّ إنّه نقل في المصباح أيضاً معنى زائداً على مــا قدمنا ذكره، وهو الاشتقاق من عارَ الفرسُ ، إذا ذهب عن صاحبه، لخروجها من يد صاحبها، وغلطه أيضاً بأنه من الياء. وفي القاموس أيضاً عده من الباء، وفي القاموس أيضاً، عد عار بمعنى جاة ،وذهب، والعيار المأخوذ من ذلك في مادة عير»، دون عور» التي قد عرفت أن العارية مأخوذة منها. وحينئذ فقد بطل هذا المعنى، فلم يبق إلا الاشتقاق من «التعاور» بمعنى: التداول ، أو من العارة» التي هي مصدر «أعارَ يعير إعارة»، وهذا هو الذي جمد عليه صاحب المصباح (الحدائق الناضرة: 29 / 489).
[15] (البغيبغة) بالمعجمتين مصغرة ضيعة بالمدينة لأهل البيت (ع) ثلاثيات الكليني: 1/ 184، (البغيبغة) ببائين موحدتين وغينين معجميتين وفي الوسط ياء مثناة: ضيعة أو عين بالمدينة غريزة كثيرة النخل (حلية الأبرار 2 / 312؛ البغييغة ... ضيعة أو عين بالمدينة كثيرة النخل لآل الرسول ، قال المسعودي في وفاء الوفاء: البغيبغة تصغير البغبغ وهي البشر القريبة الرشا، والبغبغات عيون عملها علي بن أبي طالب عليه السلام بينبغ.
[16] فلان يتفضح عرقاً: إذا عرقت أصول شعره وإريتل (لسان العرب: 2 / 346).
[17] إنتكف العرقُ عن جبينه: أي مسحه ونحاه. (النهاية: 5 / 116).
[18] إنثال عليه التراب أي انصبَ يُقال: انشال عليه الناسُ من كل وجه، أي انصبوا. (الصحاح: 5 335).
[19] الجزور: الناقة التي تُنحَر ، جمعها جُزر - بضمتين. (أمالي المرتضى).
[20] يُقال: هو حلال مطلق وطلق [أي مباح]، وهو لك طلقاً، وأعطيته من طلق مالي، وهذا حلال طلق، وهذا حرام غلق وطلق يده بالخير وأطلقها ؛ وهو طلق اليدين بالخير، ورجل منطلق اللسان وطلقه وطليقه، وطلق الوجه وطليقه ومنطلقه ومتطلّقه، وقد طلق وجهه طلاقة وانطلق وتطلق أساس البلاغة 1 / 283، مادة «طلق».
[21] نَص الرواية: الحُسَيْنُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ فَضَالَةَ عَنْ أَبَانِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْفَضْلِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ الله عليه السلام عَنِ الرَّجُلِ يَتَصَدَّقُ بِبَعْضٍ مَالِهِ فِي حَيَاتِهِ فِي كُلِّ وَجْهِ مِنْ وُجُوهِ الخَيْرِ وَقَالَ: إِنِ اخْتَجْتُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ مَالِي أَوْ مِنْ غَلَّةٍ فَأَنَا أَحَقُّ بِهِ أَلَهُ ذَلِكَ وَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهِ وَكَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ إِذَا هَلَكَ الرَّجُلُ، أَيْرْجِعُ مِيرَاثا أَوْ يَمضي صَدَقَهُ؟ قَالَ: عليه السلام يُرْجِعُ مِيرَاثا عَلَى أَهْلِهِ». (وسائل الشيعة: 19/ 177؛ جواهر الکلام: 28 / 72 - 73)
[22] راجع: كتاب السرائر: 3 / 156 - 157 .
[23] الدر المنثور: 1 / 415. وفي رواية أخرى عن أمير المؤمِنينَ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: «رُدُّوا السَّائِلِ وَلَو بِشن عمرة وأعطوا السَّائِلِ وَلَوْ جَاءَ عَلَى تُرس». (مستدرك الوسائل: 7 / 200).
[24] الدر المنثور: 1 / 416. وعَنْ أَبِي عَبْدِ الله عليه السلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: لا تَرُدُّوا السَّائِلَ وَلَو يطلف محرق». (وسائل الشيعة: 9 / 419 ، باب كراهة ردّ السائل وَلَوْ ظُنَّ غِناهُ).
[26] المصدر السابق: 24/ 39
[27] تفسير القمي: 1 / 64 .
[28] بحار الأنوار: 75 / 164 .