0

بمختلف الألوان
لقد فاضلَ الله سبحانه وتعالى بحسب حكمته في التشريع بين الشهور كما فاضلَ بين الأيّام، وكما فاضل بين السّاعات لأجل أن تكون هذه الفضيلة منبّهات للإنسان على مزيدٍ من الجد والتبصّر والاستعداد للحياة الأخرى. فلو كان الإنسان مدعوّاً إلى عمل الخير في جميع الأوقات على وجهٍ واحدٍ لم يكن له حافز على استثمار... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
الآثار الوضعية للذنوب... سوء الخُلُق شؤمٌ يطرد المودّة (74)

منذ ساعتين
في 2026/11/02م
عدد المشاهدات :9

حسن الهاشمي
لا يزال سوء الخلق شؤم ونحس يطارد صاحبه ويجعل منه مخلوقا مشوّها تنفر منه النفوس وتبتعد عنه القلوب الصافية، تلك القلوب التي تتغذى دائما وأبدا من ينبوع الفطرة السليمة، التي تأبى أن تدنّسها الأحقاد وتلوثها الإحن وتطمسها المفاسد والمواجع والفتن، وأنها ترنو الى التحليق في سماء النبل والصفاء والسعادة، ربما يكون ذلك قاسيا على الانسان في الوهلة الأولى، ولكنه بحاجة الى قليل من الصبر والحنكة والصرامة، بحاجة الى إرادة صلبة يكمح من خلالها جماح النفس المتعالية والانطلاق منها لاستيعاب القريب والبعيد والمؤالف والمخالف، ولا يكون ذلك الا بعد التخلّي عن الشؤم والتحلّي باليمن والخير والبركة.
نرى ذلك جليا في مواعظ النبيّ صلّى الله عليه وآله: (سوء الخُلق شؤم) تحف العقول للحراني، ص ۳۷. الشُّؤم في اللغة العربية هو: النحس، وسوء العاقبة، وما يُظنّ أنّه يجلب الضرر أو يُفضي إلى الخسارة، وهو ضدّ اليُمن الذي يدلّ على الخير والبركة، وبالتالي فان سوء الخُلُق شؤمٌ على صاحبه؛ يُبدّد المودّة، ويُطفئ نور المحبّة، ويحوّل القلوب القريبة إلى قلوبٍ نافرة، يا لها من صفة ذميمة، وأنها تنزل على رأس صاحبها ومن يلوذ به كالصاعقة تحرق الأخضر واليابس، ولكيلا نقع في شراك الشؤم علينا أن نجتثّ جذور سوء الخلق في دواخلنا ريثما نصل جميعا الى بستان المحبة التي يستظل بأغصانها الخضراء كل قريب وبعيد.
عندما نقول: "سوء الخُلُق شؤم"، فالمقصود أنّ سوء الخُلُق يجلب لصاحبه عواقب سيئة، ويكون سبباً في نفور الناس منه، وفقدان مودّتهم، واضطراب علاقاته بأهله وأصدقائه ومجتمعه، فالشخص سيّئ الخُلُق قد يُنفّر الناس بقسوته، ويُضيّع محبّتهم بلسانه، ويخسر ثقتهم بتصرّفاته؛ فيصبح سوء خُلُقه سبباً في شقائه الاجتماعي والنفسي.
هل الشؤم يعني أنّ الإنسان سيّئ الحظ؟ ليس بالضرورة؛ فالشؤم في هذا السياق لا يعني سوء الحظ أو التشاؤم من الأشخاص والأشياء، وإنّما يعني أنّ سوء الخُلُق تترتّب عليه آثار سيّئة وعواقب غير محمودة، يمكن الإبقاء عليها وما يترتب عليها من آثار وخيمة، ويمكن اجتثاثها وما يصاحبها من آثار طيبة، اذن الأمر متروك لصاحبها وما يتمتّع به من سجايا أخلاقية وما تتضمن من عواقب هو الذي يتحكم بمجرياتها وتداعياتها في حياته اليومية.
ليس الشؤم في وجهٍ عابس، ولا في يومٍ عاثر، ولا في رزقٍ تأخّر، بل قد يكون الشؤم الحقيقي في خُلُقٍ سيّئ يُنفّر القلوب، ويُفسد العلاقات، ويُحوّل نعمة الاجتماع إلى نقمة، والمودّة إلى جفاء، والأنس إلى وحشة، فما أقسى أن يمتلك الإنسان أسباب السعادة، ثم يُبدّدها بلسانه، ويُفسدها بطباعه، ويُغلق أبواب المحبّة بسوء معاملته!
إنّ سوء الخُلُق ليس مجرّد عيبٍ عابر في سلوك الإنسان، بل هو آفةٌ تمتدّ آثارها إلى بيته ومجتمعه وعمله؛ فكم من إنسانٍ خسر صديقاً بسبب كلمة جارحة، وأبعد قريباً بسبب قسوةٍ في المعاملة، وأطفأ نور المحبّة في قلب زوجته وأطفاله بسبب غضبٍ لا يعرف حدوداً، أو كبرياءٍ لا يقبل اعتذاراً، أو لسانٍ لا يتورّع عن التجريح والإهانة!
وقد يظنّ سيّئ الخُلُق أنّ شدّة طبعه دليل قوّة، وأنّ غلظته علامة هيبة، وأنّ الآخرين حين يصمتون أمامه إنّما يفعلون ذلك احتراماً له، ولا يدري أنّ بعض الصمت ليس رضا، وأنّ بعض الابتعاد ليس انشغالاً، بل هو هروبٌ من أذى لا تُطيقه النفوس، فليس القويّ من يفرض حضوره بالخوف، وإنّما القويّ من يكسب القلوب بحسن معاملته، ويملك نفسه عند الغضب، ويصون كرامة الآخرين حين يختلف معهم.
ولقد أولى الإسلام حُسن الخُلُق منزلةً عظيمة، وجعله من أبرز معالم كمال الإيمان، قال الله تعالى مخاطباً نبيّه الكريم صلى الله عليه وآله: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) القلم: 4. وفي هذه الآية دلالةٌ على أنّ عظمة الإنسان لا تُقاس بما يمتلكه من مالٍ أو جاه، ولا بما يحظى به من مكانةٍ اجتماعية، بل بما يتحلّى به من فضائل النفس، وما يُجسّده من رحمةٍ وتواضعٍ وحلمٍ وإحسان.
ومن مدرسة أهل البيت عليهم السلام نتعلّم أنّ العبادة لا تنفصل عن الأخلاق، وأنّ القرب من الله ينبغي أن ينعكس رحمةً في التعامل، وصدقاً في القول، وعدلاً في المعاملة، فلا قيمة لمظهرٍ تعبّديٍّ لا يردع صاحبه عن إيذاء الناس، ولا يليق بمن ينتسب إلى مدرسة الأخلاق المحمّدية أن يكون مصدر خوفٍ وألمٍ لمن حوله.
إنّ شؤم سوء الخُلُق يبدأ حين يخسر الإنسان محبّة المقرّبين، ويتّسع حين يفقد ثقة الناس، وقد ينتهي به إلى عزلةٍ مريرة، يعيش فيها بين جدران كبريائه، فلا يجد قلباً يأنس به، ولا صديقاً يطمئنّ إليه، ولا لساناً يثني عليه بصدق، وقد تكون أشدّ الخسائر ألماً أن يخسر الإنسان قلوب أهله، وهم أقرب الناس إليه، بسبب طباعٍ كان يستطيع تهذيبها لو جاهد نفسه، وتعلّم الاعتذار، وأدرك أنّ الكلمة الطيّبة ليست ضعفاً، وأنّ الرفق ليس هزيمة، وأنّ التواضع لا يُنقص من قدر صاحبه.
ليس سوء الخُلُق مجرّد عيبٍ شخصيّ يقتصر أثره على صاحبه، بل هو شؤمٌ تتجاوز آثاره حدود الفرد لتصيب الأسرة والمجتمع، وتترك بصماتها على العلاقات الإنسانية، فالإنسان سيّئ الخُلُق لا يؤذي الآخرين بكلماته وتصرفاته فحسب، وإنما يزرع النفور في القلوب، ويهدم جسور الثقة والمودّة، ويحوّل أجواء الألفة إلى مساحات من التوتر والخصومة.
أولاً: التفكّك الأسري وضياع المودّة، من أخطر آثار سوء الخُلُق انعكاسه على الحياة الأسرية؛ فالزوج سيّئ المعاملة قد يحوّل بيته من واحة للسكن والطمأنينة إلى بيئة يسودها الخوف والتوتر، وكذلك الأب الذي يقسو على أبنائه، أو يتعامل معهم بالإهانة والتوبيخ، قد يترك في نفوسهم جروحاً نفسية يصعب تجاوزها، وهكذا يصبح سوء الخُلُق سبباً في تراجع المودّة وضعف الروابط الأسرية.
ثانياً: تفكّك العلاقات الاجتماعية وفقدان الأصدقاء، الأخلاق الحسنة مفتاح القلوب، أما سوء الخُلُق فهو من أبرز أسباب إغلاقها، فالإنسان قد يمتلك المال والجاه والعلم، لكنه يخسر محبة الناس بسبب حدّة طباعه وسوء تعامله، ولذلك فإن سيّئ الخُلُق قد يجد نفسه وحيداً، قليل الأصدقاء، فاقداً للثقة والقبول الاجتماعي.
ثالثاً: إشاعة الخصومة والعداوة بين الناس، حينما يصبح التجريح والإساءة والانتقاص من الآخرين أسلوباً في التعامل، تتراجع ثقافة الحوار والتسامح، وتحلّ محلّها الخصومات وسوء الظن وتبادل الاتهامات، وبذلك لا يبقى سوء الخُلُق مشكلة فردية، بل يتحوّل إلى عامل يهدّد السلم الاجتماعي.
رابعاً: إضعاف الثقة في المؤسسات والعمل الجماعي، لا يمكن للعمل المؤسسي أن يحقق أهدافه في بيئة يسودها التعالي والتسلّط والإساءة، فالمسؤول سيّئ الخُلُق ينفّر العاملين منه، ويضعف روح التعاون، ويجعل العلاقات المهنية قائمة على الخوف والمجاملة بدلاً من الاحترام والإخلاص.
خامساً: العزلة الاجتماعية وفقدان المكانة الإنسانية، قد يحظى الإنسان بمكانة علمية أو اجتماعية مرموقة، لكن سوء خُلُقه يبدّد رصيده المعنوي، فالناس لا تقيس قيمة الإنسان بما يمتلكه وحده، وإنما بما يصدر عنه من احترام ورحمة وحسن معاملة، ومن هنا قد يصبح سيّئ الخُلُق بعيداً عن الناس، وإن كان قريباً منهم مكاناً ومنصباً.
ليس إصلاح الخُلُق أمراً مستحيلاً؛ فالإنسان يستطيع أن يبدأ من كلمةٍ طيّبة، وابتسامةٍ صادقة، واعتذارٍ عند الخطأ، وصبرٍ عند الغضب، وعفوٍ عند المقدرة، وما أجمل أن يراجع المرء نفسه قبل أن يُحاسب الآخرين، وأن يسألها: هل يشعر أهلي بالأمان في حضوري؟ وهل يجد أصدقائي في حديثي راحةً واحتراماً؟ وهل أترك في نفوس الناس أثراً طيّباً أم جرحاً يحتاج إلى زمنٍ طويل كي يلتئم؟
إنّ حسن الخُلُق زينةٌ لا تبلى، ورصيدٌ لا ينفد، وصدقةٌ معنويةٌ تمتدّ آثارها في حياة الآخرين، أمّا سوء الخُلُق فشؤمٌ يحرم صاحبه بركة المودّة، ويُفسد عليه لذّة النعمة، ويجعله غريباً بين أقرب الناس إليه.
فطوبى لمن جعل خُلُقه جسراً إلى القلوب، ولسانه مفتاحاً للمودّة، ومعاملته شاهداً على إيمانه؛ فإنّ الإنسان قد يُنسى ماله وجاهه، ولكنّ أثر خُلُقه يبقى في النفوس، إمّا دعاءً وذكراً جميلاً، وإمّا ألماً وذكرى ثقيلة.
إن شؤم سوء الخُلُق لا يتوقف عند صاحبه، بل يمتدّ إلى كلّ من يعيش في محيطه؛ فهو يهدم ما تبنيه المودّة، ويفرّق ما تجمعه الألفة، ويطفئ نور المحبة في القلوب، وقد يكون الإنسان كثير العبادة، واسع العلم، عظيم المكانة، لكنه يخسر ثمار ذلك كلّه حينما يسيء إلى أهله وجيرانه وأصدقائه ومن يتعامل معهم.
فالأخلاق ليست زينةً تكميلية في شخصية الإنسان، بل هي أساس استقرار الأسرة، وتماسك المجتمع، ونجاح العلاقات الإنسانية، ولعلّ أبلغ ما يُقال في هذا المعنى: سيّئ الخُلُق لا يحمل شؤمه في نفسه وحدها، بل يجعل من محيطه الاجتماعي ضحيةً لسوء طباعه.

اعضاء معجبون بهذا

قد يكون الفراق قرارنا ياجورجيو!!
بقلم الكاتب : د.أمل الأسدي
في طفولتنا بكينا مع " جورجيو" في الفلم الكارتوني" نيلز" وكم كرهنا قسوة القائد "أكسا" الذي تخلی عن ربيبه، وتنازل عن أبوته تجاه " جورجيو" وكيف حلّق بعيدا مع سربه من دون الاكتراث بوجع "جورجيو" ومن دون الالتفات أو الإصغاء الی نداءاته المتكررة ولهفته! فلم تحركه صرخاته بكلمة: أبي أبي أبي أكسا... وقد اعترض"... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

في أحد الصفوف المترامية من مدرسةِ الحيِّ القديمة، حيث تنعكسُ الشمسُ على... المزيد
في زاويةٍ معتمةٍ من سجن "النهضة" بمحافظة الديوانية، كان الليلُ ينسكبُ ثقيلاً... المزيد
يقف "سمُّ الخياط" أسطورةً ناصعة في الذاكرة الإنسانية، تلك البوابة الضيقة التي... المزيد
بين أزقة بغداد المترعة بعبق الورق وذاكرة الحبر، وفي ذلك الشارع الذي تنهب فيه روح... المزيد
قراءة في الدروب من سيرة الشهيد القائد إبراهيم الحاج ((أبو محمد السلمان)) للكاتب عبد... المزيد
كانت تلاحقه خيبات عام 2024 في أفق الذاكرة كغيوم داكنة لا تمطر سوى الأسى، حاملة معها... المزيد
في أعالي جبال كازاخستان، حيث تتجمع أسراب طيور الفلامينكو استعداداً للدفء، كان قائد السرب،...
‏كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل والسماء تمطر بغزارة والبرد يتسلل من شقوق الجدران الطينية...
في صباحٍ بغداديٍّ مثقلٍ برائحة الغبار والدخان، دخل إلى دار الأستاذ هشام طفلٌ لا يتجاوز...
شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن وزهــــــــا...


منذ 1 اسبوع
2026/10/25
تُعدّ الصواعق الرعدية من أبرز الظواهر الجوية التي تحدث في الغلاف الجوي، وتمثل...
منذ 1 اسبوع
2026/10/25
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء المائة وواحد وعشرون: أينشتاين وانحناء الضوء:...
منذ اسبوعين
2026/10/20
خلق الإنسان: قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ [الحج:...