شهد العقدان الأخيران من القرن العشرين تحولات وتغيرات كبيرة سارت في اتجاهين، الأول أفول اقتصادات، والثاني بروز أخرى، وهذا ما كان مدعاة إلى اهتمام الباحثين والمعنيين بالشؤون الاقتصادية في دراسة وتحليل وتفسير تلك الظواهر على المستوى الكلي (Macro) والجزئي (Micro)، ومن الاقتصادات التي استحوذت على هذا الاهتمام هي ما سميت (بالنمور الآسيوية).
ومنذ منتصف الثمانينات استخدمت نماذج لدراسة النمو الاقتصادي للفترة طويلة المدى وهي التي يطلق عليها نظرية النمو الداخلي (1) (Endogenous growth theory) إذ من خلال التجارب الواقعية للنمو الاقتصادي بين Kaldor) ،1963) بعض الأسس والحقائق حول النمو الاقتصادي:
1ـ نمو الناتج للوحدة خلال الزمن، ومعدل نموه لا يتجهان إلى التناقص.
2 ـ رأس المال المادي للمشتغل ينمو خلال الزمن.
(physical capital per worker grows over time)
3 معدل العائد لرأس المال يقترب من الثبات.
4 ـ معدل (متوسط) وحدة رأس المال إلى الناتج ثابتة تقريباً.
5 ـ حصة العمل ورأس المال في الدخل القومي ثابتة تقريباً.
6. إن معدل نمو الناتج للمشتغل يختلف ما بين الدول.
وهناك وجهات نظر أخرى تعطي مواصفات للنمو الاقتصادي الحديث، إذ بين (Kuznets) 1981 ,1973) ان المعدل السريع للتحول البنيوي (الهيكلي) يتضمن الانتقال من قطاع الزارعة إلى قطاع الصناعة ثم إلى قطاع الخدمات، كما ان النمو المعاصر يتضمن زيادة دور التجارة الخارجية والتغير التقني الذي يقلل الاعتماد على الموارد الطبيعية.
ولا شك كان من أبرز القطاعات الاقتصادية التي شملتها عمليات التحول والتغيير قطاع الصناعة لما له من سمات جعلته يحتل دور الريادة في أولويات خطط التنمية الاقتصادية لعموم بلدان العالم ومنها البلدان النامية بشكل خاص.
وبعض سمات هذا القطاع:
ــ ان تنمية القطاع الصناعي تؤدي إلى تصحيح الاختلالات البنيوية التي يعاني منها الاقتصاد النامي من خلال زيادة الاهمية النسبية للسلع الصناعية في الصادرات وتقليل الاهمية النسبية للموارد الأولية، أي أن التصنيع يحدث تغيراً في بنية الصادرات وتنوعها.
ــ يعد القطاع الصناعي القاعدة الأساس في تطبيق التكنولوجيا (التقنية الحديثة) نظراً لقدرته على استيعابها بشكل واسع.
ــ يساهم هذا القطاع في تنوع الاقتصاد القومي، من خلال رفع مساهمته ككل بالناتج المحلي الإجمالي (GDP) نسبة إلى قطاع الزراعة والخدمات، كذلك من خلال رفع معدلات مساهمة أحد فروعه (الصناعة التحويلية) بالناتج المحلي الإجمالي، وتقليل الاعتماد على الصناعة الاستخراجية، للخروج من دائرة الاقتصادات ذات الجانب الواحد (اقتصادات وحيدة الجانب).
لذا أولت خطط التنمية الاقتصادية للبلدان النامية جل اهتمامها إلى القطاع الصناعي بشكل عام وإلى الصناعة التحويلية بشكل خاص، كونها أحد فروعه، إذ يعد رفع مساهمة الصناعة التحويلية بالناتج المحلي الإجمالي من مؤشرات النمو الاقتصادي ودليل تطور اقتصاد معين دون الآخر، ولغرض تحقيق معدلات نمو عالية لقطاع الصناعة التحويلية ورفع مساهمته يستوجب الاستغلال الكفء للموارد الانتاجية المتاحة من عمل ورأس مال وتغير تقني، اذ بذلت جهود حثيثة في المدى القصير (Short Run) والمدى الطويل (Long Run) من قبل المخطط (الإدارة ،المنظم) في عموم القطاع الصناعي لتحسين وزيادة انتاجية هذه الموارد ويساهم المورد الأخير - التغير التقني - في النمو الاقتصادي باعتباره متغيراً اقتصادياً يساهم في التأثير في بقية المتغيرات الاقتصادية ويتفاعل معها.
وهذا ما أثبتته دلائل تجريبية في العديد من الاقتصادات خاصة سريعة النمو منها ، والتي اتسمت باستخدام مخرجات (انتاج) المعرفة العلمية في تسيير أنشطتها الاقتصادية، لذا ((فإن التغير التقني)) أصبح واقعاً ملموساً من خلال أثره في خلق الثروة ونموها لأي مجتمع ، وبالتالي ان سمة التخلف لا تصح في عالمنا اليوم إلا على من تخلف عن ركب التغير التقني (التقدم التكنولوجي)، المعبّر عنه بالكفاءة الانتاجية الأفضل للمجتمع.
إضافة لما تقدم فانه ليس من مقولة أو مسألة اقتصادية لقيت من الاهتمام والتداول بقدر ما لقيت مقولة ((الإنتاجية))، فقد قفزت هذه المقولة خلال العقدين الأخيرين من القرن الماضي إلى المصاف الأول من اهتمامات المعنيين بالإنتاج والانتاجية، وقد تجلى هذا الاهتمام في مظاهر عديدة نذكر منها:
- تأسيس شبكة واسعة مما يعرف اليوم باسم ((مراكز الإنتاجية)) غطت أغلب البلدان والمناطق الصناعية في العالم إن لم نقل جميعها.
- ظهور فرع جديد من فروع المعرفة يعرف باسم ((علم الانتاجية)).
ـ إدخال موضوع ((الانتاجية)) كمادة منهجية مستقلة تدرس في الجامعات والمعاهد العلمية العالية.
ـ تحويل قضية الانتاجية الى قضية وطنية وبالتالي استئثارها باهتمامات وتعليقات وتحليلات رجالات الاقتصاد والسياسة والاعمال.
لذلك جاءت هذه الدراسة ببابين، الباب الأول يشمل الفصل الأول والثاني كإطار نظري، يوضح مفهوم الإنتاجية ومزاياها وقياسها على مستوى القطاع الصناعي، ثم بيان مفهوم الكفاءة، فضلاً عن تحليل التغير التقني من خلال جملة مفاهيم ساعدت على تبني تعريف لهذا المتغير، وإجراء مسح للتصنيفات المختلفة للتغير التقني فضلاً عن موقعه في نظريات النمو الاقتصادي، مع توضيح طريقة قياس الانتاجية والتغير التقني، والتي جاءت في اتجاهين، الأول استخراج معدل انتاجية العامل الكلية (TFPG) الذي يعد معبراً عن التغير التقني (TC) مع افتراض ثبات الكفاءة (.EFF)، أما الثاني اختیار مقياس انتاجية العامل الكلية (TFP) بناء على قياس التغير التقني (TC)(المعبر عنه بالزمن T في دالة الإنتاج) مضافاً له الكفاءة (Efficiency) من خلال تقدير حوال الإنتاج.
أما الباب الثاني، يتضمن الفصل الثالث والرابع كإطار تطبيقي، حيث ركزوا على تحليل مسار النمو الفعلي (Actual) لمدخلات ومخرجات قطاع الصناعة التحويلية للأقطار عينة الدراسة (العراق، الإمارات العربية المتحدة، عمان)، وهو ما يعد توصيف لمتغيرات هذا القطاع، ثم أنصرف الفصل الرابع إلى تحليل مسار النمو السلوكي (Behavioral) من خلال دوال الانتاج ممثلاً ببيان مدى العلاقة بين المدخلات والمخرجات، ثم وصولاً إلى قياس الانتاجية انتاجية العامل الكلية (TFP) (وتسمى أيضاً الإنتاجية الكلية للعامل).
إن هذه الدراسة هي جانب تطبيقي في قياس الإنتاجية والتغير التقني، وهي بمثابة ترجمة الأطروحة الدكتوراه التي ناقشها الباحث، حيث إن تحويل مثل تلك الدراسات إلى كتاب يساعد الباحثون وطلاب الدراسات العليا في متابعة مثل تلك المواضيع التي تحتل أهمية كبيرة في حياتنا الاقتصادية، فضلاً عن مبادرة إدارة دار البداية ناشرون وموزعون (دار نشر) في طرح موضوع طباعة اطروحة الدكتوراه ككتاب، الأمر الذي دعاني إلى أن أسجل جزيل شكري وتقديري وامتناني لهم بارك الله بهم وسدد خطاهم وجعلهم سبباً في نقل كل ما هو تطبيقي من العلوم حتى يسهل تناوله والاطلاع عليه بغية الاستفادة منه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- Robert J. Barro & Xavier sala-I-Martin (1999), Economic growth, (U.S.A: MIT pres), p.xv