رسالة مسلم إلى الإمام الحسين (عليه السلام)
تتابعَتْ كتبُ أهلِ الكوفةِ إلى الإمامِ الحسينِ (عليه السّلام)، وهي تحثُّهُ على المسيرِ والقدومِ إليهم لإنقاذِهِم من ظلمِ الأمويِّينَ وعُنفِهِم ... فرأى الإمامُ (عليه السلام) قبلَ كلِّ شيءٍ أن يختارَ لِلُقيَاهُم سفيراً لَهُ... وقد اختارَ (عليه السلام) لسفارتِهِ ثِقَتَهُ مسلمَ بنَ عقيلٍ (رضوان الله عليه)، فاستجابَ لَهُ عن رِضًا ورغبةٍ، وَزوَّدَهُ برسالةٍ إليهِم فتَسلَّمَهَا، وسارَ يطوي البيداءَ حتّى دخلَ الكوفةَ فاختارَ النّزولَ في بيتِ المختارِ الثقفيِّ (رضوان الله عليه)؛ لوثوقِهِ منه بإخلاصِهِ للإمامِ (عليه السلام) وتفانيهِ في حُبِّهِ.
فتحَ المختارُ أبوابَ دارِهِ لمسلمٍ، وقابلَهُ بمزيدٍ من الحفاوةِ والتكريمِ، وأقبلَتِ الشيعةُ إليه من كُلِّ حَدبٍ وصَوبٍ، وهم يُظهِرُونَ لَهُ الولاءَ والطَّاعةَ.
فازدادَ مسلمٌ إيماناً ووثوقاً بنجاحِ الدَّعوةِ حينمَا بايعَهُ ذلك العددُ الهائلُ مِن أهلِ الكوفةِ، فكتبَ للإمامِ (عليه السّلام) رسالةً يَسْتَحِثُّهُ فيها على القدومِ إليهِم، نَصُّهَا: (أمّا بَعدُ، فَإِنَّ الرّائِدَ لا يَكذِبُ أهلَهُ، وقَد بايَعَني مِن أهلِ الكوفَةِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ ألفًا، فَعَجِّلِ الإِقبالَ حينَ يَأتِيكَ كِتابي؛ فَإِنَّ النّاسَ كُلَّهُم مَعَكَ، لَيسَ لَهُم في آلِ مُعاوِيَةَ رَأيٌ ولا هَوىً، وَالسَّلامُ).
ولكنَّ الحزبَ الأمويَّ قام باتّصالٍ سريعٍ بحكومةِ دمشقَ، وطلبُوا منها اتّخاذَ الإجراءاتِ الفوريَّةِ قبلَ أن يتَّسعَ نطاقُ الثورةِ، ويأخذَ العراقُ استقلالَهُ، وينفصلَ عن التبعيَّةِ لدمشقَ الأمويَّةِ.
فأمرَ يزيدُ اللعينُ بِتَولِيَةِ عُبيدِ اللهِ بنِ زيادٍ (عليه اللعنة) على الكوفةِ بدلاً مِنَ النعمانِ بنِ بشيرٍ؛ لأنَّ الأخيرَ كانَ مُتساهِلاً بنظرِهِم....
عمدَ ابنُ مرجانةَ الفاجرُ اللعينُ إلى نَشْرِ الإرهابِ وإذاعةِ الخَوفِ في الكوفةِ؛ لإِماتَةِ الأعصابِ وَصَرْفِ النَّاسِ عن الثَّورةِ، وجرَتْ بعدَ ذلكَ أحداثٌ كثيرةٌ.
أوعزَ الطاغيةُ اللعينُ إلى جماعةٍ أن يُبادِرُوا بِبَثِّ الذُّعْرِ ونَشْرِ الخَوْفِ بينَ النَّاسِ، وترويجِ الإشاعاتِ، ومنها: التهديدُ بجيوشِ أهلِ الشّامِ اللعناءِ، ومنعُ العطاءِ.
فانطلقَ هؤلاءِ الجواسيسُ إلى صفوفِ جيشِ مسلمٍ، فأخذُوا يُشِيعُونَ الخَوفَ ويَبَثُّونَ الأراجيفَ، فَمُنِيَ الجيشُ بالهزيمةِ، وتفرَّقُوا عن مسلمٍ (عليه السّلام).
+ شهادة مسلم بن عقيل (عليه السلام):
أصدرَتِ سلطاتُ ابنِ مرجانةَ الفاجرِ أمراً تَضمَّنَ ما يأتي:
أولاً: الحكمُ بالإعدامِ على كُلِّ مَن آوى مسلماً.
ثانياً: إنَّ دِيَةَ مسلمٍ تكونُ لِمَن جاءَ بِهِ.
ثالثاً: إنَّ مَن ظفرَ بمسلمٍ تمنحُهُ السلطةُ عشرةَ آلافِ درهمٍ.
رابعاً: إنَّ مَن يأتي بِهِ يكونُ من المُقرَّبِينَ عِنْدَ اللعينِ يزيدَ وينالُ ثِقَتَهُ.
وتَمَنَّى أكثرُ أولئكَ الأوغادِ الظَفرَ بمسلمٍ؛ لِينالُوا المكافأةَ، وكذا التَقَرُّبَ إلى يزيدَ الفاجرِ (حشرهم الله معه في الدرك الأسفل من النّار).
وبعد أن جرَت معركةٌ غيرُ متكافئةٍ بينَ مسلمٍ وبينَ أزلامِ ابنِ مرجانةَ الفاجرِ جُرِحَ فيها مسلمٌ ووقعَ في أسْرِ أعدائِهِ، سُلِّمَ إلى الطاغيةِ الكافرِ ثُمَّ أمرَ بإلقائِهِ مِن أعلى القَصْرِ.
استقبلَ مسلمٌ (سلام الله عليه) الموتَ بِثَغْرِ باسمٍ، فَصُعِدَ بِهِ إلى أعلى القَصْرِ، وكانَ يُسبِّحُ اللهَ ويَستغفِرُهُ بِكلِّ طُمأنينةٍ ورضًا، ويقولُ: (اللَّهُمَّ احكُمْ بينَنَا وبَينَ قَومٍ غَرُّونَا وَخذلُونَا).
سقطَ مسلمٌ شهيداً، دفاعاً عن الحقِّ، ودفاعاً عن مولاهُ الإمامِ الحسينِ (عليه السّلام)، فرضوانُ اللهِ تعالى عليهِ ما بَقِيَ الليلُ والنَّهارُ.
منقول بتصرّف
1
قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)