ويحدثنا المؤرخ «ديدور الصقلي» (1) عن تحنيط الحيوان المقدس فيقول: إن الجسم كان يُحْفَظُ بحقنه بزيت خشب الأرز، وهو نوع من التربنتينا، وبواسطته لا يستخرج الإنسان أمعاء الحيوان. وهذه الطريقة تقابلها الطريقة الثانية للتحنيط التي ذكرها «هردوت» (2) وفيها يقول: وبعد أن يملأوا حقنهم بالزيت المستخرج من خشب الأرز يملئون أحشاء الجثة دون إحداث أي قطع فيها أو استخراج الأمعاء؛ ولكن كانوا يحقنونها في الدبر؛ وبعد أن يمنعوا الحقنة من التسرب كانوا يغمسون الجسم في مادة النطرون لمدة أيام معدودات، وفي اليوم الأخير من هذه المدة المحددة كانوا يتركون الزيت المحقون يخرج من الدبر، وكان له مفعول عظيم لدرجة أنه كان يجعل الأمعاء تطرد إلى الخارج كما يجعل الأحشاء في حالة تحلل.
والنطرون بطبيعته يحلل اللحم، ولا يبقى شيء من الجسم إلا الجلد والعظام. وبعد إتمام ذلك كانوا يعيدون الجثة دون إجراء أية عملية أخرى أبدًا فيها. وهذه الملحوظات كلها صحيحة؛ وذلك لأن زيت خشب الأرز لا يذيب الأحشاء كلية، ولكن يعمل على عدم تعفن الجثة التي كانت كذلك تباد بوساطة النطرون. ويُلْحَظُ أن الصديد الذي كان يخرج من الجثة مدة السبعين يومًا لم يكن هو زيت خشب الأرز؛ بل هو المادة المتحللة من الأحشاء التي كانت قد ذابت هناك، ولم يكن في مقدرة الزيت أن يقذف بها إلى الخارج. وهذه الطريقة الثانية للتحنيط التي ذكرها «هردوت» كان ثمنها على حسب تقدير «ديدور» عشرين مينات (المنات = أربعة جنيهات). وهذا يقابل تكاليف تحنيط جسم آدمي. وتدل الموميات الكثيرة العدد جدًّا التي كُشِفَ عنها من موميات الحيوانات المقدسة من كل صنف من أول العجل «أبيس» حتى فأر البحر؛ على أنها كانت على درجات مختلفة من التحنيط (3). وقد كان ذلك يتوقف على مكانة الحيوان، وعلى ثراء المعبد الذي يأوي فيه، وكذلك على عظمة هذا المعبد، وعلى مقدار العناية بتحنيطه. ويُلْحَظ أن الموميات التي كانت قد حُفِظَتْ حفظًا ممتازًا، ونخص من بين هذه موميات القطط؛ يمكن الإنسان أن يسلم بأنها كانت ضمن حيوانات المعبد، وهذه كانت أحيانًا أو في غالب الأحيان تُحَنَّطُ تحنيطًا من الدرجة الأولى، وهي التي على حسب تقدير «ديدور» إذا ما قُرِنَتْ بتحنيط الإنسان لا تقل تكاليفها عن تالنتا من الفضة؛ أي حوالي 235 جنيهًا (4).
وكان من المفهوم أحيانًا أن إمكانيات المعبد لم تكن كافية لتغطية مصاريف هذا النوع الباهظ الثمن من التحنيط؛ ومن أجل ذلك كان يضطر رجال الدين إلى البحث عن المال اللازم لتغطية هذه المصاريف من أية جهة كانت. فكانوا يلجئون في ذلك أولًا إلى كرم الأهالي، وقد حدثنا في ذلك المؤرخ «بلوتارخ» (5) فاستمع إلى ما جاء فيه: إن كل سكان مصر جميعًا كانوا يتبرعون لدفن الحيوانات المقدسة بمبالغ محددة باستثناء سكان «طيبة». وعلى الرغم من منطوق عبارة «بلوتارخ» فإن الإنسان لا يمكنه أن يفكر في أنه كانت تُفْرَضُ ضرائب لجمع الأموال اللازمة؛ بل كانت تُعْتَبَرُ بمثابة هبات يدفعها ثراة القوم. وهذا الرأي قد أكده ما جاء في بردية محفوظة بمتحف «جنيفيا» ويرجع تاريخها إلى العهد الروماني في مصر، ويذكر متنها أن جماعة من الكهنة وعظماء القوم في «منف» قاموا بمناسبة موت عجل «أبيس» بتوريد كل ما يلزم لأجل الاحتفال بدفن العجل «أبيس»، وذلك بجمع المال اللازم لهذا الغرض.
ولا نزاع في أن هذه البردية تقدم لنا في الوقت نفسه البرهان على أن مثل هذه الهبات كانت تقدم عينًا، وكذلك تبرهن على أن الكهنة أنفسهم كانوا يشتركون في تقديمها؛ فقد اشتملت هذه الورقة على مستند بعشرة أذرع من الكتان الملكي قُدِّمَتْ لمعبد الإله «سبك» (6). هذا، وقد وجدنا ما يماثل ذلك في بردية عُثِرَ عليها في «أم البرجات»، وفحواها أن رئيس الكهنة في معبد «آتوم» بمدينة «هليوبوليس»(7) قد صدق على تسلم عشرين ذراعًا من الكتان الجميل لأجل تحنيط ثور «منيفيس»، من فرد يُدْعَى «مارون» Maron بن «باكبكيس» Pakebkis ويُدعى كذلك باسم «سوزيموس» Zosimis. وكان كاهن المعبد الفاخر للآلهة في قرية «تبتونيس» Tebtunis في مقاطعة «أرسنوي». والظاهر أن توريد كتان الموميات كان ميزة اختص بها معبد التمساح؛ وذلك لأن الإله «أوزير» كان ذات يوم قد كفن في لفائف حمراء كان قد صنعها له الإله الذي يتقمص التمساح (8) (= الإله سبك). وكذلك كان الملك في عهد البطالمة يسهم في تجهيز الحيوان المقدس بعد الموت كما يدل على ذلك ما حدثنا به الكتاب القدامى، وكذلك الآثار التي من عهد كل من «بطليموس» الرابع والخامس، وبخاصة ما جاء في نقوش مرسوم «حجر رشيد» الذي تحدثنا عنه من قبل.
وكان يُعَيَّنُ — لتحنيط الحيوان المقدس وتجهيزه للدفن — كهنة خاصون كما جاء ذكر ذلك في بعض الأوراق البردية (9). وقد جاء ذكر محنطين خاصين بالقردة والقطط وأولاد آوى والبقر والصقور والثعابين وغيرها من الحيوانات المقدسة. وهؤلاء الكهنة كانوا تابعين لجمعيات، وكان لكل جمعية قانونها الخاص، وهؤلاء الكهنة كانوا من الطبقة الدنيا من الكهنة، ويعملون موظفين في جبانة الحيوانات المقدسة، كما كانوا بطبيعة الحال يعملون في جبانة العجل «أبيس» المعروفة باسم السرابيوم.
ومما تجدر ملاحظته هنا أن جبانة الحيوانات المقدسة كانت تتألف من مدافن منفردة يُدْفَنُ في كل الحيوان الرئيسي الذي كان يقدس في المعبد ويسكن فيه. وكانت هذه الجبانة تحتوي على كهوف جماعية تدفن فيها الحيوانات المقدسة التي من نوع الحيوان المقدس الرئيسي. ولا نزاع في أن الحيوان المؤله — الذي كان يعتنى به في كل حالة من حيث التحنيط والتجهيز؛ كان يثوي غالبًا تحت مقصورة صغيرة تقام فوق قبره المحفور في جوف الأرض، وهذه المقصورة كانت مخصصة لعبادته؛ فكانت تزدان بالنذور التي كان يقدمها الصالحون وأهل التقوى، هذا فضلًا عما كان يقدم له من قربات، ويُقام له من صلوات. وأبرز مقاصير من هذا النوع معروفة لنا هي مقاصير العجل «أبيس» في سقارة. وقد تحدثنا عنها في أنحاء مختلفة في هذه الموسوعة منذ بداية إقامتها في هذه البقعة المقدسة.
........................................................
1- راجع: Diod., I 83.
2- راجع: Herod. II, 87.
3- راجع: Loncts et Gaillards, La faune Momiflée de l’Ancienne Egypte. Lyons (1906)
4- راجع: Diod., I, 91.
5- راجع: Plut. Ibid. 21.
6- راجع: W. Otto. Priester und Tempel in hellinist Agypten I, s. 391. Ann. 4
7- راجع: Pap. Tebt. II, 313.
8- راجع: Brugsch. Died, Georgr. 1175.
9- راجع: Pap. Tebt. I. 72, Z. 411 vgl. 61 b. Z. 401.